كنت في أعوام السبعين وألف قصدت إلى زيارة شيخنا البركة، وقدوتنا في السكون والحركة، أبي عبد الله محمد بن ناصر - سقى الله ثراه - فمررت ببلد سجلماسة فوجدت فتنة ثارت بين الطلبة فيها في معنى كلمة الإخلاص، فكان بعض الطلبة قرر فيها ما وقع في كلام الشيخ السنوسي من أن المنفي هو المثل المقدر، فأنكر عليه بعض من لهم الرياسة في النوازل الفقهية، وفصل الأحكام الشرعية، وليس لهم نفاذ في العلوم النظرية، وأخذوا بنحو ما أخذوا به الشيخ الهبطي في مشاجرته المشهورة مع أهل عصره، حتى امتحنوه بالسياط، فجعلت أقرر لأولئك المنكرين الكلمة بوجه يقرب بين المأخذين، ويصلح بين الخصمين، فلم يفهموا ذلك، وصمموا على ما طرق أسماعهم من أن الهبطي أخطأ في هذه المسألة وضل ضلالًا مبينًا، ثم وقعت هذه الفتنة " أيضًا " بمدينة مراكش عن قريب " من هذه " بين طلبتها حتى ضلل بعضهم بعضًا، فمن " أجل " ذلك ألفت كتاب " مناهج الخلاص، من كلمة الإخلاص "، كما نبهت على ذلك في خطبته، فجاء بحمد الله كافيًا في الغرض، شافيًا للمرض.
[ ٤٥ ]
ثم رجعت في زورة أخرى بعد هذه فمررت أيضًا بسجلماسة فوجدت فتنة أبشع من هذه وأشنع وقعت لهؤلاء مع عوام المسلمين " ثم مع المسلمين " كافة، عامة وخاصة، وذلك أنهم نظروا في كلام من حرض من الأئمة على النظر في علم التوحيد، وحذر من الجهل فيه ومن التقليد، فجعلوا يسألون " الناس " عما يعتقدون، ويكلفونهم الجواب والإبانة عن الصواب، فربما عثروا على قاصر العبارة عما في قلبه، أو متلجلج اللسان لدهش ناله، أو جاهل بشيء مما يقدح في العقيدة أو يظنونه قادحًا وإن لم يقدح، فيشنعون عليه الجهل والكفر، ثم أشاعوا أن الفساد قد ظهر في عقائد الناس، وجعلوا يقررون العقائد للعوام، فشاع عند الناس أن من لم يشتغل بالتوحيد على النمط الذي يقررون فهو كافر، وشاع عندهم أن من لم يعرف معنى لا إله إلاّ الله أي النفي والإثبات على التقرير الذي يقرره العلماء فهو كافر، فدخل من ذلك على عوام المسلمين أمر عظيم، وهول كبير، فلما دخلت البلد جاءني الناس أفواجًا يشتكون من هذا " الأمر " وأن ليس كل أحد يبلغ إلى فهم تقارير العلماء فأقول لهم: إن الله تعالى إنما تعبدكم باعتقاد الحق في أنفسكم، أفلا تشهدون أن الله تعالى حق موجود؟ فيقولون: بلى، أفلا تعلمون أنه واحد في ملكه لا شريك له ولا إله معه وكل معبود سواه باطل فيقولون: بلى، هذا كله يقين عندنا لا نشك فيه ولا نرتاب، فأقول لهم هذا هو معنى كلمة الإخلاص المطلوب منكم اعتقاده، سواء عرفتموه من لفظها أو لا، فإن الكلمة عربية، والأعجمي لا حظ له في دلالتها، وإنما حسبه أن يترجم له مضمونها فيعتقده، وكذا العقائد كلها المطلوب منكم اعتقادها بالمعنى، ولا يشترط فهم ألفاظها التي يعبر " بها " عنها في كتب العلماء، ولا إدراك حدودها ورسومها التي تعرف بها. فإن فهم هذه العبارات والإحاطة بهذه الحقائق والتقريرات علم آخر لم يكلف به العوام، فإذا أجبتهم بذلك انطلقوا مسرورين حامدين شاكرين، ثم جاءني رئيس هذه الفتنة وسألني عن مسائل في هذا المنحى فأجبته، ثم تقدمت إليه بالنصيحة وقلت له: أكثر النحل وجل الطوائف الضالة إنما خرجت في هذا العلم، فإن أردت نفع الناس فقرر لهم العقائد بالقدر الذي يبلغون، وحدث الناس بما يفهمون، كما في الحديث الكريم ودع عنك هذه الامتحانات والتدقيقات والتشنيعات التي لم تجْرِ بها سنة أهل الدين في عصر من الأعصار، فإذا هو قد أشرب ذلك وتمكن فيه التظاهر به، وإذا تمييزه قد نقص عما كنت أعرف منه قبل ذلك، نسأل الله العافية. فتمادى على ذلك وأصفقت عليه العوام حتى سمعوا مقالته فيهم، وجعل يتغالى في تقرير العقائد وبيان وجوه المخالفة ونحوها على التفصيل بما لا حاجة إليه حتى يقع في ذكر ما هو سوء الأدب في حقه تعالى، وما لا يستطيع كل من في قلبه رائحة من عظمة الله تعالى أن يفوه به، ويحضر مجلسه أوباش الأعراب من جراوة ونحوها، فإذا رجعوا إلى قومهم ذهبوا بتلك المقالات وجعلوا يلقون على أمثالهم من الرعاع الأسئلة من هذا المنحى فيقولون لهم: أين بات الله؟ وأين يُصبح؟ وأين يظل؟ وأين هو؟ " وكيف هو "؟ إلى ما هو أبشع من ذلك مما لا أذكره، وقد نبهت على طرف من هذا المعنى في كتابي المذكور، ثم أشاعوا أن عوام المسلمين لا تؤكل ذبائحهم ولا يناكحون مخافة أن يكونوا لم يعرفوا التوحيد، فحدثني الفقيه المشارك الصالح أبو عبد الله مبارك بن محمد العنبري الغرفي - ﵀ - أن أعرابيًا من هؤلاء الشيعة جاء مع قوم من بلد توات فكانوا إذا طبخوا زادهم وفيه الخليع يمتنع من الأكل معهم ويقول: إن الجزار الذي ذبح هذه البهيمة لا ندري أيعرف التوحيد أم لا؟ ولما دخل البلد جيء بطعام عليه لحم وجماعة من الأشراف حضور فدعوه للأكل فأمتنع وقال: إن العبد الذي ذبح تلك الذبيحة لا ندري أيعرف التوحيد أو لا؟ فقالوا له: ما ذبحها عبد، وإنما ذبحها المولى فلان الشريف منهم فامتنع أيضًا وبات طاويًا، ثم لم يقفوا في هذا بل انتهكوا حرمة عوام المسلمين ابتلاهم الله بانتهاك حرمة خاصتهم أيضًا، فتناولوا فقهاء وقتهم ووقعوا في أهل العلم والدين ومن هم على سنن المهتدين، وضللوهم إذا لم يضللوا العامة، فوقع لهم قريب مما وقع للكميلية من الروافض فإنهم كفروا الصحابة حيث لم يقدموا عليًا - كرم الله وجهه - ثم كفروا عليًا حيث لم ينازعهم في حقه، وكان أهل البلد اتبعوني وأنا في
[ ٤٦ ]
الطريق سؤالًا فيما هو من حكم الذبائح ونحوها في بطاقة فأجبتهم بما علم من دين الإسلام أن كل من تشهد شهادة الحق فإنه تؤكل ذبيحته، وتحل مناكحته، ويدفن في مقابر المسلمين ما لم يظهر منه ما يخالف ظاهره ونحو هذا الكلام، فلما بلغ إلى أولئك قالوا: سبحان الله! كنا نعرف فلانًا من العلماء، ثم هو يقتصر على مثل هذا الكلام ويكتفي " به " فلم يقع كلامي منهم موقعًا حيث اقتصرت على الحاجة وما هو الحق ولم أتعد إلى ما يشتغلون به من الفضول والضلال، وكانوا قبل هذه الفتنة تلمذوا لشيخنا الإمام ابن ناصر - ﵁ - وأخذوا عهده، فلما لم يشتغل بما اشتغلوا به أنكروا عليه حتى وقعوا فيما يؤتى به إليه من الهدايا والصدقات، وفيما يذكره للفقراء من كلام الإمام الثعالبي، فإنه كان يحكي بسنده إلى الثعالبي أنه قال: من رأى من رآني إلى سبعة ضمنت له الجنة بشرط أن يقول كل لمن رأى أشهد أني رأيتك فيشهد له. فكان الشيخ ﵁ يذكر ذلك على طريق الترجية، ولئلاّ يفوت المسلمين ذلك الخير إن حققه الله تعالى، فقالوا: هذا يوقع الناس في الأمن وفي الإعراض عن تعلم التوحيد مع أنه لا وثوق به فإن أمور المنامات لا تنضبط ولا يعول عليها، ثم برئوا من صحبته وكتبوا في ذلك كراسة، فقيض الله لها الشاب اللبيب الفاضل أبا العباس أحمد بن محمد بن السيد الشريف الحسني - ﵀ ورحم سلفه - فتكلم عليها بما نقض أباطيلها عروة عروة، فلما انتهى إلى براءتهم من الشيخ كتب عليها ما معناه: إن هذه السلسلة المباركة الفاضلة يعني سلسلة الشيخ ﵁ هي أمنع جنابًا وأطهر ساحة من أن يبقى فيها أمثالكم، فطهرها الله منكم، وقد اشتعلت فتنتهم حتى كادت تخرج إلى الآفاق كلها، ثم أطفأها الله تعالى بفضله فجاء الطاعون عام تسعين وألف فأجتث شجرتهم من فوق الأرض فلم يبقى لها قرار.
[ ٤٧ ]
فائدة: أما السلسلة التي أشرنا إليها عن الإمام الثعالبي فإن شيخنا الإمام ابن ناصر - ﵁ - يحدث بها عن شيخه الفقيه الصالح سيدي علي ابن يوسف الدرعي عن شيخه سيدي عبد الرحمن بن محمد من بني مهرة عن سيدي محمد بن محمد بن ناصر من أهل الرقيبة عن سيدي عبد الكبير وهو جد سيدي عبد الرحمن المذكور عن القطب الكبير سيدي عبد الرحمن الثعالبي أنه قال ﵁: من رآني إلى سبعة ضمنت له الجنة، وفي سلسلة كل واحد يقول لصاحبه: أشهد أني رأيتك، وأني رأيت والحمد لله الإمام ابن ناصر وأشهدته على ذلك، حققه الله لنا وللإخوان آمين.
واعلم أن مثل هذا يذكر على طريق الرجاء كما أشرنا إليه، وهو أمر جائز لا يمنعه عقل ولا شرع، وذلك أن فضل الله عظيم لا يحد بمقياس وأولياء الله تعالى أبواب يخرج منها هذا الفضل، ولهم مكانة عند ربهم الكريم المتفضل، فأي شيء يستبعد في أن يعطي بعضهم الشفاعة في قرنه أو أكثر، أو أن من مسه لم تمسه النار كما في قصة ابن حسون، أو أن من رآه دخل الجنة، أو أن من رأى من رآه، إلى سبعة أو أكثر، هذا كله قريب.
وقد أخبر النبي ﷺ في خبره عن أويس القرني - ﵁ - أنه يشفع في مثل أو عدد ربيعة ومضر.
وحدثني الثقة أن نفرًا من أصحاب ابن مبارك التستاوتي دخلوا على سيدي محمد الشرقي فقال لهم: أيها الفقراء، ما الذي قال ابن مبارك؟ فقالوا له: قد قال: أهل زماني محسوبون عليّ أو في ذمتي أو نحو ذلك، فقال سيدي محمد الشرقي: اشهدوا علينا إنا من أهل زمان ابن مبارك، فانظر إلى هذا الإنصاف وهذا التسليم، فكذا يجب التسليم لمن وقع منه شيء من هذا من أهل الصلاح والدين، ويظن به الخير ويحصل الرجاء ولا يوجب ذلك أمنًا من مكر الله والاستغناء عما يجب تعلمه أو العمل به، بل التكليف باق بحاله، والخوف والرجاء بحالهما.
وقد شاع عند هذه الطائفة الغازية أن الشيخ قد أخذ من الله تعالى عهدًا أن لا يسوق إليه إلا المقبول، ولم يوجب لهم ذلك أمانًا ولا غرورًا إلا أن يشذ جاهل فلا التفات إليه.
وأما الهدية من الأخ في الله فهي مباحة في الجملة، بل هي محسوبة في الفقه من وجوه الحلال، فإن عرض عارض في المعطى أو في وجه الإعطاء فالآخذ أعرف بما يأتي وما يذر.
ثم أحوال الصوفية في قبول الفتوح مختلفة تبعًا لما اقتضته الواردات، والتحفظ عن الآفات. وهي في كل من الأخذ والترك كما قال الأستاذ السري للإمام أحمد بن حنبل ﵄: احذر آفة الرد كما تحذر آفة الأخذ، وكل من عرف بصحة العلم والعمل ومتانة الديانة كشيخنا المذكور فأمره موكول إلى دينه، ولا سبيل إلى الانتقاد عليه، والله الموفق.
لله الأمر من قبل وبعد