ونهج السيوطي في كتاب المحاضرات نهج من سبقه من المؤلفين، ولكن لكتابه نهجه الخاص وتميزه، ولكل كتاب من الكتب السابقة على كتاب المحاضرات أو اللاحقة، سمته ونكهته ومذاقه.
للسيوطي منهجه في التأليف بعامة يقوم على الأحاطة بكتب من سبقه من المؤلفين، والاطلاع على كل صغيرة وكبيرة من تلك الكتب، يقول مبينا منهجه في مقدمة كتاب الأشباه والنظائر [٥]: «ولم أزل في أيام الطلب أعتني بكتبها قديما وحديثا، وأسعى في
_________________
(١) المحاضرات الورقة ٢.
(٢) مفتاح السعادة ص ٢٠٨- ٢٠٩.
(٣) مقدمة ابن خلدون ص ٤٧٦ ط دار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٠.
(٤) السابق ص ٤٧٥- ٤٧٦.
(٥) الأشباه والنظائر، مقدمة المؤلف، ط حيدر آباد ١٣٥٩ هـ.
[ ٢٣ ]
تحصيل ما دثر منها، سعيا حثيثا، إلى أن وقفت منها على الجم الغفير، وأحطت بغالب الموجود مطالعة وتأملا، بحيث لم يفتني منها سوى النزر اليسير، وألّفت فيها الكتب المطولة والمختصرة، وعلّقت التعاليق، ما بين أصول وتذكرة، واعتنيت بأخبار أهلها وتراجمهم، وإحياء ما دثر من معالمهم، وما رووه أو رأوه، وما تفرد به الواحد منهم من المذاهب والأقوال، ضعّفه الناس أو قوّوه، وما وقع لهم مع نظرائهم، وفي مجالس خلفائهم وأمرائهم، من مناظرات ومحاورات، ومجالسات ومذاكرات، ومدارسات ومسايرات، وفتاوى ومراسلات، ومعاياة ومطارحات، وقواعد ومناظيم، وضوابط وتقاسيم، وفوائد وفرائد، وغرائب وشوارد، حتى اجتمع عندي من ذلك جمل، ودونتها رزما، لا أبالغ وأقول وقر جمل» [١] .
وكأن هذا المنهج الذي وصفه السيوطي في التأليف، قد كتبه لهذا الكتاب، فهو متحقق فيه، ولا شك أنه يصف خبرته في التأليف عامة، بعد ممارسته هذا العمل الشاق الطويل في كتبه الكثيرة.
يقدم السيوطي لكتابه هذا بمقدمة موجزة يبين فيه طبيعة الكتاب ومنهجه. فيقول:
«هذا مجموع حسن، انتخبت فيه ما رقّ وراق من ثمرات الأوراق، والتقطت فيه من درر الكتب الجواهر، ومن شجرة الحدائق الأزاهر، مما يصلح لمحاضرة الجليس، ومسامرة الأنيس» [٢] .
ويريد السيوطي في هذا الكتاب أن يقدم النافع من ثمار الكتب التي أعجبته، ومن فنون شتى من المنظوم والمنثور، وتتضمن منتقيات أدبية وتاريخية ودينية، فيها طرف وفوائد مقتبسة، من سير الأنبياء، والخلفاء، والصحابة، والكتاب، والشعراء، ومجموعات من الرسائل الأدبية والمقامات، ومنتقيات من الأشعار، ونوادر، وملح أدبية وفوائد ثقافية وعلمية، وما إلى ذلك من ضروب المعرفة.
وقد نقل السيوطي من عشرات الكتب في مختلف الموضوعات والفنون، ومن هذه الكتب ما هو معروف لدينا، ومنها ما هو مفقود، وكذلك حفظ جملة صالحة من الأشعار التي لم تحوها الدواوين، أو الأخبار التي فاتت الكتب التي بين أيدينا، وقد نقل من هذه الكتب وفق ذوقه ومذهبه، وإذا نظرنا في هذه النقول والاختيارات، نجدها تتفاوت في طولها، فمنها ما هو قصير شديد القصر، لا يتجاوز بضعة أسطر، ومنها ما هو طويل شديد الطول يستغرق صفحات طوال، من ذلك بعض الرسائل والمقامات الطويلة التي تكاد تكّون كتبا، مثال ذلك (حكاية القاضي واللص) المنتقاة من الطبقات الكبرى
_________________
(١) السابق نفسه.
(٢) المحاضرات، الورقة ٢.
[ ٢٤ ]
للسبكي، ومقامة (المفاخرة بين السيف والقلم) للإمام زين الدين عمر بن مظفر الوردي، و(المقامة اللازوردية في موت الأولاد) للسيوطي نفسه.
إن بعضا من كتب الاختيارات والمجاميع الأدبية يتخذ التبويب والتقسيم منهجا في مصنفاتها، نجد ذلك في الكتب مثل: بهجة المجالس لابن عبد البر، الذي قسم الكتاب إلى مائة واثنين وثلاثين بابا، والتذكرة الحمدونية، وقد قسم مؤلفها الكتاب إلى خمسين بابا، وكل باب يحتوي على عدة فصول، ومحاضرات الراغب الأصفهاني، الذي قسم كتابه إلي حدود وفصول وأبواب، وكذلك فعل الأبشيهي في المستطرف إذ قسم الكتاب إلى أربعة وثمانين بابا، كل باب فيه فصول، وكذلك فعل بهاء الدين العاملي في كتابه المخلاة إذ قسمه إلى جولات، بلغت أربعين جولة، وهكذا أكثر كتب المختارات.
أما السيوطي في كتابه المحاضرات فقد آثر أن يتحرر من هذه التقسيمات، بل جاءت مختاراته مقتبسات من كل كتاب، وبعد أن يتم ما أراده من حسن الاختيار من ذلك الكتاب ينتقل إلى كتاب آخر، وهكذا، فاختياره يقوم على تنوع النصوص من الكتاب الواحد، فنجده يذكر عنوانا مثل: (منتخبات من كتاب )، أو (مستحسنات من كتاب..)، أو (منتقى من المصنف )، أو (ذكر مستحسنات انتقيتها من كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل ﵁)، أو (في تاريخ ابن عساكر)، وهكذا، وإذا انتهى من النقل ذكر ما يدل على الانتهاء، كأن يقول: (هذا كله في تاريخ ابن عساكر)، أو (آخر المنتخب من تذكرة اليغموري)، أو يقول في آخر المنقول: (انتهي)، وهكذا، وكل ذلك يدل على أمانة السيوطي في النقل وعزو الآراء إلى أصحابها.
وهذه الأمانة في نقل النصوص وعزو كل منقول إلى صاحبه، صفة عرف بها السيوطي والتزمها في جميع كتبه، وهو ملتزم بها ويحرص على ذكرها، من ذلك أنه أفرد لها فصلا في كتابه (المزهر) بعنوان: (عزو العلم إلى قائله) [١]، وينص على حرصه على عزو الآراء إلى أصحابها، وأنها عادة عرف بها، يقول في مقامة (الكاوي في تاريخ السخاوي): «وقد علم الله والناس من عادتي في التأليف أني لا أنقل حرفا من كتاب أحد، إلا مقرونا بعزوه إلى قائله، ونسبته إلى ناقله، أداء لشكر نعمته، وبراءة من دركه وعهدته» [٢] .
وبذلك جعل السيوطي من كتابه مكتبة كبيرة ضمت كثيرا من كتب الأدب والتاريخ والتراجم والحديث والرسائل والشعر، ومنهج السيوطي هذا يقترب من منهج الحصري
_________________
(١) المزهر في علوم اللغة وأنواعها ٢/٣١٩.
(٢) شرح مقامات السيوطي ٢/٩٤٩- ٩٥٠.
[ ٢٥ ]
القيرواني في زهر الآداب، مع فرق واحد هو أن السيوطي يختار من الكتاب الواحد مجموعة كبيرة من النصوص، وبعد أن يفرغ منها ينتقل إلى كتاب آخر.
إن اختيارات السيوطي تدل على ذوقه وحسن اختياره وثقافته، والكتب التي اختار منها متنوعة العلوم والثقافات، ففيها المجاميع الأدبية والإخبارية، والرسائل، والمقامات، والتراجم، وكتب الطبقات، والتفاسير، والمسانيد، والمعجمات، وكتب آداب التعليم ومكارم الأخلاق، والتعازي، والطرف والنوادر وغيرها.
ولا شك أن لكتاب السيوطي هذا قيمة أدبية كبيرة، وذلك لما تضمنه من منتقيات بعضها عزيز نادر اقتبسه من كتب ضاعت ولم تصل إلى زماننا، أو من كتب ما زالت مخطوطة أو مجهولة قابعة في بعض المكتبات الخاصة.
وقد نال هذا الكتاب مكانة خاصة في المغرب، ولعل ذلك- بالإضافة إلى ما تضمنه من ثقافة عامة عزيزة- لما حواه من أشعار أندلسية كثيرة حفظها وأحسن اختيارها، وكان من أثر هذه المكانة أن عمد أحد علماء العصر السعدي إلى اختصاره في كتاب اسمه:
(مختصر المحاضرات)، والعالم الذي اختصره هو ييبورك بن عبد الله بن يعقوب السملالي المتوفى سنة ١٠٥٨ هـ[١] .
_________________
(١) من الكتاب نسخة مخطوطة خاصة في مدينة سوس، ينظر: الحركة الفكرية في المغرب في عهد السعديين، محمد حجي ١/١٥٠، وأشعار أندلسية ومغربية مستخرجة من كتاب المحاضرات والمحاورات للسيوطي، لفايز القيسي ص ٢١.
[ ٢٦ ]