عن أبي بكر المحلي قال: كان كافور الاخشيدي [٢] له في كل عيد أضحى عادة [٣]، وهو أن يسلم إليّ بغلا محملا ذهبا وورقا، تتضمن أسماء قوم، ويمضي معي صاحب الشرطة، ونقيب يعرف المنازل، حتى أسلم ذلك إلى من جعل له، فأطرق منزل كلّ إنسان ما بين رجل وامرأة، وأقول: الأستاذ أبو المسك كافور يهنئك بعيدك، ويقول لك: اصرف هذا في منفعتك، فلما كان في عيد، جريت على العادة، وزادني في الجريدة الشيخ أبا عبد الله بن جابار [٤] مائة دينار، فصرفت/ المال لأربابه، ولم يبق إلا الصرة فجعلتها في كمّي وسرت مع النقيب حتى أتينا منزله بظاهر القرافة، فطرقت الباب، فنزل وقال: ما حاجتك؟ قلت:
الأستاذ أبو المسك كافور يخص الشيخ بالسلام، فقال: والي بلدنا؟ [٥]، قلت: نعم، قال:
حفظه الله، الله يعلم أنني أدعو له في الخلوات وأدبار الصلوات، قلت: وقد أنفذ معي هذه الصرّة، وهو يسألك قبولها لتصرف في مؤونة هذا العيد المبارك، فقال: نحن رعيته، ونحبه في الله، وما نأخذ شيئا، فراجعته القول، فتبيّن في وجهه الضجر والقلق، فتركته وانصرفت إلى كافور، فأخبرته بدعاء الناس له، فقال: الحمد لله الذي جعلني سببا [٦] لإيصال الراحة إلى عياله، ثم أخبرته بامتناع ابن جابار، فقال: نعم، هو جديد لم تجر بيننا وبينه معاملة قبل اليوم، عد إليه واطرق الباب، فاذا نزل إليك فاستفتح، واقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
[٧] إلى/ قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما
_________________
(١) المسبحي: الأمير المختار عز الملك محمد بن أبي القسيم عبيد الله بن أحمد الكاتب الحراني الأصل، المصري المولد، صاحب التاريخ المشهور وهو: أخبار مصر ومن حلها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، توفي سنة ٤٢٠ هـ. (وفيات الأعيان ٤/٣٧٩) .
(٢) كافور بن عبد الله الاخشيدي: أبو المسك الأمير المشهور، صاحب المتنبي، كان عبدا حبشيا، اشتراه الاخشيد ملك مصر سنة ٣١٢ هـ فنسب إليه، ملك مصر سنة ٣٥٥ هـ، وكان فطنا ذكيا شجاعا حسن السياسة، توفي سنة ٣٥٧ هـ. (الولاة والقضاة ص ٢٩٧ وفيات الأعيان ١/٤٣١، النجوم الزاهرة ٤/١- ١٠، دول الإسلام ١/١٧٣) .
(٣) الرواية في وفيات الأعيان ٤/٣٧٩.
(٤) ابن جابار: الشيخ عبد الله بن جابار، من كبار المشايخ، وهو شيخ صوفي زاهد، شيخ البقاعي (وفيات الأعيان ٤/٣٨٠) .
(٥) كلمة (بلدنا) في الأصل مطموسة، وفي ب، ل: ساقطة.
(٦) في ب، ل، ط: الذي كنت سبا.
(٧) سورة طه آية ٢.
[ ١٧٥ ]
بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى
[١]، يا ابن جابار، يقول لك كافور، ومن كافور، العبد الأسود، ومن مولاه، ومن الخلق بقي لأحد مع الله ملك، تلاشى الخلق كلهم، تدري من معطيك، وعلى من رددت، أنت ما سألت، هو أرسل إليك، يا ابن جابار، ما تفرق بين السبب والمسبب، قال أبو بكر: فركبت وسرت، فطرقت منزله، فنزل إليّ، فقرأت عليه الآية، وقلت ما قال كافور، فبكى ابن جابار، وقال: أين ما حملت؟ فأخرجت له الصرة، فأخذها وقال: علّمنا كافور كيف يكون التصوف، قل له: أحسن الله جزاك، فعدلت إليه فأخبرته، فسرّ بذلك، ثم سجد لله شكرا وقال: الحمد لله الذي جعلني سببا لإيصال الراحة إلى عباده.
وبالإسناد عن محمد بن أبي ليلى قال [٢]: كنت في مجلس القضاء، وردت عليّ عجوز ومعها شابة، فذهبت العجوز تتكلم فقالت الشابة: أصلح الله القاضي، مرها فلتسكت حتى أتكلم بحجتي وحجتها، وسفرت عن وجه، والله ما ظننت أن يكون مثله إلا في الجنة، قالت: أصلح الله القاضي، هذه عمتي مات أبي وتركني/ يتيمة في حجرها [٣] .
أنشدني الشيخ الفاضل عماد الدين أبو المناقب حسام بن غزّي بن يونس المحلي، قال:
أنشدني رضي الدين أبو الحسين بن سالم بن المفرج بن أبي الفتح بن أبي حصينة لنفسه وقد قصد الإفرنج مدينة النبي ﷺ، ليأخذوه، فبعث السلطان حسام الدين لؤلؤ الحاجب في طلبهم فظفر بهم، وضرب رقابهم، من قصيدة يخاطب بها الملك: [البسيط]
علومكم لؤلؤ والبحر مسكنه والدرّ في البحر لا يخشى من الغير [٤]
فأمر حسامك أن يحظى بنحرهم فالدرّ مذ كان منسوب إلى النحر
قال مؤيد الدين محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم الأنباري [٥] كاتب ديوان الإنشاء في أيام المقتفي [٦]: [الكامل]
_________________
(١) طه ٦. وفي ط: إلا تذكرة لمن يخشى.
(٢) ابن أبي ليلى: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار، ويقال داود بن بلال بن أحيحة بن الجلاح الأنصاري الكوفي، تولى القضاء بالكوفة، جده أبو ليلى من الصحابة، توفي سنة ١٤٨ هـ. (وفيات الأعيان ٤/١٧٩) .
(٣) الرواية من قوله: وبالإسناد عن محمد بن أبي ليلى إلى قوله: في حجرها. في الأصل فقط ولم ترد في النسخ الأخرى، والرواية ناقصة.
(٤) في ع: عدوكم لؤلؤ. وهو تحريف.
(٥) محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم الشيباني: سديد الدولة ابن الأنباري، كاتب الإنشاء بديوان الخلافة ببغداد خمسين سنة، كان فاضلا أديبا، بينه وبين الحريري (صاحب المقامات) مراسلات مدونة، وله شعر، توفي سنة ٥٥٨ هـ. (الوافي بالوفيات ٣/٢٧٨، الميزان ٥/٢٦٣) .
(٦) المقتفي لأمر الله: محمد بن أحمد ابن المستظهر، من الخلفاء العباسيين، كان حازما انفرد بتدبير الملك بعد أن كانت بأيدي السلاجقة، توفي سنة ٥٥٥ هـ. (ابن الأثير ١١/١٦، ٩٦، النبراس ص ١٥٦، مفرج الكروب ١/١٣١- ١٣٣) .
[ ١٧٦ ]
لا تيأسنّ إذا حويت فضيلة في العلم من نيل المرام الأبعد
بينا ترى الإبريز ملقى في الثرى إذ صار تاجا فوق مفرق أصيد [١]
قال عميد الدين أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن زيادة [٢]: [الكامل]
إن كنت تسعى للسيادة فاستقم تنل المراد ولو سموت إلى السما
ألف الكتابة وهو بعض حروفها لما استقام على الحروف تقدما [٣]
قال الشيخ الأديب الزاهد أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت المعروف بابن الكيزاني المصري [٤]: [الوافر]
إذا سفه السفيه عليك فاجعل سكوتك عنه من شرف الخصال
فان جازيت ذا جرم بجرم فما فضل المصون على المذال
وإن كان الدنىء رخيص قدر فمقدار الرئيس عليه غال
فاغضاء الحليم عن المساوي أجلّ لديه من بذل النّوال
فما شرف الغنيّ بغير لبّ ولا نقص اللبيب بغير مال
آخر المنتخب من تذكرة اليغموري.