ولما كان القصد في هذا الموضوع إلى ذكر المحاضرات بنوادر الفوائد مما اتفق لي خصوصًا أو لغيري عمومًا وجب أن ينخرط في سلك ذلك ما وقع في شأني حال الولادة لأنه أول الرحلة إلى هذه الدار مع ما انضاف إليه مما يكون له مصداقًا أو يرجى خيره ويذكر على وجه التبرك والتفاؤل أو التحدث بالنعم، وفيه مسرة المحب ومساءة البغيض فأقول: إني أرجو أن أكون إن شاء الله تعالى رؤيا والدي ودعوة أستاذي؛ أما رؤيا الوالد فاعلم أن أبي مع كونه رجلًا أميًا كان رجلًا متدينًا مخالطًا لأهل الخير محبًا للصالحين زَوّارًا لهم، وكان أُعْطِيَ الرؤيا الصادقة وأعطي عبارتَها، فيرى الرؤيا ويعبرها لنفسه، فتجيء كَفَلَقِ الصبح، وكان مما رأى وتواتر الحديث به عنه في العشيرة ﵀ أن قال: رأيت عينيْ ماء إحداهما لي، والآخر لعلي بن عثمان، وهو والد ابن عمنا الأديب البارع أبي سعيد عثمان بن علي ﵀، غير أن عين علي كنا نسقي بها في بلدنا وعيني خرجت إلى ناحية أخرى.
وزعموا أنه قال: وكانت العين التي هي لي أقوى ماء وأكثر فيضًا ثم فسر ذلك بمولودين ينتفع بهما.
[ ١٨ ]
فولد أبو سعيد المذكور فانتفع ونفع حتى مات ﵀، وظهر أنه العين المذكورة لأبيه، وولدت أنا أيضًا، وقد كان لي أخوان أسن مني فماتا أميين رحمهما الله، فأرجو أن أكون تلك العين، وقد اتفق خروجي عن البلد كما قال ﵀، وكنت بعد ذلك حين ارتحلت في طلب العلم إلى ناحية السوس الأقصى غيبت عن الوالد ﵀ أعوامًا لا يدري أين أنا؟ فلما قفلت حدثني ﵀ فقال: لما ضقنا من غيبتك رأيت كأن الناس يتجارون خلف فرس أشقر ليقبضوه، فجئت إليه أنا فأمسكته بلجامه، فلما استيقظت قلت للناس: إن الحسن ابني سيأتي وأجتمع به فكان ذلك، والفرس الأشهب عند المعبرين اشتهار بشرف وذكر، وقد حصل لي ذلك بحمد الله، نسأل الله سبحانه أن يكمل ذلك لنا وله ولسائر الأحباب بالفوز يوم الحشر والرضوان الأكبر، بجاه نبيّه المصطفى المبعوث إلى الأسود والأحمر، ﷺ وعلى آله وصحبه المجلين في كل مفخر.
وأما دعوة أستاذي، وهو شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر، رحمه الله تعالى ورضي عنه، فهي تلك بعينها، وكان من حديثي معه في ذلك أنه لما تهيأ للتشريق في حجته الثانية أرسل إلي في حاجة أقضيها له مما يتعلق بسفره ذلك، وأنا إذ ذاك بالزاوية البكرية، فقضيت ذلك بحمد الله وسافرت به إليه حتى بلغته، فلقيني بترحيب، ورأيت منه بحمد الله إقبالًا خارجًا عن المعتاد حتى إنه متى ذكرت ذلك إلى اليوم يغشاني خجل وإشفاق على نفسي، وأقمت معه حتى شيعته لوجهته إلى أن جاوزنا سجلماسة بمرحلة، فرجعت إلى داري، ولما كنت ببعض الطريق ألهمت الدعاء له فاتخذت الدعاء له بعد أوراد الصبح وردا، فلما قفل من الحج ذهبنا إليه لنسلم عليه، فخلوت به يومًا وجعلت أطلب منه وأطلب، فقال لي ﵀: أما الدعاء فإني في سفرتي هذه ما دخلت مقامًا ولا مزارة، ولا توجهت إلى الدعاء لأحد إلاّ جاء بك الله تعالى في لساني أولًا، ثم لا أدعو لك إلاّ بهذا الدعاء: اللهم اجعله عينًا يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب، قال: حتى كنت أتعجب في نفسي وأقول: سبحان الله! بماذا استحق هذا الرجل هذا؟ ولمل صنفت القصيدة الدالية في مدحه وتهنئته بالحج أدخلها إليه ولده الفقيه الناسك الفاضل أبو محمد عبد الله بن محمد فخرج إلي وقال: يقول لك الشيخ: جعلك الله عينًا يستقي منها أهل المشرق وأهل المغرب، وشمسًا يستضيء بها أهل المشرق وأهل المغرب، وهذا اللفظ يحتمل الدعاء والخير، نسأل الله تعالى أن يحقق لنا نحن وللمسلمين ذلك آمين.
ومن هذا ما كلمه جماعة من فقراء العرب وأنا حاضر معهم فقال لهم يشير إليّ هذا شمسكم، هذا ضوءكم، وهذا كله أصرح مما حكى تاج الدين بن عطاء الله عن شيخه القطب العارف أبي العباس المرسي ﵄ قال: جاء الشيخ مرة من سفر، فلقيناه فدعا لي وقال: فعل الله لك وفعل، وبهاك بين خلقه قال: ففهمت يعني من قوله وبهاك بين خلقه أني مراد بالظهور إلى الخلق.
وأعلم أن مواطأة دعوة الشيخ ﵁ لرؤيا الوالد، مع كونه لم يحضر لذلك ولم ينقل إليه، من عجيب الاتفاق. قد ذكرت هنا ما وقع في الحديث عن أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا له: يا رسول الله عليه أخبرنا عنك فقال لهم: " أنا دعوة أبي إبراهيم ﵇، ورؤيا أمي ".
تنبه أيها الناظر، فإياك أن يختلج بفهمك، أو يخطر بوهمك، أني أنزع بهذه الحكاية قصدًا إلى المحاكاة، معاذ الله، فإن درجات الأنبياء لا تنبغي لغيرهم، ولا يصل أحد إلى مزاحمتها، فكيف بسيد الأنبياء؟ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين وعلى آله وعلى آل كل ثم إياك أيضًا أن تتوهم أن لا نسبة ولا نسب ولا شبهة ولا شبه فتقع في الغلو من الطرف الآخر، وقد قال ﷺ " خَيْرُ الأمُورِ أوْسَطُهَا " ولا بد لهذا من تقرير فنقول:
[ ١٩ ]
إن الله جل اسمه، وهو الذي لا مثل له ولا نظير، ولا شبه ولا وزير، قد شرع لعباده التعلق بأسمائه الحسنى، ثم شرع لهم أيضًا التخلق بها في الجملة حتى إذا علمنا مثلًا أن الله تعالى حليم انتهض العبد في التحلي بالحلم فيكون حليمًا، كذا إذا علمنا أنه تعالى عليم أو وهاب أو صبور أو شكور انتهض العبد في الاتصاف بالعلم وبالجود وهكذا حتى يكون عليمًا وهابًا ومعلوم أن حلم العبد ليس كحلم الله وهكذا، ولكن له به نسبة هي توجب قرب العبد من الله تعالى في المعنى ومن هذا حديث " خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلىّ صُورَتِهِ " أي خلقه حيًّا عالمًا قديرًا، وليس كالجمادات والحيوانات العجماوات، وبهذا تأهل لأن يكون عبد الحضرة دونها.
ثم إن العباد المختارين يرضون لرضى الله، ويغضبون لغضبه، ويشتدون لأجله، ويلينون لأجله، وهكذا في سائر الأحوال والأفعال، قال تعالى في أصحابه ﷺ ورضي عنهم:) أشدّاءُ عّلى الكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ (وقال أيضًا:) أذِلّةٍ عَلى المُؤمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلىَ الكَافِرِينَ (وهو مسايرة ومشايعة في الأفعال والأحوال، وذلك شأن عبيد الملك، وإذا كان هذا في حق الله تعالى ففي حق الأنبياء أقرب وأيسر، فلا إشكال في صحة تعاطي أوصافهم وأخلاقهم وأفعالهم وسائر أحوالهم وإن لم تكن في ذلك مشابهة ولا مزاحمة للنبوءة، بل اتباع واقتباس وشبه توجب لصاحبها أيضًا القرب منهم، ولهذا قيل في الوارث: إنه من كان على قدم النبي ﷺ أي متحققًا في الاقتداء به قولًا وفعلًا وحالًا، وقال ﷺ: " الرُّؤْيّا الصالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَةٍ وترجمة ابن الجوزي أرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءةِ " فقد علم من لفظ الحديث أن الرؤيا الواقعة من غير النبي لعموم لفظ الصالح قد أخذت بنسبة من النبوءة، فهي منها غير أنه لقلة النسبة لا تقع بها مزاحمة، وقال الشيخ أبو يزيد ﵁: مثل ما أعطي الأنبياء مثل زق مملوء ماء أو عسلًا، ومثال ما أعطي الأولياء كلهم مثال قطرات تقطر من ذلك الزق، فانظر في هذا المثال فإن القطرات هي من ماهية ما في الزق قطعًا، ولكنها لقلتها جدًّا لا تقع بها مزاحمة، ولم يزل أهل الدين من العلماء العاملين والمجاهدين السالكين والواصلين العارفين يأخذون أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم من أحوال الأنبياء عمومًا وحال نبينا ﷺ خصوصًا، وهذا هو الشأن كله.
وقد يقع لهم مما هو في معنى الاقتباس والإشارة والتمثيل ما يزيد على هذا كما قال الشيخ أبو مدين ﵁ لأبي عمران موسى ابن يدراسن الحلاّج حين توجه إليه: " فإن أمن العرب " فأنت موسى وأنا شعيب، وإن موسى لما بلغ شعيبًا أمن.
ومن هذا ما وقع له ﵁ في القرآن وقد دخل عليه رجل من أهل الإنكار والمصحف بين يديه فقال للرجل: ارفع المصحف وافتحه وانظر إلى أول ورقة منه فإذا فيها:) الّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ (.
ومن هذا النمط كان ﵁ يقول: لا يكون المريد مريدًا حتى يجد في القرآن كل ما يريد.
وقال الشيخ أبو العباس المرسي ﵁ في شأن ابن عطاء الله الفقيه جد الشيخ تاج الدين: إن النبي ﷺ يوم ثقيف جاءه ملك الجبال فقال له: ما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، قال فكذلك صبرنا لجد هذا الفقيه لأجل هذا الفقيه يعني تاج الدين إلى غير هذا مما يكثر.
فما وقع من الحكاية بعد أن يكون قصد به اقتباس وضرب من المناسبة يكون كل شيء مما مرّ، وإلاّ فهو استطراد للعلم وتذكير بفائدة، وقد يقال على أنه مما مرّ، فأين منزلتك أي هذا المتشبع بما لم يعط من درجات الشيخين المذكورين ونحوهما حتى يصح منك ما صح منهم؟ فنقول: إذا انفصلنا من جانب النبوءة بخير فقد خرجنا عن مضيق الممتنع إلى فضاء لجائز، وهو رحب، ومن تشبّه بقوم فهو منهم كما قيل:
لم أكن للوصال أهلًا ولكن أنتمُ بالوصال أطعمتموني
لله الأمر من قبل ومن بعد