عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز [٥] قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز، جعل لا يدع شيئا مما كان في يد أهل بيته من المظالم إلا ردّها مظلمة مظلمة، فبلغ ذلك عمر بن
_________________
(١) في ش: من وراء الحجاب.
(٢) أبو إسحاق الشيرازي: إبراهيم بن علي بن يوسف، الملقب جمال الدين، سكن بغداد وتفقه على جماعة من الأعيان، صار إمام وقته ببغداد، له تصانيف منها: (المهذب في المذهب)، و(اللمع)، و(النكت)، كان في غاية الورع، والتشدد في الدين، توفي سنة ٤٧٦ هـ. (وفيات الأعيان ١/٢٩) .
(٣) طبقات الشافعية الكبري للسبكي ٢/٣٣٧- ٣٤٢.
(٤) الرافعي: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني، فقيه من كبار الشافعية، كان له مجلس بقزوين للتفسير والحديث، له من المصنفات: (الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة)، و(التدوين في ذكر أخبار قزوين)، و(الإيجاز في أخطار الحجاز)، و(شرح مسند الشافعي)، وغيرها، توفي سنة ٦٢٣ هـ. (فوات الوفيات ٢/٣، مفتاح السعادة ١/٤٤٣، ٢/٢١٣، طبقات الشافعية ٥/١١٩) .
(٥) عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي: أمير من سكان المدينة، ولاه يزيد بن الوليد إمرة مكة والمدينة سنة ١٢٦ هـ، وأقره مروان بن محمد ثم عزله، توفي سنة ١٤٧ هـ. (تهذيب التهذيب ٦/٣٤٩) .
[ ٤٤٨ ]
الوليد بن عبد الملك [١]، فكتب إليه: «إنك أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، وعبت عليهم، وسرت بغير سيرتهم، بغضا وشنآنا لمن بعدهم من أولادهم، فقطعت ما أمر الله به أن يوصل، إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها في بيت المال، جورا وعدوانا، فاتق الله يا ابن عبد العزيز وراقبه، إن شططت لم تطمئن على منبرك، خصصت أولي قرابتك بالظلم والجور، فو الذي خص [٢] محمدا ﷺ، بما خصه به، لقد ازددت من الله ﷿ بعدا في ولايتك هذه، إن زعمت أنها عليك بلاء، فاقصر ببعض ميلك، واعلم أنك بعين جبّار، وفي قبضته، ولن تترك على هذا، اللهم فسل سليمان بن عبد الملك [٣] عمّا صنع بأمّة محمد ﷺ» .
فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه كتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى عمر بن الوليد، السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، أما بعد، فقد بلغني كتابك، وسأجيبك بنحو منه، أما أول شأنك يا ابن الوليد، كما تزعم فأمك بنانة أمة للسكون، كانت تطوف في سوق حمص، وتدخل في حوانيتها، ثم الله أعلم بما اشتراها دينار بن دينار من فيء المسلمين، فأهداها لأبيك [٤] فحملت بك، فبئس المحمول، وبئس المولود، ثم نشأت، فكنت جبارا عنيدا، تزعم أني من الظالمين أن حرمتك وأهل بيتك فيء الله ﷿، الذي هو حق القرابة والمساكين والأرامل، وأن أظلم مني وأترك لعهد الله، من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين [٥]، تحكم فيهم برأيك، ولم يكن له من ذلك نية إلا حب/ الوالد لولده، فويل لك وويل لأبيك، ما أكثر خصماؤكما يوم القيامة، وكيف ينجو أبوك [٦] من خصمائه، وإنّ أظلم مني، وأترك لعهد الله من استعمل الحجاج بن يوسف على خمس العرب، يسفك الدماء الحرام، ويأخذ المال الحرام، وإنّ أظلم مني، وأترك لعهد الله من استعمل
_________________
(١) عمر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، كان أميرا لم تحمد سيرته، ولم يل الحكم، ترجمته في: تاريخ خليفة بن خياط ص ٣٩٩، ٤١٧، نسب قريش ص ١٦٥، المعارف ص ٣٥٩، جمهرن أنساب العرب ص ٨٩.
(٢) في ب، ل: خصص.
(٣) سليمان بن عبد الملك بن مروان: الخليفة الأموي، ولد في دمشق، وولي الخلافة يوم وفاة أخيه الوليد سنة ٩٦ هـ، فأطلق الأسرى وخلى السجون، وعفا عن المجرمين، وأحسن إلى الناس، وكان عاقلا فصيحا طموحا إلى الفتح، وفي عهده فتحت جرجان وطبرستان، توفي بدابق من أرض قنسرين سنة ٩٩ هـ. (تاريخ الطبري ٨/٦١٢٦، ابن الأثير ٥/١٤، المسعودي ٢/١٢٧، تاريخ الخميس ٢/٣١٤، ٣١٥) .
(٤) قوله: (فأهداها لأبيك) ساقطة من ش.
(٥) في ب: جند المسلم.
(٦) في ب: (ينجو أبيك)، وهو لحن.
[ ٤٤٩ ]
قرة بن شريك [١]، أعرابيا جافيا على مصر، أذن له في المعازف واللهو والشرب، وإنّ أظلم مني وأترك لعهد الله، من جعل للعالية البربرية سهما في خمس العرب، فرويدا يا ابن بنانة، فلو التقت حلقتا البطان، وردّ الفيء إلى أهله، لتفرغت لك ولأهل بيتك، فوضعتكم على المحجّة البيضاء، فطالما تركتم الحق، وأخذتم في بنيات الطرق [٢]، وما وراء هذا من الفضل ما أرجو أن أكون رأيته بيع رقبتك، وقسم ثمنك بين اليتامى والمساكين والأرامل، فانّ لكلّ فيك حقا، والسلام علينا، ولا نسأل سلام الله على الظالمين» .
فلما بلغ الخوارج سيرة عمر، وما ردّ من المظالم، اجتمعوا، فقالوا: ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل [٣] .
في تاريخ ابن عساكر، عن أبي بكر أحمد بن القاسم بن معروف، حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبي قال: أدركت دارا في هذه المدينة، بيعت بأمداد قمح [٤] . قال: وقريء في لوح عند رأس ميت: يقول صاحب هذا القبر: وزنت مدّا من دنانير لو وجدت بها مدا من قمح ما متّ. وفيه أيضا، عن أبي الهبّار القرشي عن أبيه أنه توفي، وكان يختم القرآن في ليلة ونصف، أو في يوم ونصف، فرآه ابنه في النوم، فقال: يا أبه، أما رأيتني في يدي الخرقة، وأنا عند رأسك؟ قال: بلى، وكان عليه سبعمئة دينار، فقلت: يا أبه، ما فعلت في دينك؟ قال: قضاه عني ربي، قلت: كيف؟ قال: أرضى غرمائي [٥] ./
[تم كتاب المحاضرات والمحاورات]
_________________
(١) قرة بن شريك بن مرثد العبسي: إمير ولي نيابة مصر زمن الوليد بن عبد الملك، كان جبارا صلبا مخوفا، تعاقد نحو مئة من الشراة في الاسكندرية على قتله، فعلم بهم فقتلهم جميعا، واستمر في الإمارة بمصر إلى أن مات، والمؤرخون يرمونه بالفسق والظلم، يقول عمر بن عبد العزيز:، الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وعثمان المزني بالحجاز، وقرة بمصر، امتلأت الدنيا والله جورا، مات قرة سنة ٩٦ هـ. (الطبري ٨/١١٢، دول الإسلام للذهبي ١/٤٨، الولاة والقضاة ص ٦٣. النجوم الزاهرة ١/٦٩، ٢١٧) .
(٢) بنيات الطرق: طرق صغيرة تتشعب من الجادة.
(٣) رسالة عمر بن الوليد، ورد عمر بن عبد العزيز في مختصر تاريخ دمشق ١٩/١٥٥- ١٥٧، تحقيق إبراهيم صالح، ط دار الفكر، دمشق ١٩٨٩.
(٤) أمداد: جمع مدّ، مكيال قديم اختلف الفقهاء في تقديره، فقدره الشافعية بنصف قدح، وقدره المالكية بنحو ذلك، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز، وعند أهل العراق رطلان. (المعجم الوسيط: مدد) .
(٥) مرت هذه الرواية فيما سبق.
[ ٤٥٠ ]