[٤] اجتاز بعض النحاة ببعض الأساكفة، فقال له: أبيت اللعن، واللعن يأباك، ورحم الله أمك وأباك، وهذه تحية العرب في الجاهلية قبل الإسلام، ولكن عليك أفضل السلام، والسّلم والسّلم، ومثلك من يعزّ ويكرم ويحتشم، قرأت القرآن والتفسير والعنوان، والمقامات الحريرية، والدرة الألفية، وكشاف الزمخشري، وتاريخ الطبري، وشرحت اللغة مع العربية على سيبويه، ونفطويه، والحسن بن خالويه، والقاسم بن كميل، والنضر بن شميل، وقد دعتني الضرورة إليك، وتمثلت بين يديك، لعلك تتحفني من بعض صنعتك، وحسن رحمتك، بنعل تقيني الحر، وتدفع عني الشر، وأعرب لك عن اسمه حقيقا، لأتخذك رفيقا، ففيه لغات مؤتلفة، على لسان الجمهور مختلفة، ففي الناس من كناه بالمداس، وفي عامة الأمم من لقبه بالقدم، وأهل شهرنوزة [٥] سموه بالسارموزة، وإني أخاطبك بلغات هؤلاء القوم، ولا إثم عليّ في ذلك ولا لوم، والثالثة بك أولى، وأسألك أيها المولى، أن تتحفني بسارموزة، أنعم من الموزة، وأقوى من الصوان، وأطول عمرا من الزمان، خالية البواشي، مطبقة الحواشي، لا يتغير عليها وشيها، ولا يروعني مشيها، لا تنفلت إن وطئت بها جروفا، ولا تنفلت إن طحت بها مكانا مخسوفا، لا تلتوق من أجلي، ولا يؤلمها ثقلي، ولا تمترق من رجلي، ولا تتعوج ولا تتلقوج، ولا تنبعج ولا تنفلج، ولا تقبّ تحت الرجل، ولا تلصق بخبز الفجل، ظاهرها كالزعفران، وباطنها كشقائق النعمان، أخف من ريش الطير، شديدة البأس على السير، طويلة
_________________
(١) بخاري: أحكام ٤، ابن ماجة: جهاد ٤٠، ابن حنبل ٣/٦٧.
(٢) مجمع الزوائد للهيثمي ٥/٢١٨ مع اختلاف في اللفظ، ابن حنبل ١/٣٩٩، ٥/٣٢٥، ٣٢٩.
(٣) مسند ابن حنبل ١/٣٩٩، ٥/٣٢٥، ٣٢٩، ابن ماجة: جهاد ٤٠.
(٤) وصفه ابن شاكر الكتبي بقوله: شيخ ماجن متهتك، يصحب الكتاب، ويعاشر الندماء، ويشبب في المجالس على القيان، كان عاميا مطبوعا، قليل اللحن، يمتدح الأكابر ويستعطي الجوائز، وصنف عدة مصنفات في شاشات الخليج، والزوائد التي للمصريين، والنوادر والأمثال، ويخلط ذلك بأشعاره، توفي ﵀ سنة ٧٣٨ هـ (فوات الوفيات ١/٣٨٣) .
(٥) شهرنوزة: موضع لم يذكره ياقوت في معجمه.
[ ٢٤٤ ]
الكعاب،/ عالية الأجناب، لا يلحق بها التراب، ولا يغرقها ماء السحاب، تصر صرير الباب، وتلمح كالسراب، وأديمها من غير جراب، جلدها من خالص جلود المعز، ما لبسها ذليل إلا افتخر بها وعز، مخروزة كخرز الخردفوش، وهي أخف من المنقوش، مسمّرة بالحديد ممنطقة، ثابتة في الأرض الزلقة، نعلها من جلد الأفيلة، الخمير لا الفطير، وتكون بالنزر الحقير، فلما أمسك النحوي من كلامه، وثب الإسكافي على أقدامه، وتمشى وتبختر، وأطرق ساعة وتفكر، وتشدد وتشمر، وتحرج وتنمر، ودخل حانوته وخرج، وقد داخله الحنق والحرج، فقال له النحوي: جئت بما طلبته؟ قال: لا، بل بجواب ما قلته، فقال: قل وأوجز، وسجّع ورجّز، فقال: أخبرك أيها النحوي: إن الشرسانحروي، شطبطاب المتقرقر والمتقبعقب، لما قرب من قري، فوق الالقر تقنقف، طرق زرقنانشراسيف قصر القشتبتع من جانب الشرشسك، والديوك تصهل كنهيق زقازيق الصولجانات، والخرفوق الفرتاج يبيض القرمنطق، والزعربر جوا جليبسوا، ويا خير من الطير تجنح بجمشدك، بسمرد لو خاط الركبنبر، شاع الجبربر، يحفر الترتاح بن بسوساح، على نوى بن شمندخ، بلسان القرداق، ماز كلوخ انك كاكيت، أرس برام المسلنطح بالسمردلند، والزئبق بحبال الشمس مربوط، فلعل بشعلعل مات الكر كندوس، أدعوك في الوليمة يا تيس، تس يا حمار يا بهيمة، أعيذك بالزحزاح، وأبخرك بحصى لبان المستراح، وأرقيك برقوات مرقاة قرقرات البطون، لتخلص من داء البرسام والجنون. ونزل من دكانه مستغيثا بجيرانه، وقبض لحية النحوي بكفيه، وخنقه باصبعيه/ حتى خر مغشيا عليه، وبربر في وجهه وزمجر، ونأى بجانبه واستكبر، وشخر ونخر، وتقدم وتأخر، فقال النحوي: الله أكبر الله أكبر، أأنت تجننت، فقال له: بل أنت تخرفت، والسلام [١] .
قال ابن الأنباري [٢] في بامية: [السريع]
_________________
(١) ورد نص شرف بن أسد في فوات الوفيات ١/٣٨٣- ٣٨٤.
(٢) من عرف بالأنباري وابن الأنباري كثير، منهم محمد بن القاسم المتوفى سنة ٣٠٤ هـ، وابنه محمد بن القاسم المتوفى ٣٢٨ هـ، وعبد الله بن أحمد المتوفى سنة ٣٥٦ هـ، ومحمد بن عمر المتوفى سنة ٣٩٠ هـ، ومحمد بن عبد الكريم، ومحمد بن محمد المتوفى سنة ٥٧٥ هـ، وعبد الرحمن بن محمد المتوفى سنة ٥٧٧، وسلامة بن عبد الباقي المتوفى سنة ٥٩٠ هـ، ومحمد بن محمد ابن بنان المتوفى ٥٩٦ هـ. وأرجح أن يكون هذا الأخير محمد بن محمد بن محمد بن بنان الأنباري ثم المصري: كان كاتبا من أعيان عصره، عرّفه ابن قاضي شهبة بالأمير ذي الرياستين، أصله من الأنبار ومولده ووفاته بالقاهرة، تولى ديوان النظر في الدولة المصرية، وكان القاضي الفاضل ممن يغشى بابه ويمدحه، له شعر وكتاب المنظوم والمنثور، وتفسير القرآن المجيد، نكب في آخر عمره وتوفي سنة ٦٩٥ هـ. (الوافي بالوفيات ١/٢٨١، فوات الوفيات ٢/١٥٥، المختصر المحتاج إليه ص ١٢٢) .
[ ٢٤٥ ]
وذات جسم خشن لمسه تكاد منه راحتي تدمى
فضضت عنها ختمها فاغتدت تحلو علي النثر والنظما
ظلمتها بالنار وهي التي لا تشتكي ظلما ولا هضما
حتى إذا ما غيرت طعمها وأودعتها الطعم والشمّا
جاءت ولكن بعد ما كابدت جوى يرضّ اللحم والعظما
فهات عرّفني إذا ما اسمها إن كنت ممن يعرف الاسما
حروفها خمس فان تحذف ال خمسين ترجع مائة حتما
كتب الجمال ابن نباتة [١] في محضر جرائحي:
أشهد أن فلانا جرائحي لا جرح [٢] عندي في ذكره المقدم، ولا نكر في وصفه الذي ليس بتزويق اللسان وصوغه، ولكنه الذي خالط اللحم والدم، كم اتصف بصفات الكرماء، فجبر كسرا، وخضعت لديه الرقاب قهرا، وشق بسهام رأيه الشّعر،/ ودعي ليوم كريهة وسداد ثغر، كم أجرى على حكمه من دم رئيس، وكم أوقف دما وحبسه، فكان مثابا على ذلك الوقف والتحبيس، لو تقدم عصره لا ستند جادع أنفه إليه، وقام ذو القروح أعني امرأ القيس، مادحا بين يديه، وكيف لا وهو الذي تحمل لقدومه العصايب، ويملأ الفك [٣] من شكره بغرائب، وينهض باقباله الأسير، وينشده بلسان حاله الكسير: [الكامل]
فلأشكرنّك ما حييت فان أمت فلتشكرنّك أعظمي في قبرها
وكتب أيضا في محضر سقّاء:
أشهد أنّ فلانا السقّاء سريّ العزم سائره، مشكورة في ركب الحجاز الشريف موارده ومصادره، سابغ منهل الإنعام، ملي بما يشكر الناس والأنعام، كم التقى الماء وطلبه قد قدّر، وكم مدح عند سقاية الحاج، غيثه السفاح، وغوثه المقتدر، كم قرئ من تنبيه قصده باب المياه، وكم أدنى من ورود العذب قوما كانوا من العدم غير ناظرين إناه [٤] /، كم
_________________
(١) ابن نباتة: محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي الفارقي المصري، جمال الدين، شاعر عصره وأحد الكتاب المترسلين العلماء بالأدب، له ديوان شعر ومصنفات كثيرة منها (سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون) وفرائد السلوك في مصايد الملوك) و(مطلع الفوائد) وغيرها، توفي سنة ٧٦٨ هـ. (البداية والنهاية ١٤/٣٢٢، حسن المحاضرة ١/٣٢٩، النجوم الزاهرة ١١/٩٥، الدرر الكامنة ٤/٢١٦) .
(٢) قوله: لا جرح، ساقطة من نسخة ب.
(٣) في ب: ويملأ الكف.
(٤) غير ناظرين إناه: انتظر وتمهل وترفق، وفي القرآن الكريم: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ الأحزاب ٥٣.
[ ٢٤٦ ]
ظهرت له في كل واد همّة عالية، وكم رقى جبلا في طلب غدير، حتى خاف غدير الفجر من مطالبه الراقية، وكم شعر بفضله المادح، فلا غرو أن كثر عنه حديث الرواية، يمدح آثار الغمام، وإياه نعني ونشاهد، كل حوض من بناه قد امتلأ، وقال قطني، ونرى مجده الأبي أحق بقول اللهبي [١]: [الرمل]
من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب