وكنت لما نزلت بخلفون على أم ربيع ذكرت من كان معنا في الزاوية الدلائية من المعارف والأحباب، وكانوا يومئذ قد شرقوا لناحية تلمسان فقلت:
سلام على الأحباب غير مضيع لذي شرف ذكرًا ولا لوضيع
سلام محب لا يزال أخا هوى إلى جلة قد شرقوا ونزوع
ومن يسأل الركبان عني فإنني حللت ببيتي حول أم ربيع
فألفيته يحكي زفيري زفيرة بقلب كقلبي بالفراق صديع
ويسعدني في عبرتي غير أنه يخالفني في مهبط وطلوع
فتجري إلى مَهْفى الجنوب دموعه وتجري إلى مَهْفى الشمال دموعي
ولما كنت بمدينة مراكش - حرسها الله تعالى - " سنة ثلاث وتسعين وألف " وقد بقيت الأملاك في خلفون والكتب وما معها في مكناسة وبقيت العلائق في جبال فازاز والقبيلة في ملوية " قلت ":
تشتت قلبي في البلاد فقسمة بمراكش منه على رجل طائر
وأخرى بخلفون وأخرى مقيمة بمكناسة الزيتون حول الدفاتر
وأخرى بفازاز وأخرى تجزأت بملوية الأنهار بين العشائر
وأخرى بذاك الغرب بين أحبتي بأهل البوادي منهم والحواضر
فيا رب فاجمعها فإنك قادر عليها وما غير الإله بقادر
ويا رب فأجعلها بأوطانها فما عُبَيدك للبنين المشت بصابر
لك الفضل والإحسان بدءًا وآخرًا وإني لما أوليتني جِدُّ شاكر
فمُنَّ بإنعام وجُد لي بحاجتي ورفق بقلب للهموم مسامر
فمالي إلاّ بابك الرحب ملجأ وما طلب الحاجات منك بضائر
ومالي إلاّ جودك الجمّ شافع وحسبي بفيض منه أغزر وافر
وصفوتك المبعوث للناس رحمة بشيرًا شفيعًا مظهرًا بالبشائر
صلاة وتسليم عليه مدى المدى وعترته والصّحب أهل البصائر
وجرى يومًا ذكر البيتين اللذين أنشدهما سيدنا بلال - ﵁ - وهما قوله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مَجَنّةٍ وهل يبدون لي شامة وطفيل
فهاج لي إلى الأوطان اشتياق، فقلت نحو هذا المساق:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بسهب الشنين أو بسهب بني ورا
وهل تعبرن نهر العبيد ركائبي وهل تتركن دايًا وأدواءَها ورا
وهل أردن عسلوج يومًا فأشربن مياهًا به يحكي رحيقًا وكوثرا
وهل تمرحن حيلي بذروة آمنًا وبُطنانها من قبل أن يحفر الثرى
وهل أكحلن يومًا جفوني بنظرة إلى الأرزات الفارعات فتبصرا
وهل أدفعن جيش الهموم ببسطة مع الحي في تلك الديار فتقصرا
ونهر العبيد " هو " وادي العبيد المعروف، ومدينة داي هي المعروفة اليوم بالصومعة في تادلا، وإنما قال أدواؤها أي أمراضها لأنها كثيرة الأمراض والوخم.
[ ٧٦ ]
ومن غريب ما اتفق لي في هذا البلد أنني مررت به حين سافرت إلى ناحية مراكش في طلب العلم فأصابتني الحمى منه، وذلك أول حمى أصابتني في عمري ثم بقيت في تلك النواحي عدة سنين فلما رجعت ومررت به أصابتني أيضًا، وكأنها كانت تنتظرني، ولذا كان من جملة التمني أن أترك هذه البلدة وأمراضها ورائي بالمجاوزة إلى وطني.
وكنا ذات مرة في بساتين خارج الحضرة المراكشية، ثم سرينا ليلة لقصد زيارة بعض الصالحين وركبت فرسًا، فما استويت " عنه " وبرد الليل وكنت أستحب السري فانبسطت نفسي وتمنيت أن لو كنت على أعتق من ذلك الفرس، وذكرت الأوطان فقلت ارتجالًا أو شبه ارتجال:
يا سرية لو كنت أسريها على نهد أغر محجل يعبوب
ينسابُ من تحتي كأن ذميله جريان ماء في الصفا مصبوب
ما بين خلاد فخوخات إلى نهر الرمال فمقطع فجبوب
فإذا فصلت من السلام عليكمُ وهفت صبًا في الجو ذات هبوب
فهناك تنشقني الحجاز وشيحه وتتم عرفًا من شذا محبوب
صلى الإله عليه ما وكف الحيا في الروض من وبل ومن شؤبوب
وعلى الأماجد آله وصحابه ما حنّ محبوب إلى محبوب
يا رب أنت رجاؤنا في نيْل ما نرجو فكن لعبيدك المربوب
لا رب نرجوه سواك أممكن وجدان آلهة لنا وربوب؟
فامنن عليها واسقنا إنا لفي ظمأ على شحط النوى وذبوب
واجمع بصفوتك الأجلة شملنا مع اخوة ومعارف وحبوب
واختم لنا معهم بدين قيم يتعلق وتشوّق مشبوب
فالدين والخرات أعود مقتنى أبدًا لكل مشمر ملبوب
وجرى " يومًا " ذكر قصيدة ابن الخطيب التي أولها:
سلا هل لديها من مخبرة خبر وهل أعشب الوادي ونم به الزهر
فسما أيضًا شوق وحزن، وعاود الفؤاد ذكر الوطن والسكن فقلت:
شم برقها أعلى أجارع ذي أضا وكفّت فأترعت الجداول والأضا
واحجب عليَّ وميضه فلقد حشا وسط الحشا جمر الغضا لما أضا
فكأنه مذ لاح في تلك الربا ما بين أحشائي حُسام مُنْتَضى
ما زال يذكرني معاهد جيرتي وعشيرتي ومعارفي مذ أومضا
" هذا على أن لست قط بمغفل لعهودهم ما حان منها أو مضى "
أم ساقها لجيوب ذروة سحرة فسقى بها قيصومها والعرمضا
وأدار فوق نجودها كاس الحيا وهْنًا فأصبح كل نشز مبرِضا
" خلعت أكف السحب أردية الكلا ومطارف الزهر النضير على الفضا "
وأفاضت الغدران حتى عاقرت أيدي الروابي الشم جريال الفضا
ما شئت من روض تراه مُذهبا فيها ومن روض تراه مفضّضا
بلد صحبت العيش فيه أخضرا نضرًا ووجهَ الدهر أبيضا
درت علي به الأماني حُفّلًا وهمَتْ عليَّ غيوث بر فُيَّضا
ولبست فضفاض النباهة سابغًا وركبت صهوة كل فضل رَيّضا
وأسمتُ سرحي في المطايب مُمْرِعًا ورميت صيدي في المآرب معرضا
في فتيةٍ قد كان شربي فيهم صفو الودادِ وكل خلْقٍ مرتضى
تَخِذوا المروءة والسماحة والندا والبر والإكرام دينًا مقتضى
وتألفوا كالماء والصهباء في كأس وكلٌّ ذو سجايا ترتضى
لله الأمر من قبل ومن بعد