رأيت أن ألم بملح من الأدب تثمينًا للكتاب، وامتناعًا لذوي الألباب، فإن النفس ملول والأذن مجاجة، وفي التلون والانتقال تطييب لها وتنشيط كما قيل:
لا يصلح النفس إن كانت مدبرة إلاّ التنقل من حال إلى حال
وذلك كله مما يصلح للمحاضرات ويوافق شرط الكتاب، ويعد من الآداب.
وقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة: ثلاثة شهرجانية وهي ضرب العود، ولعب الشطرنج، والصوالج، وثلاثة أنوشروانية، وهي: الطب، والهندسة، والفروسية، وثلاثة عربية، وهي: الشعر والنسب وأيام الناس، والعاشرة مقطعات الحديث والسمر وما يتعاطاه الناس بينهم في المجالس، وهذا عام.
وقال ابن مسعود ﵁: القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة.
وقال أبو الدرداء ﵁: إني لأستجم نفسي من الباطل ليكون أقوى لها على الحق، وقال الشاعر:
عجبا ً ممن تناهت حاله وكفاه الله ذلات الطلب
كيف لا يقسم شطري عمره بين حالين نعيم وأدب
مرة جدًا وأخرى لعبًا فإذا ما غسق الليل انتصب
فقضى الدنيا نهارًا حقه وقضى لله ليلًا ما يجب
[ ٩٨ ]
وفي هذا إشارة إلى ما روي في حكمة آل داود ﵇: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من أربع: عدة لمعاد، وإصلاح لمعاش، وفكر يقف به على ما يصلحه مما يفسده، ولذة في غير محرّم يستعين بها على الحالات الثلاث. وكان ﷺ يمزح ولا يقول إلاّ حقًا، وكان أصحابه يتناشدون ويفيضون في الأنساب وأيام الناس ولا ينكر عليهم، وذلك كله مشهور.
وقيل لسعيد بن المسيب: إن قومًا من " أهل " العراق لا يرون إنشاد الشعر فقال: نسكوا نسكًا أعجميًا.
وقيل لابن سيرين: إن قومًا يرون إنشاد الشعر ينقض الوضوء فأنشد:
لقد أصبحت عرْسُ الفرزدق ناشزًا ولو رضيت رمح أسته لاستقرت
ثم قام يصلي، وقيل بل أنشد:
نبئت أن فتاة كنت أخطبها عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحدًا لا يشتهي النسيب فقال: أما من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.
وكان فضلاء هذه الأمة يروون الشعر ويقولونه أما النبي ﷺ فقد كان مصروفًا عنه قول الشعر سدًا للذريعة، وتنزيهًا عن النقيصة، ونفيًا للتهمة، قال الله تعالى:) وَمَا عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغي لَهُ (وأما غيره ﷺ فلا محذور عليه في إنشاد الشعر رواية وقولًا، فإن الشعر من جملة الكلام، نعم إذا كثر ذلك حتى ألهاه عن ذكر الله فهو مذموم، ولا خصوصية في هذا الشعر.
فمما يروى لأبي بكر ﵁ قوله:
تعدون قتلى في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راءٍ وشاهد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا بنخلة لما أوقد الحربَ واقد
ومما يروي لعمر ﵁ قوله:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته إلاّ الإله ويودي المال والولد
لم تُغْنِ عن هرمز يومًا خزانته والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له والجن والإنس فيما بينها ترد
أين الملوك التي كانت نوافلها من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنلك مورد بلا كذب لا بد من ورده يومًا كما وردوا
ومما يروى لعثمان ﵁ قوله:
تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
ومما ينسب إلى علي كرم الله وجهه:
محمد النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمّي
وجعفر الذي يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكَني وعرسي منوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منها فمن هذا له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طرًا غلامًا ما بلغت حلْمي
وصليت الصلاة وكنت رِدْءًا فمن ذا يدعي يومًا كيومي
وأوجب لي الولاء معًا عليكم رسول الله يوم غدير خم
وغدير خم بضم الخاء موضع بين الحرمين.
ومن شعره أيضًا وقيل: لم يثبت عنه غيره:
تلكم قريش تمناني لتقتلني فلا وربث ما برّوا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم بذاتِ وَدْقَينِ لا يعفو لها أثر
وذات ودقين الداهية.
ومما يروى لعمر بن عبد العزيز ﵁ قوله:
إن كنت تعلم أن الله يا عمر يرى ويسمع ما تأتي وما تذر
وأنت غفلة عن ذاك تركب ما عنه نهاك فأين الخوف والحذر
فانظر لنفسك يا مسكين في مهل ما دام ينفعك التفكير والنظر
قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها لله درك ماذا تستر الحُفَر
ففيهم لك يا مغرور موعظة وفيهم لك يا مغرور معتبر
فهؤلاء الأئمة المقتدى بأقوالهم وأفعالهم " وأحوالهم ".
وقد وقع ذلك لأكابر العلماء من أهل الدين كثيرًا شهيرًا، ومنهم من كان غزير المادة في الشعر مديد الباع فيه كعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود أحد الفقهاء السبعة بالمدينة حتى كان ابن المسيب إذا لقيه يقول له: مرحبًا بالفقيه الشاعر فيقول عبيد الله: لا بد للمصدور أن ينفث، فمن قوله:
كتمتَ الهوى حتى أضر بك الكتم ولامك أقوام ولومهم ظلم
[ ٩٩ ]
ونمّ عليك الكاشحون وقبلهم عليك الهوى قد نم لو ينفع النم
وزادك إغراء بها طول بخلها عليك وأبلى لحم أعظمك الهم
وأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة على أثر هند أو كمن سقي السم
وكأنه أراد: من سقيه السم فحذف الضمير.
ووردت امرأة جميلة مع ابن " لها " صغير " المدينة " فخطبت وكان ممن خطبها عبيد الله فقال فيها معرضًا ببراعة الفقهاء السبعة:
أحبك حبًا لا يحبك مثله قريب ولا في العالمين بعيد
أحبك حبًا لو علمت ببعضه لجُدْتِ ولم يصعب عليك شديد
أحبك يا أم الوليد متيمي شهيدي أبو بكر وذاك شهيد
ويعلم وجدي قاسم بن محمد وعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما أخفي سليمان كله وخارجه يبدي بنا ويعيد
متى تسألي عما أقول تخبري فللحب عندي طارف وتليد
ويحكى أنه لقيه بعد هذا سعيد بن المسيب يومًا فقال له: أما إنك قد أمنت أن تسألنا، ولو سألتنا ما شهدْنا لك بزور، وهذا من فكاهة أهل الحجاز ولطافتهم ﵃.
وكان الإمام الشافعي - ﵁ - وهو القائل مخبرًا عن غزارة عنصره في ذلك:
ولولا الشعر بالفقهاء يزري لكنت اليوم أشعرَ من لبيد
فمن قوله:
ماذا يخبر ضيف بيتك أهله؟ إن سيل: كيف مَراده ومعاجه؟
أيقول جاورت الفرات ولم أنل رِفدًا إليه وقد طغت أمواجه
ورقيت في درج العلى فتضاءلت عما أريد شعاره وفجاجه
ولتخبرنَّ خصاصتي بتملقي والماء يخبر عن قذاه
عندي يواقيت القريض ودُرُّه وعليّ إكليل الكلام وتاجه
تُرْبي على روض الرّبى أزهاره ويرِق في نادي الندى ديباجه
والشاعر المِنطيق أسود سالخ والشعر منه لعابه ومُجاجه
وعداوة الشعراء داء مُعضِل ولقد يهون على الكريم علاجه
والظاهر أنه قال هذا قبل اشتغاله بالفقه، فأنه لم يشتغل به حتى الآن في البادية وتوسع في العربية والشعر.
ويحكى عن أبي القاسم بن الأزرق الشاعر أنه قال: جئت الشافعي يوما فقلت: يا أبا عبد الله لك الفقه تفوز بفوائده، ولنا الشعر، فأردت مداخلتنا فيه، فأما أفردتنا الشعر، وإما أشركتنا في الفقه، وقد أتيت بأبيات إن أتيت بمثلها تبت عن الشعر، وإن عجزت تبت عنه، فقال: هات، فأنشدته:
ما همّتي إلاّ مقارعة العدا خَلِقَ الزمان وهمتي لم تخلَق
والناس أعينهم إلى سلب الفتى لا يسألون عن الحِجا والأوْلَقِ
لكن من رُزِق الحجا حُرِم الغنى هذان مفترقان أي تفرق
لو كان بالحِيَل الغنى لوجدتني بنجوم أقطار السماء تعلقي
فقال الشافعي: أنا أقول خيرًا منه وأنشد مرتجلًا:
إن الذي رُزِقَ اليسارَ ولم ينلْ حمدًا ولا أجرًا لغيرُ موفَّق
فالجَدَ يدني كل شيء شاسع والجَدّ يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدودًا حوى عودًا فأثمر في يديه فحقق
وإذا سمعت بأن محرومًا أتى ماء ليشربه فغاص فصدّق
وأحقّ خلق اللهِ بالهمِّ امرؤ ذو همة يبلى برزق ضيق
ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وقال أبو سعيد المكي: سمعت الشافعي ﵁ ينشد:
رأيت نفسي تتوق إلى مصر ومن دونها عرض المهامه والفقر
ووالله ما أدري أللفقر والغنى أقاد إليها أم أقاد إلى قبري
وكان ينشد ﵁:
يا لهف نفسي على مال أفرقه على الفريقين من أهل المروآت
إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
وقال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي يتمثل:
إذا أصبحت عندك قوت يوم فخلِّ الهم عني يا سعيد
ولم تخطر هموم غد ببالي لأن غدًا له رزق جديد
أسلم إن أراد الله أمرًا وأترك ما أريد لما يريد
توفي ﵁ بمصر آخر يوم من رجب سنة سبع ومائتين، قال الربيع: لما دفناه رأينا هلال شعبان، وعاش أربعًا وخمسين سنة.
[ ١٠٠ ]
وكان القاضي عبد الوهاب بن نصر الفقيه المالكي ﵁، وفيه يقول أبو العلاء المعري حين مر بهم متوجهًا إلى مصر:
والمالكيُّ ابن نصرٍ زار في سفر بلادنا فحمدنا النأيَ والسّفرا
إذا تكلّم أحيا مالكًا جدَلًا ويُنشرُ الملك الضليل إن شعرا
فمن قوله يتغزل ويوري بالمسائل الفقهية:
ونائمة قبّلتها فتنبهت فقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد
فقلت لها: إني لثمتك غاصبًا وما حكموا في غاصب بسوى الرد
خديها وكفي لي عن إثم ظلامتي وإن أنت لم ترضي فألف من العد
فقالت: قصاص يشهد العقل أنه على كبد الجاني ألذ من الشهد
فباتت يميني وهي هسيان خصها وباتت يساري وهي واسطة العقد
وقالت: ألم أخبر بأنك زاهد فقلت لها: ما زلت أزهد في الزهد
وينسب إليه قوله:
تملكت يا مهجتي مهجتي وأسهرت يا ناظري ناظري
وما كان ذا أملي يا ملول ولا خطر الهجر في خاطري
فجد بالوصال فدتك النفوس فلست على الهجر بالقادر
أيا غائبًا حاضرًا في الفؤاد سلام على الغائب الحاضر
" وله أيضًا ﵀:
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ولم يعلموا جارًا هناك ينغص
فقلت لهم: كفوا الملام فإنما بجيرانها تغلو الديار وترخص "
ولفقهاء العدوة من ذلك ما يطلع بدرًا لائحًا، ويسطع زهرًا فائحًا، وتتهاداه الحور، وتتحلى منه النحور، وتتبع ذلك يطيل، ونلم من ذلك بالقليل، إذ لا بد لهذا الكتاب، أن يأخذ من كل لباب، فمن ذلك قول الفقيه القاضي أبي الوليد الباجي ﵀ في معنى الزهد:
إذا كنت أعلم علمًا يقينًا بأن جميع حياتي كساعة
فلمْ لا أكون ضنينا بها وأجعلها في صلاح وطاعة
ومن ذلك قول محمد بن سماك صاحب الأحكام يصف الروض:
الروض مخضر الربى متجمّل للناظرين بأجمل الألوان
فكأنما بسطت هناك سوارها خود زهت بقلائد العقيان
وكأنما فتحت هناك نوافج من مسكة عجنت بصرف البان
والطير يسجع في الغصون كأنه نقر القيان جثت على العيدان
والماء مطّرد يسيل عبابه كسلاسل من فضة وجمان
بهجات حسن أكملت فكأنما حسن اليقين وبهجة الإيمان
وللفقيه أبي محمد عبد الله بن السيد البطليوسي في الزهد:
أمرت إلهي بالمكارم كلها ولم ترضها إلاّ وأنت لها أهل
فقلت: اصفحوا عمن أساء إليكم وعوذوا بحلم منكم إن بدا جهل
فهل لجهول خاف صعب ذنوبه لديك أمان منك أو جانب سهل
وله يصف فرسًا:
وأدهم من آل الوجيه ولاحقٍ له ليل لون والصباح حُجُول
تحير ماء الحسن فوق أديمه فلولا التهاب الحضر ظل يسيل
كأن هلال الفطر لاح بوجهه فأعيينا شوقًا إليه تميل
كأن الرياح العاصفات تُقِلّه إذا ابتل منه محزم وقليل
وللحافظ أبي بكر بن عطية ﵀ يحذر من خلط الزمان:
كن بذئب صائد مستوحشًا فإن أبصرت إنسانا ففر
إنما الإنسان بحر ماله ساحل فأحذره إياك الغَرَر
واجعل الناس كشخص واحد ثم كن من ذلك الشخص حذر
وله يعاتب بعض إخوانه:
وكنت أظن جبالَ رَضوى تزول وأن ودّك لا يزول
ولكن الأمور لها اضطراب وأحوال ابن آدم تستحيل
فإن يك بيننا وصل جميل وإلاّ فليكن هجر جميل
ولابنه الحافظ عبد الحق ﵀ يصف الزمان وأهله:
داء الزمان وأهله داء يعز له العلاج
أطلعت في ظلماته ودّا كما سطع السراج
لصحابة أعيا ثِقَا في من قناتهم اعوجاج
أخلاقهم ماء صفا مرأى ومطعمهُ أُجاج
كالدر ما لم تختبر فإذا اختبرت فهم زجاج
وللفقيه القاضي عياض بن موسى اليحصبي ﵁ من شعره:
إذا ما نشرت بساط انبساط فعنه فديتك فاطو المزاحا
فإن المزاح كما قد حكى أُولُوا العلم قبلُ عن الحلم زاحا
وله عند ارتحاله من قرطبة ﵀:
[ ١٠١ ]
أقول وقد جدّ ارتحالي وغردت حُداتي ورنت للفراق ركائبي
وقد غمصت من كثرة الدمع مقلتي وصارت هواءً من فؤادي ترائبي
ولم تبقَ إلاّ وقفة تستحثها وداعي للأحباب لا للحبائب
رعى الله جيرانًا بقرطبة العلى وسقى رباها بالعِهادِ السواكب
وحيا زمانًا بينهم قد ألفته طليق المحيّا مستلانَ الجوانب
أحبابنا في الله فيها تذكروا معاهد جار أو مودّة صاحب
غدوت بهم من برهم واحتفائهم كأني في أهلي وبين أقاربي
وله برد الله ضريحه في الوداع:
يا من ترحل عني غير مكترث لكنه للضنى والسّقم أوصى بي
تركتني مستهام القلب ذا حُرَقٍ أخا جوى وتباريح وأوْصاب
فلم أذق من لذيذ العيش بعدكم إلاّ جَنى حنظل في الطعم أو صاب
أراقب النجم في جنح الدجى سَهَرًا كأنني راقب للنجم أو صابي
وللأديب أبي الوليد محمد بن عبد الله بن زيدون رحمة الله عليه:
ودع الصبر محب ودَّعك حافظ من سره ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن زاد في تلك الخُطا إذ شيعك
يا أخا البدر سناءً وسَنًا حفظ الله زمانًا أطلعك
إنْ يَطلْ بعدك ليلي فلكَمْ بتّ أشكو قِصَر الليل معك
يا قمرًا أطلعه المغرب قد ضاق بي حبك المذهب
ألزمتني الذنب الذي جئته صدقت فاصفح أيها المذنب
وإنما أغرب ما مرّ بي أن عذابي بك مستغرب "
وتتبع ذلك يطيل ويخرج عن الغرض.
لله الأمر من قبل ومن بعد