ولم نقف بعد على معنى (المحاضرة)، المحاضرة في الوضع اللغوي: المجالدة، وهو أن يغالبك على حقك فيغلبك عليه، ويذهب به، قال الليث: «المحاضرة أن يحاضرك إنسان بحقك فيذهب به، مغالبة أو مكابرة، وحاضرته: جاثيته عند السلطان، وهو كالمغالبة والمكاثرة» [٤] والمحادثة، تقول حاضر القوم: جالسهم وحادثهم بما يحضره، ومنه: فلان حسن المحاضرة، وألقى عليهم محاضرة [٥] .
والمحاضرة: صنف من أصناف العلوم الأديبة، وقد قسم الزمخشري العلوم إلى اثني عشر صنفا، المحاضرات أحد أصنافها، والأصناف هي: علم متن اللغة، وعلم الأبنية، وعلم الاشتقاق، وعلم الإعراب، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم العروض، وعلم القوافي، وإنشاء النثر، وقرض الشعر، وعلم الكتابة، وعلم المحاضرات [٦]، وينقل السيوطي عن بعض المؤلفين قوله: «ومراده بالمحاضرات، ما تحاضر به صاحبك من نظم
_________________
(١) معجم الأدباء ٥/١٩٢٥، تحقيق إحسان عباس.
(٢) كشف الظنون ٢/١٦١٠، معجم المؤلفين ١١/٤١، معجم المطبوعات ص ١٨٠.
(٣) كشف الظنون ص ٩١، ٢٠٠، هدية العارفين ١/٧٥٠- ٧٥١، معجم المؤلفين ٢/٥٣٢ ط مؤسسة الرسالة.
(٤) اللسان: حضر. والقاموس المحيط: حضر.
(٥) المعجم الوسيط: حضر.
(٦) المحاضرات للسيوطي الورقة ٢، عن القسطاس في علم العروض للزمخشري ص ١٥- ١٦.
[ ٢٢ ]
أو نثر، أو حديث أو نادرة، أو مثل سائر» [١] ويوضح طاش كبري زاده (ت ٩٦٨ هـ) المراد بالمحاضرة فيقول: إن علم المحاضرة، هو استعمال كلام البلغاء في أثناء الكلام في محل مناسب له على طريق الحكاية، وإن ذلك العلم يراد به تكوين ملكة يراد بها الاحتراز من الوقوع في الخطأ عند نقل الكلام عن الآخرين، على ما يقتضيه مقام التخاطب، من جهة معانيه الأصلية، ومن جهة خصوص ذلك التركيب نفسه [٢] .
يتضح من الأقوال السابقة أن المراد بالمحاضرات والمحاورات هو ما تتضمنه المجاميع الأدبية من مختار المنظوم والمنثور الذي يشتمل على الثقافة العربية والإسلامية، في مفهومها العام الشامل، ويصدق هنا مفهوم الأدب عن القدماء الذي أوضحه ابن خلدون في كلمته السائرة: (الأخذ من كل علم بطرف) [٣]، ويريد بذلك: «الإجادة في فني المنظوم والمنثور، على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة، من شعر عالي الطبقة، وسجع متساو في الإجادة، ومسائل من اللغة والنحو، مبثوثة أثناء ذلك متفرقة، يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية، مع ذكر بعض من أيام العرب، يفهم به ما يقع في أشعارهم منها، وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة، والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه» [٤] .
ومما سبق نجد أن مفهوم المحاضرات يعني، ما يختاره المؤلف من ثمار العلوم والمعارف من لدن السابقين، وفق ذوقه واختياره، وكثيرا ما يهدف المصنف إلى الغاية التعليمية والتربية الخلقية، والتماس العبرة من تجارب السابقين، وما إلى ذلك.