أنشد علي الأسواري هذه المقطوعة:
أوائلُ رسلٍ للرَّبيعِ تقدَّمتْ على حسن وجهِ الأرض خيرَ قدومِ
فراقتْ لها بعدَ الممات حدائقٌ كواسٍ وكانتْ مثل ظهر أديمِ
كأنَّ اخضرارَ الرَّوضِ والنَّورُ طالعٌ عليه سماءٌ زُيِّنت بنجومِ
إذا افتضَّها لحظُ البصير بلحظةٍ توهَّمها مفروشةً برقومِ
تردَّتْ بظلٍّ دائمٍ وتضاحكتْ بضحكِ بروقٍ في بكاءِ غيومِ
فأوردها فحلُ السَّحاب عرائسًا ضعافَ القِوى من مرضعٍ وفطيمِ
كمثلِ نشاوى الرَّاح يلثمُ دائبًا إذا الرّيحُ جادتْ بنتها بنسيمِ
الخليع:
ضحكت ضواحي الأرض لمَّا رقرقتْ ظهرانهنَّ مدامعُ الأنواءِ
فترى الرّياضَ كأنَّهنَّ عرائسٌ يُنقلنَ من صفراءَ في حمراءِ
البسَّامي:
أما ترى الأرضَ قد أعطتكَ زهرتَها بخضرةٍ واكتسى بالنَّوْرِ عاريها
فللسماءِ بكاءٌ في جوانبها وللرَّبيعِ ابتسامٌ في نواحيها
الزاهي وأحسن فيه:
هذا الربيعُ وهذه أنوارُه طابتْ لياليه وطابَ نهارهُ
درِّيَّةٌ أنوارهُ فضيَّةٌ أنهارهُ ذهبيَّةٌ أشجارُهُ
متأرِّجٌ نشواتهُ متبلّجٌ ضحواتهُ ومتبرِّجٌ أسحارُهُ
والماءُ فضيُّ القميصِ مفروزٌ ببنفسجٍ واللازوردُ شعارُهُ
والسَّروُ ممدودُ القوام كأنَّه قدُّ القناةِ يصفهُ أنهارُهُ
وترنَّمتْ عجمُ الطّيورِ كأنَّها سربُ القيان ترنَّمتْ أوتارُهُ
فاشربْ على ورد الخدودِ بجنبهِ وردُ الربيع تحُفُّهُ أنوارُهُ
من كلِّ أحورَ كالقضيب منعَّمٍ قد شدَّ خوطَ قوامه زنَّارُهُ
يسقيكَها من كفِّه وبطرفه أضعافَ ما قدْ أسكرتْه عُقارُهُ
متدلِّلٌ من عقدهِ بدرُ الدجى متهلِّلٌ وظلامُه أزرارُهُ
الصنوبري:
إنْ كانَ في الصيفِ ريحانٌ وفاكهةٌ فالأرضُ مستوقد والجوّ تنُّورُ
وإن يكنْ في الخريفِ النخلُ مختَرفًا فالأرض محصورةٌ والجوُّ مأسورُ
وإن يكنْ في الشتاء الغيمُ متَّصلًا فالأرض عريانةٌ والجوُّ مقرورُ
ما الدَّهرُ إلاَّ الربيعُ المستنيرُ إذا جاء الربيعُ أتاكَ النَّورُ والنُّورُ
فالأرض ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤةٌ والنَّبتُ فيروزجٌ والماءُ بلُّورُ
لا تعدمُ الأرض كأسًا من سحائبه فالنبتُ ضربانِ سكرانٌ ومخمورُ
[ ٧٤ ]
فيه جنى الورد منضودٌ مورَّدةٌ به المجالسُ والمنثور منثورُ
هذا البنفسجُ هذا الياسمينُ وذا ال نِّسرينُ ذا سوسنٌ بالحسنِ مشهورُ
حيثُ التفتَّ فقمريٌّ وفاختةٌ وبلبلٌ ووراشينٌ وزرزورُ
يطيبُ حولَ صحاريهِ المقامُ كما تطيبُ في غيرهِ الحاناتُ والدُّورُ
في كلِّ ظهرٍ علونا فيه دَسْكرةٌ وكلِّ بطنٍ هبطنا فيه ماخورُ
تباركَ اللهُ ما أحلى الربيع فلا يغررْ مقايسهُ بالحسن تغريرُ
مَن شمَّ ريحَ نحياتِ الربيع يقلْ لا المسك مسك ولا الكافورُ كافورُ
آخر:
هذا الربيعُ من الجنانِ هديَّةٌ ونديمُ كأسكَ من نتاجِ الحورِ
لك نزهتانِ محاسنٌ ومناقبٌ إنْ لم تلذَّ فلستَ بالمعذورِ
فالوردُ في خُضر القُموعِ كأنَّه وردُ الخدودِ بخُضرةِ التَّعذيرِ
آخر:
قهقهَ نورُ الربيع فاستبشرْ واكتستِ الأرضُ مطرفًا أخضرْ
ترى ربيعًا نوَّارهُ ذهبٌ ماءُ لجينٍ حصباؤه جوهرْ
عطَّل صبّاغُه الخدودَ بما ورَّدَ من صبغها وما عصفرْ
لابسُ قميصٍ من العقيق على غلائلٍ من زبرجدٍ أخضرْ
الخبزأرزي:
هذا الربيعُ من الجنَّات مسترقٌ ففيه من صفة الجنَّات تمثيلُ
فالوردُ من وجنة المعشوق صِبغتُه والطيبُ من نكهةِ المعشوق معلولُ
وردُ الخُدود مصونٌ ليس يقطفهُ إلاَّ العيونُ ووردُ الرَّوض مبذولُ
طيبوا فما طيبُ هذا الفصل مُدَّغمٌ يخفى ولا فضلُ هذا اليومِ مجهولُ
أمَّا النَّهارُ فر حرٌ ولا خصرٌ والليلُ لا قصرٌ فيه ولا طولُ
فلا البنانُ عن التجميش منقبضٌ ولا العناق لكرب الحرِّ مملولُ
طاب الهواءُ لتعديل الهواءِ به فللَّذاذاتِ في الأرواحِ تعديلُ
فشيِّعوا يومَكم واستقبلوا غدهُ فقسمةُ العيش تعجيلٌ وتأميلُ
وما انتظاركمُ والعيشُ مقتبلٌ والوردُ مُبتسمٌ والروضُ مطلولُ
غيره:
اخضرَّتِ الأرضُ واصفرَّت وقد لبستْ ثوبَ النضارةِ أشجارُ البساتينِ
والروضُ مبتهجٌ والماءُ مطّردٌ والنَّورُ مفترشٌ وسطَ الميادينِ
والوردُ أطيبُ شمَّامًا ورائحةً من مسك تُبَّتْ أوْ من عنبر الصينِ
أما ترى الطيرَ غنَّتْ وقد طربتْ تحكي بنغمتها وزنَ الدَّساتينِ
الصنوبري:
أما ترى جواهرَ الأنواءِ ألَّفها مؤلِّفُ الأنداءِ
ما شئتَ من ياقوتةٍ حمراء فيها ومن ياقوتةٍ صفراءِ
قدْ فُصِّلتْ بدرَّةٍ بيضاء زهراءَ مثلِ الزَّهرةِ الزَّهراءِ
فإن لحظتَ زاهرَ الشَّجراءِ ألفيتهُ معصفرَ السماءِ
وإنْ شممتَ أرجَ الفضاءِ وجدتَهُ معنبرَ الهواءِ
في ذهبِ التُربُ لجينُ الماءِ يجري على زمرُّد الحصباءِ