[ ٢ ]
قد جرت عادة من ألف بل من كتب رسالة أن يتسمى في كتابه ليعرف وفي معروفيته فوائد منها في كلامه أن يعرف مذهبه أو مطلبه أو يتمكن جوابه أو يشهد له وعليه.
ومن أهمها أن يعلم هل يوثق بنقله ويقتدي به في أصله، فإن كلام الحجة حجة، وإنما يعرف كونه حجة ومرتبته من العلم بشهادة أهل العلم، وذلك في ثلاثة أشياء: أحدها التصريح بذلك مشافهة أو في ترجمته ولذلك صنفت طبقات أهل العلم وأعتني بتراجمهم.
ثانيها عده مع العلماء عند ذكرهم في مذهب أو وفاق أو خلاف أو حكاية كلامه فيما يحكى من كلام العلماء أو مذهبه أو نحو ذلك وهو كالتصريح.
ثالثها الأخذ عنه أو إقراء تصانيفه أو شرحها أو تقليده أو نحو ذلك.
وإنما يحصل له ذلك من ثلاثة أشياء: أحدها سماع كلامه مشافهة.
ثانيها مطالعة تصانيفه والوقوف على تحريره وتحصيله أو سماع فتاويه وآرائه وكلامه بنقل الغير له كما مر وهلم جرّا.
وبعد حصول مطلق المرتبة من العلم تحصل خصوصيات المراتب بشهادة من هو أهل لذلك بها بمشافهة أو في ترجمة أو اقتداء الأكابر به، أو ترجيحه على غيره أو نحو ذلك.
ومنها في خارج أن تعرف مرتبته كما مرّ أو يتعرض لدعاء داع أو ثناء مثن بخير ومحبة وود وغير ذلك.
فرأيت أن أتسمى في هذا المجموع وأضيف إلى ذلك ما اتفق لي من كنية وما أدركت من نسب بعد أن تعلم أن الاسم العلم ثلاثة: اسم وكنية ولقب.
أما الاسم فهو من حيث هو ما أريد به من تعيين المسمى لا يعطى مدحًا ولا ذمًا لصلاحية كل اسم لكل مسمى عند المحققين، ولكن إذا كان منقولًا فكثيرًا ما يلاحظ فيه زيادة على تعيين المسمى مدلوله الأول الحقيقي أو المجازي فيشعر بمقتضاه إشعارًا.
ومن هذا وقع التفاؤل والتطير بالأسماء، وكان ﷺ يحب الفأل الحسن ويقول: " إذَا أبْرَدْتُمْ إليَّ بَرِيدًا فَأبْرِدُوهُ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الاسْمِ ".
وكان ﷺ يغير من الأسماء ما لا يرضى، فسأل عن اسم ماء فقيل له: بيسان وماؤه ملح فقال: بل هو نعمان وماؤه عذب، فكان كذلك، وجاءه رجل فقال ما اسمك؟ قال: غاوي بن عبد العزي، فقال ﷺ: بل أنت راشد بن عبد ربه، وجاءه آخر فقال ما اسمك؟ فقال: حزن، فقال: بل أنت سهل، فقال الرجل: ما كنت لأغير اسمًا سماني به أبي، وكان الإمام سعيد المسيب - ﵁ - والرجل من أجداده يقول: فما زالت الحزونة فينا. فانظر كيف حكم مدلول اللفظ الأول. وقال ﷺ يوم الحديبية حين أقبل سهيل من ناحية قريش: " سَهُلَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُم " ومن هذا قوله ﷺ: " أسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَغفَارٌ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ " وقال أمير المؤمنين عمر ﵁ وقد سأل عن اسم رجل استعمله أو أراد أن يستعمله فقيل له: هو خبيئة كناز: هو يخبأ، وأبوه يكنز، لا حاجة لنا به. وبدل ﷺ برة بنت أبي سلمة بدرة فرارًا من التزكية التي يعطيها اللفظ، وقال مولانا علي كرم الله وجهه:
أنا الذي سمتني أمي حَيْدره
وقال الحريري في " المقامات " على لسان الغلام: " أما أمي فاسمها برة، وهي كاسمها برهة " وقالت اليهود يوم خيبر لمولانا علي ﵁، وقد تقدم بالراية فتسمى لهم: علوتم ورب الكعبة، وقالت العرب في أمثالها: إنما سميت هانئًا لتَهْنأ.
وقال الأخطل في كعب بن جعيل:
وسميت كعبًا بشر العظام وكان أبوك يسمى الجعل
وإن مكانك من وائل مكان القرد من أست الجمل
قال: " هما هذان ".
وكان بعض الرؤساء القيسية أحضر جفانًا من طعام، وكان بالحضرة بعض مَلاسينِ بكر بن وائل فأراد القيسي أن يعبث به فقال له: ما رأى بكر بن وائل قط مثل هذه الجفان؟ فقال ما رآها ولا رآها أيضًا قط عيلان يعني جده هو، ولو رآها ما قيل له عيلان بل شبعان.
وقالت هند بنت النعمان بن بشير تهجو زوجها الفيض بن أبي عقيل:
سميت فيضًا وما شيء تفيض به إلاّ سُلاحك بين الباب والدار
وقال الآخر:
وللحرب سمينا فكنا محاربًا إذا ما الْقَنا أمسى من الطعن أحمرا
[ ٣ ]
ومما ينخرط في هذا السلك أن بعض الملوك عزل وزيرًا له اسمه الياقوت فحلف الملك ليستوزن أول من يلقى فخرج فلقي رجلًا أعرابيًا فاستوزره فإذا هو من أعقل الناس وأنجبهم فلما رأى الوزير الأول ذلك كتب إلى الملك:
أحكم النسج كل من حاك لكن نسج داود ليس كالعنكبوت
ألقني في لظى فإن غيرتني فتيقن أن لست بالياقوت
يشير إلى أن الياقوت المعروف لا يفسد بالنار.
فأجاب الآخر:
نسج داود ما حمى صاحب الغا ر وكان الفخار للعنكبوت
وفراخ السَّمَنْد في لهب النا ر أزالت فضيلة الياقوت
أشار إلى السمندل وهو دويبة في ناحية الهند تتخذ من جلودها المناديل وتلقى في النار فلا تزداد إلاّ نضارة وحسنًا ولا تحترق، والله على كل شيء قدير، إلى غير هذا مما لا ينحصر ولو تتبعناه لطال. وأما الكنية واللقب فيعتبران بوجهين: الأول نفس إطلاق الكنية واللقب وهما في هذا مختلفان، فإن الكنية الكثير فيها إذا لم تكن اسمًا أن يراد بها التعظيم وينبغي أن يعلم أن الناس باعتبارها ثلاثة أصناف: صنف لا يكنى لحقارته، وهو معلوم من أن الحقارة أمر إضافي، فرب حقير يكون له من يراه بعين التعظيم فيكنيه، والمقصود أن التحقير من حيث هو حقير لا يكنى إلاّ هزءًا أو تلميحًا، وصنف لا ينبغي أن يكنى لاستغنائه عنها وترفعه عن مقتضاها، ومن ثم لا يكنى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم أرفع من ذلك حتى إنهم أشرفت رفعتهم على أسمائهم فشرفت، فإذا ذكروا بها كانت أرفع من الكنى في حق غيرهم، وللملوك وسائر أكابر الناس نصيب من هذا المعنى، وصنف متوسط بين هذين، وهو الذي يكنى تعظيمًا، ثم إن كان التعظيم مطلوبًا ككنية أهل العلم والدين ومن يحسن شرعًا تعظيمه فحسن، وكذا اكتناء المرء بنفسه إن كان تحدثًا بالنعمة أو تبركًا بالكنية باعتبار من صدرت عنه أو نحو ذلك من المقاصد الجميلة فحسن، وإلاّ فمن الشهوات النفسانية، فما كان تكبرًا أو تعظيمًا لمن لا يجوز تعظيمه بغير ضرورة ونحو ذلك فحرام، وإلاّ فمباح، وليس من هذا الباب ما يقصده به مجرد الإخبار فقط كقولك جاء أبي أو أبو فلان هذا أي والده، ولا يقصد به معناه على وجه التفاؤل مثلًا نحو أبي الخير وأم السعد.
وأما اللقب فيقصد به كل من المدح والذم وغير ذلك، والحكم كالذي قبله.
الوجه الثاني النظر إلى مدلولهما الأصلي، وهما في ذلك كما مرّ في الاسم بل ذلك هنا أولى، لأن الأصل فيه أوضح، ولبعضهم في ذلك:
أتيت أبا المحاسن كي أراهُ بشوق كاد يجذبني إليه
فلما أن أتيت رأيت فسردًا ولم أرَ من بنيهِ ابنًا لديه
يريد أن لفظه ينبئ عن كون المحاسن لازمة له لزوم الأولاد لأبيهم، ثم إنها لم يجدها عنده، وكذا يقال في أبي المكارم وأبي الفضل وأبي البخت وجمال الدين وشمس الأئمة، والأصل في جميع هذا أن المستحسن في العقول وإن لم يكن لازمًا خلافًا لمن زعم ذلك أن يطابق الاسم أي مدلوله الأصلي حتى يصير الاسم كأنه وصف مشتق لموصوف بمعناه، فإن لم يكن كذلك فإن التسمية خطأ، وكأن الاسم لا مسمى له، ومن هذا جاءت العادة بتخير الاسم عند التسمية وكذا عند الملاقاة كقصة البريد السابقة، أما التخير عند التسمية فلفائدتين: إحداهما التلذذ بسماعه وتجمل المسمى بذلك، الثانية التفاؤل بأن يصدق معناه، وذلك على حساب ما يريده، وللناس أغراض تختلف، وقد قيل لبعض العرب: لم تسمون عبيدكم نافعًا ومرزوقًا وأولادكم حربًا ومرة فقال: إنا نسمي أولادنا لأعدائنا ونسمي عبيدنا لأنفسنا أي فلا فرق بين فائدة النفع وفائدة الدفع وحلاوتهما، بل الدفع أهم.
وكان وادي السباع في بلاد العرب وفيه قال قائلهم:
مررت على وادي السباع ولا أرى كوادي السباع حين تبصر واديا
أشد به ركبًا أتوهُ تَئيّةً وأخوف إلاّ وما وقى الله ساريا
قيل: سبب تسميته أن امرأة من العرب كانت نزلته ولها عدة أولاد فوجدها رجل يومًا وحدها فهم بها فقامت تصيح بأولادها وتقول: يل ليث، يا نمر، يا أسد، يا كذا، وهي أسماؤهم، فأقبلوا إليها يشتدون، فانطلق الرجل وهو يقول: هذا وادي السباع.
[ ٤ ]
أما التخير عند الملاقاة والمعاملة فلفائدتين أيضًا: إحداهما التلذذ والتفاؤل، الثانية رجاء أن يكون قد طابق فوجد معناه ويكون حسن الاسم دالًا على حسن المسمى كما تقرر في الفراسة الحكمية من أن حسن الخلق دليل على حسن الخلق، وفي الحديث: " اطْلُبُوا الخَيْرَ عنْدَ حِسَانِ الوُجُوهِ " على وجه، ولم يبعث الله تعالى نبيًا إلاّ حسن الوجه حسن الاسم، وفي كلام العامّة: الاسم يدل على المسمى. ومن التفاؤل الصادق والرجاء الواقع ما وقع لعبد المطلب في تسمية نبينا ﷺ حيث سماه باسمه الشريف، وكان هذا الاسم غير معتاد عندهم، فقيل له: لمَ سميته بهذا وليس من أسماء آبائك، فقال: رجاء أن محمد في السماء والأرض، فكان ذلك، ويحتمل أن يكون كان عنده من ذلك علم ممن لقي من أهل ذلك العلم كسيف بن ذي يزن ونحوه. وقد يكون سبب تخير الاسم مشايعة من تسمى به تبركًا به أو إحياء لذكره أو رجاء الشبه به أو نحو ذلك، وفي الحديث: " وُلدَ ليَ اللَيْلَةَ وَلَدٌ فَسَمّيْتَهُ باسْمِ أبي إبْرَاهيمَ " وقيل: لما نزل قوله تعالى:) يا أُخْتَ هَارُونَ (قيل للنبي ﷺ: كيف تكون أخت هارون وبينهما دهر طويل، فقال ﷺ: " إنّهُمْ كَانُوا يُسَمّونَ بأسْمَاءِ أنْبيَائهمْ " أي هو هارون آخر سمي باسم هارون بن عمران ﵇.
واعلم أن التلذذ المذكور في هذا القسم خلاف المذكور فيما مرّ، فإنّ ذلك تلذذ بالاسم بسبب حضور معناه الأصلي كسعد وسعيد ووردة وياسمين، وهذا تلذذ بالاسم لحضور من كان تسمى به من غير التفات إلى مدلول اللفظ الأصلي، فكل من سمع اسمًا كان وقع على مسمى آخر فقد يستشعر ذلك المسمى الآخر في الاسم فيوجب له ذلك الاستشعار أمورًا، إما تعظيمًا ومنه بدل أمير المؤمنين عمر ﵁ اسم ولد كان اسمه محمد فسمع رجلًا يومًا يشتمه ويقول: فعل الله بك يا محمد وفعل، فقال: لا أرى اسم النبي ﷺ يُسَبّ بكَ، وكان بعض الرؤساء كلم خديمًا له اسمه محمد في أمر وخاطبه باسم آخر وهم أنه غضبان عليه، فدخل على الخديم من ذلك جزع عظيم حتى يبين له بعد ذلك أنه إنما كان على جنابة فلم يستطع أن ينطق بهذا الاسم الشريف وهو جنب، رحمه الله تعالى وجزاه خيرًا، وإما تلذذًا أو استئناسًا أو اشتياقًا أو نحو ذلك لكونه أليفًا أو محبوبًا.
وكان المجنون لما اشتد به حاله قام أهله فقالوا: نذهب به إلى الحجّ وزيارة البيت ففعلوا، فلما أقبلوا على مكة قالوا له: يا قيس، هذا بلد الله وهذا بيته فادع الله تعالى أن يعافيك من حب ليلى فأنشأ يقول:
ذكرتك والحجيج له ضجيج بمكة والقلوب لها وجيبُ
فقلت ونحن في بلد حرام به لله أخلصت القلوب:
أتوب إليك يا رحمان مما جنيت فقد تكاثرت الذنوب
فأما من هوى ليلى وحبّي زيارتها فإني لا أتوب
فكيف وعندها قلبي رهينًا أتوب إليك منها أو أُنيب
فأيسوا منه ثم سكن شيئًا ما فلما بلغوا ناحية منىً سمع إنسانًا يقول: يا ليلى، ينادي امرأة، فطار المجنون واستقبل البَرّيّة وهو يقول:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منىً فهيج أحزان الفؤادِ وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائرًا كان في صدري
وقال الآخر:
ومَن كبدي يهفو إذا ذكر اسمه كهفو جناح ينفض الطل طائره
وبلغ بأولياء الله تعالى نحو هذا المعنى، وهم أحق به، يحكى عن بعضهم أنه لقي واحدًا منهم في البرية فقال له: من أين أتيت؟ فقال: هو، فقال: أين تريد؟ فقال: هو، فقال: ما تعني بقولك هو؟ فقال: هو، فقال الله تعني؟ فصاح وسقط ميتًا. وإما نفرة وكراهية لكونه بغيضًا مقيتًا، وإما غير ذلك.