[ ٣٨ ]
وحدث عنه أيضًا قال: قدمت على الوالي الصالح سيدي عبد الله بن حسون دفين سلا، فقعدت إلى جنبه وقد مد رجليه، والأعراب يتساقطون عليه يقبلون يديه ورجليه، قال: فخطر ببالي أنه كيف أطلق هذا الرجل نفسه للناس هكذا؟ فلم يتم الخاطر إلاّ وقد قال: أيها الناس، رجل قيل له من مس لحمك لم تمسه النار، أو لم تأكله النار، أو نحو هذا فيبخل بلحمه على المسلمين؟ قال: فلما سمع كلامه وعلمت أنه خاطري تكلم تبت إلى الله تعالى في نفسي، فجعلت إذا مد إليه أحد كاغدا وكان يكتب الحروز، تلقفته من يده، وناولته الشيخ وقبلت يده، " فإذا كتبته أخذته منه وقبلت يده "، فيحصل لي في كل حرز تقبيلتان، قال: ورأيت عنده أمورًا أشكلت علي: منها أنه يؤتى بالثياب هدية وصدقة فيأمر بها فترمى في بيت وتبقى كذلك يأكلها السوس.
ومنها أنه كل يوم يصبح عليه أهل الآلات فيضربون عليه.
قلت: أما الثياب فالذي يظهر في أمرها أنه إما غيبة حصلت للشيخ عنها، وليس ذلك بمستنكر في أمثاله من المستهترين في ذكره، وإما خارج مخرج القلنسوة التي رمى بها الإمام الشبلي في النار، ومائة الدينار التي رمى بها في دجلة. وتأويل ذلك معروف عند أهل الطريق لا نطيل به.
" وأما أمر الآلات فإما أنه كان يستنكر من تلك الأصوات أسرارًا ومعاني "، ونظيره ما حكى الإمام أبو بكر بن العربي في سراج المريدين عن الشيخ أبي الفضل الجوهري أنه بات بجواره ذات ليلة أصحاب الآلات فشغلوه عن ورده بما هم عليه من لهوهم وباطلهم، فلما أصبح وجلس في مجلسه قال: إنه بات بجوارنا البارحة قوم ملئوا مسامعنا علمًا وحكمة، قال أولهم: لي لي لي، فقال الآخر لي ولك لي ولك، فقال الآخر كذا، ومثل ذلك بمتناظرين، وجعل يقرر ذلك حتى قضى المجلس كله بأنواع من الحكم واللطائف والأسرار، وهذا من أعجب ما يتحف الله به أولياءه، فقد غيّبَهُ الله عن صورتها الباطلة وأشهده سره الباطن فيها.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
وإما أن ذلك يوافق حالة له جمالية تحصر في الوقت، ومن هذا المنبع يقع الطرب وما يشهد من حالات أهل الوجد.
وإما أنه يكون قطبًا فتناسبه النوبة الملوكية.
وقل لملوك الأرض تجهد جهدها فذا المُلْكُ ملْكٌ لا يباع ولا يهدى
لله الأمر من قبل ومن بعد