وقد حكي عن فرعون - لعنه الله - أنه دخل عليه بعض أشياعه بمال عظيم فوضعه بين يديه فقال له: من أين هذا؟ فأخبره أن بعض القرى من أعمالهم كان لهم ماء فتبطل، وأنه قد أذن لهم في إحيائه وإجرائه على هذا المال، فقال له فرعون: الماء ماؤهم وقد أجروه، ففيم يدفعون المال؟ هذا ظلم وجور، والملك لا يستقر على الجور، فاردد إلى الناس أموالهم.
قال بعض أئمتنا: فانظروا، يا معشر المسلمين، هذا كافر لا يلتفت إلى الدار الآخرة، ثم حافظ بالعدل على دنياه فقط، فكيف بمن يدعي الدين ثم لا يلتفت إلى العدل ولا يحافظ على الدين ولا دنيا.
قلت: وقد قال الحكماء: إن الملك يستقر ويستقيم مع الكفر ولا يستقيم مع الجور، والعلة فيه أن الملوك هم خلفاء الله تعالى على عباده مؤمنهم وكافرهم، غير أن المؤمن خليفة في الطرفين، والكافر في الدنيا فقط، والملك هو نظام العالم، والعدل " هو " روحه، فمتى ذهب العدل اختل النظام ووقع الفساد في العالم، ولذلك قال أرسطوطاليس في " ضوابطه ": العالم بستان سياجه أي حائطه الدولة، الدولة سلطان تحيا به السنة، السنة سياسة يسوسها الملك، الملك راع يعضده الجيش الجيش أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، الرعية عبيد تعبدهم العدل، العدل مألوف وهو حياة العالم.
ومن كلام الفرس: لا ملك إلاّ برجال، ولا رجال إلاّ بمال، ولا مال إلاّ بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل.
وقال الإمام علي - كرم الله وجهه -: الدين أس، والملك حارس، وما لا أس له مهدوم.
وفي الحديث: " صِنْفَاِن مِنْ أُمَّتي إذّا صَلُحَا صَلُحَ النَاسُ: الأمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ ".
وقال أبو بكر - ﵁ -: لا يصلح هذا الأمر إلاّ شدة في غير عنف، ولين في غير ضعف.
وقال عمر - ﵁ -:لا يقيم هذا الأمر إلاّ رجل يخاف الله في الناس، ولا يخاف الناس في الله.
وقال عمرو بن العاص - ﵁ -: إمام عادل خير من مطر وابل، وأسد حَطوم، خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم، خير من فتنة تدوم.
وفي أمثالهم: إذا رغب السلطان عن العدل، رغبت الرعية عن الطاعة.
[ ٥٣ ]
ولم يزل الحازمون من أهل الدين يهربون منها، ولذا قال ﷺ: " إنّا لاَ نُوَلِّي أمْرَنَا هَذَا مَن سَألَهُ أوْ مَنْ أرَادَهُ " إما رعيًا للغالب من أنه لا يطلبه إلاّ شهوانيّ أو مضيِّع للحزم، وإما استنانًا ليتبع عند غلبة الشهوة وضعف الديانة كأزمنتنا هذه.
وقال أبو عمر بن عبد البر: تكلم يومًا معاوية - ﵁ - فقال: أما أبو بكر فهرب عنها وهربت عنه، وأما عمر فأقبلت إليه فهرب عنها، وأما عثمان فأصاب منها وأصابت منه، وأما أنا فداستني ودُستها، قال أبو عمر: أما علي فأصابت منه ولم يصب منها، قلت إن أبا بكر هرب عنها من أول مرة، وقد قال يوم السقيفة ووضع يديه على عمر وأبي عبيدة: ادفعوا أحد هذين الرجلين، قال عمر: فلم أكره مما قال غيرها، فهما هاربان منها.
وقال عمر - ﵁ - بعد ذلك في قصته مع أويس القرني من يأخذها بما فيها؟ يا ليت عمر لم تلده أمه، وقال في آخر رمق: يا ليتني تخلصت منها كفافًا لا لي ولا عليّ، هذا مع استقامته وعدله الشهير، حتى صار يضرب به المثل في متابعة الحق، وقد شهد له ﷺ بذلك الحديث المشهور، وقال له أيضًا: " مّا سَلَكْتَ فَجًّا إلاّ سَلَكَ الشَيْطَانُ فَجًّا غَيْرَ فَجّكَ " فكيف يكون حال من لم يبلغ أدنى من هذه المرتبة ولا قارب، وهو يتبجح بالولاية، ويستبشر بنيل الدرجة بها عند الله تعالى.
وقال علي - كرم الله وجهه - يا بيضاء ويا صفراء غري غيري ولا تغريني.
وكل من تعرض لها من السلف فإما أنتهاصًا لنصح المسلمين من نفسه بإقامة الحق لئلاّ يضيع، وإما نزعة بشرية حركها سبب من الأسباب، أما على الثاني فلا يقتدي به، وأما على الأول فيقتدي من بلغ مقامه في التمكين والقوة والنزاهة، وفي مثل زمانه الصالح الذي لم يزل فيه الدين طريًا، والحق جليًا، والأعوان عليه قائمين، وهيهات ذلك في آخر الزمان الذي غلب فيه حب الدنيا واستولى سلطان الهوى على الناس، فلا ترى إلاّ حرصًا على الجمع والمنع، ولا ترى إلاّ نفاقًا ومداهنة وملقًا، فالمرء لا يعدل بالسلامة شيئًا، ومن له بوجودها إن لم يكن له من المولى تعالى لطفًا ظاهر.
أنذر نبينا محمد ﷺ بهذا الزمان، وحض فيه على تجنب أمور العامة، وإيثار السلامة، فقال ﷺ: " إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوىً مُتَّبَعًا، وَإعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأيٍ بِرَأيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيِّصَةِ نَفْسِكَ ".
ولله الأمر من قبل ومن بعد