[٢] رأى أبو بكر الصديق﵁- رجلا بيده ثوب، فقال له: أهو للبيع؟
قال: لا، أصلحك الله، فقال له: هلّا قلت: لا، وأصلحك الله، لئلا يشتبه الدعاء لي، بالدعاء عليّ [٣] .
كان عمر يقول: لو كنت تاجرا لما اخترت على العطر [٤]، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه.
كان ابن مسعود يقول: الدنيا كلها غموم، فما كان فيها من سرور، فهو ربح [٥] .
كان ابن عباس كثيرا ما يروي عن النبي ﷺ: (الهدية مشتركة) [٦] فأهدي إليه من مصر ثياب، فأمر بتسليمها إلى خادمه، فقال له جلساؤه: ألم ترو لنا أن الهدية مشتركة؟
فقال: تلك مما يؤكل ويشرب، فأما ثياب مصر فلا.
كان أبو هريرة يقول: ما شممت رائحة أطيب من رائحة الخبز الحار. قال نصر بن سيار والي خراسان [٧]: كل شيء يرخص إذا كثر، إلا الأدب، فانه إذا كثر كان أغلى [٨] .
أبو جعفر المنصور [٩]، شكى إليه رجل بعض عماله في قصة،/ فوقّع: اكفني أمر هذا، وإلا كفيته أمرك. وقال له بعض الهاشميين: إني صرورة [١٠]، قال: فاحجج، قال: ليس لي نفقة، قال: ليس عليك حج، قال: يا أمير المؤمنين، إنما جئتك مستمنحا [١١] لا مستفتيا.
مرض خاقان [١٢]، فعاده المعتصم وابنه الفتح إذ ذاك صبي، فقال له المعتصم: داري أحسن أم دار أبيك؟ فقال: ما دام أمير المؤمنين فيها فهي أحسن [١٣]، وكان في يده خاتم
_________________
(١) نشر الكتاب بعنوان (لطائف اللطف) بتحقيق عمر الأسعد، ط دار المسيرة، بيروت ١٩٨٠.
(٢) الثعالبي: عبد الملك بن منصور بن إسماعيل النيسابوري، مؤلف وله أشعار كثيرة، وهو صاحب (يتيمة الدهر)، و(فقه اللغة)، توفي ٩٢٤ هـ. (وفيات الأعيان ٣/٨٧١) .
(٣) لطائف اللطف ص ٢٧.
(٤) في لطائف اللطف ص ٢٧: عن العطر شيئا. والخبر في الإعجاز والأيجاز ص ٧٦.
(٥) لطائف اللطف ص ٢٩، وفيه: (الدنيا غموم فمن كان فيها) .
(٦) في لطائف اللطف ص ٢٩: الهدايا مشتركة.
(٧) نصر بن سيار بن رافع، أمير من الدهاة الشجعان، والي خراسان توفي سنة ١٣١ هـ. (الكامل لابن الأثير ٥/١٤٨) .
(٨) اللطائف ص ٣٦، والإعجاز والإيجاز ص ٧٦.
(٩) الخليفة العباسي، وهو ثاني الخلفاء العباسيين، وباني بغداد، المتوفى سنة ١٥٨ هـ.
(١٠) الصرورة: الذي لم يحج أو لم يتزوج. (اللسان: صرر) .
(١١) في اللطف ص ٣٧، والإعجاز والإيجاز ص ٧٨: مستجديا.
(١٢) خاقان: هو خاقان بن أحمد بن غرطوج، وهو أبو الفتح بن خاقان وزير المتوكل، توفي الفتح سنة ٢٤٧ هـ. (فوات الوفيات ٢/١٣٢) .
(١٣) الخبر في اللطف ص ٤٣- ٤٤، وأخبار الأذكياء ص ٢١٢، وأخبار الظراف والمتماجنين لابن الجوزي ص ١٠٥.
[ ٤١٥ ]
ياقوت أحمر في نهاية الحسن، فقال لرجل [١]: أرأيت أحسن من هذا الخاتم؟ قال: نعم، اليد التي هو فيها.
قال الفتح بن خاقان لأحد ندمائه: دخلت قصري، فاستقبلتني فلانة، فقبلتها، فوجدت فيها هواء لو رقد المخمور فيه لصحا. وأخذ أبو الفرج الوأواء الدمشقي [٢] هذا المعنى فقال [٣]: [الطويل]
سقى الله ليلا طاب إذ زار وصلها فألبسته حتى الصباح عناقا
بطيب نسيم منك يستجلب الكرى ولو رقد المخمور فيه أفاقا
قال المنتصر بالله [٤]: والله ما ذل ذو حق، وإن أصفق عليه العالم، ولا عزّ ذو باطل، وإن طلع من جبينه القمران.
قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر [٥]: [الطويل]
يقولون آفات وشتى مصائب فقلت مقالا ما عليه غبار
إذا سلمت في الناس للمرء نفسه وأحبابه فالحادثات جبار
قال المعتضد بالله [٦] لأحمد بن الطيب: «أرى في لسانك طولا، وفي عقلك قصرا» .
قال عبد الله ابن المعتز: الخضاب من شهود الزور [٧] .
رأى الرشيد يوما رجلا بيده حزمة خيزران، فقال: ما تلك؟ قال: عروق القنا، يا أمير المؤمنين، لموافقته اسم أم الرشيد [٨] . قال الحسن بن سهل [٩]: لا يصلح للصدر إلا
_________________
(١) في اللطف ص ٤٤: كلمة (لرجل) ساقطة. وقد مرت الرواية أن المعتصم سأل الفتح بن خاقان.
(٢) الوأواء: محمد بن أحمد الغساني الدمشقي، شاعر مطبوع، رقيق الألفاظ والمعاني، توفي سنة ٣٨٥ هـ. (فوات الوفيات ٣/٢٤٠) .
(٣) الخبر والبيتان في لطائف اللطف ص ٤٤، والإعجاز والإيجاز ص ٨٤، وخاص الخاص ص ٣٩٥، ويتيمة الدهر ١/٢٧٣.
(٤) المنتصر بالله: أبو جعفر محمد بن المتوكل بن المعتصم، الخليفة العباسي الحادي عشر، توفي سنة ٢٤٨ هـ. (تاريخ الخلفاء ص ٣٧٥) .
(٥) في ب، ش، ل: عبد الله بن عبد الله، والصحيح عبيد الله، أبو أحمد الخزاعي، ولي الشرطة ببغداد، وتوفي سنة ٣٠٠ هـ. (وفيات الأعيان ٣/١٢٠)، والبيتان في لطائف اللطف ص ٤٦، والإعجاز والإيجاز ص ٢٥٢.
(٦) المعتضد بالله: أبو العباس أحمد بن طلحة بن جعفر الخليفة العباسي السادس عشر، توفي سنة ٢٨٩ هـ. (تاريخ الخلفاء ص ٣٩٨) .
(٧) لطائف اللطف ص ٤٨.
(٨) لطائف اللطف ص ٥٨، وأخبار الأذكياء ص ٥١.
(٩) الحسن بن سهل: أبو محمد السرخسي وزير المأمون ووالد بوران زوجة المأمون، توفي سنة ٢٣٦ هـ. (وفيات الأعيان ٢/١٢٠) .
[ ٤١٦ ]
واسع الصدر، وقيل له: لا خير في السّرف، فقال: لا سرف في الخير. فردّ اللفظ، واستوفى المعنى [١] .
طلب المأمون من أحمد بن يوسف الكاتب [٢] السكين، فناوله إياها وحدها مما يليه، فعلم أنه أخطأ، فاستدركه أن قال: في نحر أعدائك يا أمير المؤمنين [٣] ./
قال أبو الفتح البستي [٤]: النعمة عروس مهرها الشكر، والرشوة رشاء الحاجة [٥]، والمعاشرة ترك المعاسرة، وعادات السادات، سادات العادات.
قال أبو نصر العتيبي [٦]: الشباب باكورة الحياة، ولسان التقصير قصير. قال أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الوزير: الصدقة ترد بلاء الآخرة، والهدية ترد بلاء الدنيا [٧] .
قال أبو الحسن محمد بن محمد المزني: من دخل على السادة فعليه بتخفيف السلام، وتقليل الكلام، وتعجيل القيام [٨] .
قال أبو عمرو بن العلاء [٩]: كل ما تشتهي، والبس ما يشتهي الناس، وقد نظمه من قال [١٠]: [الكامل]
أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهت والبس ثيابك ما اشتهاه الناس
قال الأصمعي: دخلت على الفضل بن الربيع [١١] يوما باردا، وعليّ ثياب قطن، فقال لي:
يا أبا سعيد، أين الوبر؟ فقلت: في خزانتك أصلحك الله فضحك وأمر لي بدواج سمور [١٢] .
قال أبو بكر الخوارزمي [١٣]: في قصة الجود بالذهب مثل الجود بالأدب:/ وهذا الخلق النفيس، لا يساعده الكيس، وهذا الطبع الكريم، لا يأخذه الغريم، والأدب لا
_________________
(١) اللطائف ص ٥٩، والإعجاز ص ١٠٠، والأذكياء ص ٥١.
(٢) كاتب المأمون على ديوان الرسائل، توفي سنة ٢١٣ هـ. (معجم الأدباء ٢/١٦٠) .
(٣) اللطائف ص ٦٠.
(٤) علي بن محمد بن الحسين البستي: نسبة إلى بست بخراسان، شاعر من كتاب الدولة السامانية بخراسان، توفي سنة ٤٠٠ هـ. (وفيات الأعيان ٣/٣٧٦) .
(٥) بعدها في اللطائف ص ٧٢: والبشر نور الإيجاب.
(٦) العتيبي: محمد بن عبد الجبار، مؤرخ من الكتاب الشعراء، توفي سنة ٤٢٧ هـ. (يتيمة الدهر ٤/٢٨١) .
(٧) لطائف ص ٧٢، الإعجاز ص ١١٠ وفيه: منسوب إلى أبي نصر بن أبي زيد، وزير الرضي ناصر الدين.
(٨) اللطائف ص ٧٢.
(٩) أبو عمرو بن العلاء: أحد العلماء الرواة توفي سنة ١٥٤ هـ. (طبقات النحويين واللغويين ص ٣٥) .
(١٠) الخبر والبيت في لطائف اللطف ص ٧٥.
(١١) الفضل بن الربيع: أبو العباس، وزير الرشيد، توفي سنة ٢٠٨ هـ. (وفيات الأعيان ١/٤١٢) .
(١٢) الدواج: ضرب من الثياب، والسمور: فراء.
(١٣) الخوارزمي: أبو بكر محمد بن العباس، كاتب من الشعراء العلماء، كان ثقة في اللغة ومعرفة الأنساب، توفي سنة ٣٨٣ هـ. (وفيات الأعيان ١/٥٢٣، معجم الأدباء ١/١٠١) .
[ ٤١٧ ]
يمكن ثرده في قصعة، ولا يمكن صرفه في ثمن سلعة، ولو جهدت بالطباخ أن يطبخ من رائية الشماخ لونا لم يقبل [١]، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت من شعر الكميت مئتي بيت، فلم يغن، كما لم يغن لو وليت، ولو وقعت أرجوزة العجّاج في توابل السكباج [٢]، لما عدمتها عندي، ولكن ليست تنفع، فما أصنع [٣] .
أيوب الطبيب: كان الغالب عليّ من الأدعية: «اللهم اسقنا من رحمتك شربة تسهل بها دنوبنا، إنك أنت الغفور الرحيم» [٤] . قال ثابت بن قرة الطبيب [٥]: ليس أضرّ على الشيخ من أن يكون له طباخ حاذق، وجارية حسناء، لأنه يستكثر من الطعام فيسقم، ومن النكاح فيهرم.
وقال: راحة الجسم في قلة الطعام [٦]، وراحة القلب في قلة الاهتمام، وراحة اللسان في قلة الكلام.
مرت عمرة بنت زهرة/ فتأملوها [٧]، فقالت: يا بني نمير، لا لقول الله تعالى أطعتم، ولا بقول الشاعر أخذتم، قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
[٨]، وقال الشاعر [٩]: [الوافر]
فغضّ الطرف إنّك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
كتب رجل إلى محبوبة له: طال العهد، واشتد الشوق، فاستدركي رمقي بلبان تمضغينه، وتجعلينه بين دينارين، وتنفذيه إليّ لأستشفي به. فكتبت إليه: قد امتثلت أمرك، فتفضل برد الطبق والمكبّة [١٠] . سمع مزيد [١١] ضجيج الناس في يوم كسوف، وريح عاصف، وغبرة منكرة، وقولهم: القيامة، القيامة، فقال: ويحكم، هذه قيامة على الريق! أين دابة الأرض؟ أين الدجال؟ أين نزول عيسى؟ أين طلوع الشمس من المغرب [١٢] .
_________________
(١) في اللطائف ص ٨٢- ٨٣ بعدها قوله: وبالقصاب أن يسمع أدب الكاتب فلم يقبل.
(٢) السكباج: طعام يعمل من اللحم والخل مع توابل وأفاويه، القطعة منه سكباجة. (المعجم الوسيط: سكبج) .
(٣) لطائف اللطف ص ٨٢- ٨٣، خاص الخاص ص ٨.
(٤) المصدران السابقان.
(٥) ثابت بن قرة: أبو الحسن الحراني الصابي، طبيب وفيلسوف ومترجم عن السريانية، نال منزلة رفيعة عند المعتضد العباسي، توفي سنة ٢٨٨ هـ. (وفيات الأعيان ١/٣١٣) .
(٦) في اللطائف ص ٩٦ زيادة: وراحة الروح في قلة الآثام.
(٧) قوله: (فتأملوها)، ساقطة من ب.
(٨) سورة النور ٣٠.
(٩) البيت لجرير في ديوانه ص ٦٣ ط صادر، بيروت ١٩٦٠.
(١٠) في اللطائف ص ٩٩ بعدها: ومن الظرف رد الظرف.
(١١) في الأصول: مزيد، وفي الوافي مزبّد: أبو إسحاق مزبد المدني، كثير المجون، حلو النادرة، له نوادر طريفة. (فوات الوفيات ٤/١٣١) .
(١٢) الخبر في الوافي ٤/١٣٢، واللطائف ص ١١٧.
[ ٤١٨ ]
قال أبو الحسن الموسوي [١]: من هوان الدنيا على الله تعالى، أنه أخرج نفائسها من خسائسها، وأطايبها [٢] من خبائثها، أخرج الذهب والفضة من حجارة، والمسك من فارة، والعنبر من روث دابة، والعسل من ذبابة، والخز من دابة، والديباج من دودة، والإنسان من نطفة، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[٣] .
قال علي بن الجهم [٤]: الهدية السحر الأكبر. سئل جحظة البرمكي [٥] عن دعوة حضرها، فقال: كان كل شيء فيها باردا [٦] إلا الماء. قال دعبل [٧]: [البسيط]
وإنّ أولى البرايا أن تواسيه عند السرور لمن واساك في الحزن [٨]
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن
تعرض رجل للحسن بن سهل [٩]، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا الذي أحسن إليّ الأمير عام كذا وكذا، فقال: مرحبا بمن توسل إلينا بنا، وقضى حوائجه [١٠] . دخل أبو العميثل [١١] على عبد الله بن طاهر [١٢] في يوم من أيام الخريف، وعليه قباء خز مبطن بسمور، فقال له: ما أعددت للشتاء؟ فقال: خلع الأمير، فقال: عجّلوها له [١٣] .
_________________
(١) أبو الحسن الموسوي: علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، الملقب بالرضي، ثامن الأئمة الإثني عشر عند الإمامية، من أجلاء السادة من أهل البيت، توفي بطوس سنة ٢٠٣ هـ. (وفيات الأعيان ١/٣٢١، الطبري وابن الأثير حوادث سنة ٢٠٣) .
(٢) في ب: وأطيابها.
(٣) المؤمنون ١٤. والخبر في اللطائف ص ١٢٠، وخاص الخاص ص ٩.
(٤) علي بن الجهم: شاعر رقيق الشعر من أهل بغداد، كان معاصرا لأبي تمام، اختص بالمتوكل العباسي ثم غضب عليه، توفي سنة ٢٤٩ هـ. (وفيات الأعيان ١/٣٤٩) .
(٥) جحظة البرمكي: أحمد بن جعفر بن موسى بن الوزير يحيى البرمكي، أديب مغن كثير الرواية، لقب بجحظة لنتوء في عينيه، توفي سنة ٣٢٤ هـ. (معجم الأدباء ١/٣٨٣، وفيات الأعيان ١/٤١) .
(٦) في ب ش: بارد، والصواب باردا بالنصب.
(٧) دعبل الخزاعي: دعبل بن علي بن رزين، شاعر هجاء أصله من الكوفة، هجا الخلفاء، له شعر جيد، توفي سنة ٢٤٦ هـ. (وفيات الأعيان ١/١٧٨، الشعر والشعراء ص ٣٥٠)، والبيتان في ديوانه ص ١٩٢ تحقيق محمد يوسف نجم ط بيروت ١٩٦٢.
(٨) في ب، ل: واساك بالحزن.
(٩) مرت ترجمته.
(١٠) في اللطائف ص ٥٩: توسل إلينا بنا، وشكر إحساننا. والخبر أيضا في وفيات الأعيان ٢/١٢٢.
(١١) أبو العميثل: عبد الله بن خليد، كاتب وشاعر لطاهر بن الحسين وابنه بخراسان، توفي سنة ٢٤٠ هـ. (وفيات الأعيان ٣/٨٩) .
(١٢) عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي: أمير خراسان، كان كريما نبيلا عالي الهمة، مدحه الشعراء، كان المأمون تبناه ورباه، واعتمد عليه، توفي سنة ٢٣٠ هـ. (وفيات الأعيان ١/٢٦٠، تاريخ بغداد ٩/٤٨٣، الولاة والقضاة ص ١٨٠) .
(١٣) اللطائف ص ٧٦.
[ ٤١٩ ]
وصف أبو بكر الخوارزمي [١] شريفا في أصله، وضيعا في نفسه، فقال: استخراج المساوئ من المحاسن، هو: من الأسد بخره، ومن الدينار صغره، ومن اللجين خبثه، ومن الماء زبده، ومن الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، ومن الدار ميضاؤها.
وكان يقول/ في التفضيل: فلان بيت القصيدة، وأول الخريدة، وغرّة الكتيبة، وواسطة القلادة، ودرّة التاج، وإنسان الحدقة، ونقش الفص [٢] . كان أبو العباس بن سريج [٣] يقول: غبار العمل خير من زعفران العطلة. أنتهى.
في (فوائد النجيرمي) [٤]، قال يحيى بن خلاد البرمكي [٥]: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وممن بعدنا عبرة. قال الحجاج بن يوسف [٦]: الشيب بريد الآخرة.
قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لرجل، قد ذهب منه المطعم والمشرب والمنكح: أتحب البقاء؟ قال: نعم، قيل له: فما ترجو من البقاء، وأنت على هذه الحال؟ قال: كي أسمع الأعاجيب.
قال الشعبي: قدم عليّ ﵁ من صفّين، وكان رأسه ولحيته قطنة، فقيل له:
يا أمير المؤمنين، لو غيّرت، قال: إن الخضاب زينة، ونحن محزونون.
قال عمر بن شبّة [٧]: ولدت هند بنت أبي عبيدة [٨] بن عبد الله بن زمعة، موسى بن عبد الله [٩] بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب،/ ولها ستون سنة، ولا يعلم أن امرأة ولدت لستين إلا قرشية، وموسى هو أخو محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن،
_________________
(١) سبقت ترجمته.
(٢) اللطف ص ٨١، وخاص الخاص ص ٨.
(٣) ابن سريج: أحمد بن عمر بن سريج، من علماء الشافعية، تولى القضاء بشيراز، وكان يقال له: الباز الأشهب، وتوفي ببغداد سنة ٣٠٦ هـ. (وفيات الأعيان ١/٦٦) .
(٤) النجيرمي: لعله يوسف بن يعقوب البصري: لغوي نزيل مصر، من أهل بيت فيه جماعة من الفضلاء الأدباء، كان راوية لأشعار العرب واللغة وأيام العرب، توفي بمصر سنة ٥٢٠ هـ. (وفيات الأعيان ٧/٧٥- ٧٧)، ولم أقف على كتابه الفوائد، ولم يرد له ذكر في ترجمته.
(٥) لعله يحيى بن خالد، وليس خلاد، وزير مؤدب الرشيد من البرامكة، مات مسجونا بعد نكبة البرامكة سنة ١٩٠ هـ. (معجم الأدباء ٧/٢٧٢، وفيات الأعيان ٢/٢٤٣) .
(٦) توفي سنة ٩٥ هـ.
(٧) عمر بن شبة: زيد بن عبيدة بن زيد النميري البصري، صاحب أخبار ونوادر ورواية، توفي بسامراء سنة ٢٦٣ هـ. (وفيات الأعيان ٣/٤٤٠) .
(٨) هند بن أبي عبيدة: شاعرة من شواعر العرب في الدولة العباسية. (أعلام النساء ٥/٢٣٩) .
(٩) موسى بن عبد الله بن الحسن العلوي: من شعراء الطالبيين من سكان المدينة، عاش إلى أيام الرشيد وله خبر معه، توفي سنة ١٨٠ هـ. (معجم الشعراء ص ٢٨٨، مقاتل الطالبيين ص ٣٩٠- ٣٩٧) .
[ ٤٢٠ ]
وهو الذي يقول [١]: [مجزوء الوافر]
تولّت بهجة الدنيا فكلّ جديدها خلق
وخان الناس كلّهم فما أدري بمن أثق
رأيت معالم الخيرا ت سدّت دونها الطّرق
فلا حسب ولا نسب ولا دين ولا خلق
فلست مصدّق الأقوا م في قول وإن صدقوا
قال الجاحظ: أهل الكوفة يقولون: لنا ثلاثة فقهاء، لم ير الناس مثلهم: أبو حنيفة [٢]، وأبو يوسف [٣]، ومحمد بن الحسن [٤]، ولنا ثلاثة نحويين كذلك، وهم: الكسائي [٥]، والفرّاء [٦]، وثعلب [٧] .
من شعر إبراهيم بن المهدي [٨]: [البسيط]
من قال في الناس قال الناس ما فيه وحسبه ذاك من خزي ويكفيه
من نمّ في الناس لم تؤمن عقاربه على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
لو فرّ من رزقه عبد إلى جبل دون السماء لألفى رزقه فيه
قال الحسين بن فهم، لما قال أبو عيسى بن الرشيد [٩]: [الطويل]
دهاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر
_________________
(١) الأبيات لموسى بن عبد الله في معجم الشعراء للمرزباني ص ٢٨٨، وزهر الآداب ١/٨٩.
(٢) أبو حنيفة: النعمان بن ثابت أمام المذهب الحنفي، توفي سنة ١٥٠ هـ. (وفيات الأعيان ٥/٤١٣) .
(٣) أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي، صاحب أبي حنيفة وناشر مذهبه، توفي سنة ١٨٢ هـ. (أخبار القضاة ٣/٢٥٤، الجواهر المضية ٢/٢٢٠) .
(٤) محمد بن الحسن الشيباني: من موالي بني شيبان، إمام بالفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، ولد بواسط ونشأ بالكوفة، ولاه الرشيد القضاء بالرقة، وتوفي بالري سنة ١٨٩ هـ. (الجواهر المضية ٢/٤٢، وفيات الأعيان ١/٤٥٣) .
(٥) الكسائي: علي بن حمزة، توفي سنة ١٨٩ هـ. (طبقات النحويين واللغويين ص ١٢٧) .
(٦) الفراء: يحيى بن زياد، المتوفى سنة ٢٠٧ هـ. (طبقات النحويين واللغويين ص ١٣١) .
(٧) ثعلب: أحمد بن يحيى، المتوفى سنة ٢٩١ هـ. (طبقات النحويين واللغويين ص ١٤١) .
(٨) إبراهيم بن المهدي: أبو إسحاق، أخو هارون الرشيد، تولى الخلافة في وقت الصراع بين الأمين والمأمون، كان أديبا شاعرا، توفي بسامراء سنة ٢٢٤ هـ. (وفيات الأعيان ١/٣٩)، والأبيات في كتاب: أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم ص ٤٣- ٤٤.
(٩) أبو عيسى: أحمد بن هارون الرشيد، شاعر من آل عباس، وهو أخو الأمين والمأمون، كان أجمل الناس وجها، توفي سنة ٢٠٩ هـ. (وفيات الأعيان ١/٥٣، النجوم الزاهرة ٢/١١٦) خبر والبيتان في كتاب أشعار أولاد الخلفاء ٣/٩٣.
[ ٤٢١ ]
ولو كان يعديني الإمام بقدرة على الشهر لا ستعديت جهدي على الشهر
ناله بعقب هذا صرع، فكان يصرع في اليوم مرات، إلى أن مات ولم يبلغ شهرا مثله. انتهى.