أبو الأسود الدؤلي:
يَعِيبونَها عِندي ولا عَيبَ عِندَها سِوى أَنَّ في العَيْنينِ بعضَ التأخُّرِ
وإِنْ يَكُ في العَيْنينِ سُوءٌ فإِنها مُهَفْهَفةُ الأَعلى رَداحُ المُؤزَّرِ
أبو حفص الشطرنجي:
حَمِدْتُ إلهي إذ بُليتُ بحُبها على حَوَلٍ يُغني عن النَظرِ الشَزْرِ
نَظرتُ إليها والرَقيبُ يَخالُني نَظرتُ إليه فاستَرَحْتُ من العُذْرِ
سعيد بن حميد في وصف الحول نفسه وأجاد:
وَنَجْمينِ في بُرجيْن هادٍ وحائِرٌ إذا طَلعا حَلَّ الكُسوفُ بواحدِ
إذا غُيِّبَ الهادي وَواراهُ بُرُجُهُ تَراءى لهُ المَقْصودُ في زِيِّ قاصدِ
[ ١٣ ]
لهذا، على التشبيهِ، قوةُ زُهرةٍ وفي ذا، على التمثيلِ، طَرفُ عُطاردِ
مِنَ الأَنجُمِ اللاَّئي جَرَتْ في بُروجِها ولم تَدْرِ ما معنى بُروجِ الفرَاقِدِ
العلوي البصري:
ونَظرةِ عَيْنٍ تعلَّلْتُها خِلاسًا كما نَظرَ الأَحوَلُ
تَقسَّمتُها بين وجهِ الحبيبِ وطرفِ الرقيبِ متى يغفلُ
آخر:
سَأجْتنِبُ الدارَ الني أَنتمُ بها ولكنَّ طَرفي نحوَها سوفَ يعملُ
أرى مُستقيمَ الطرفِ ما الطرفُ أَمَّكُمْ فإِن زالَ طرفي عنكُمُ فهو أَحْوَلُ
آخر:
ومُنقَلِبٍ طَرفُهُ فاترٌ يُقلِّبُ باللحظ مِنّا القلوبا
فعينٌ تُوهِّمُني مَوْعِدًا وعينٌ تُشاغِلُ عني الرَقيبا
يُصانِعُ خَصْمينِ في لحظِهِ فَلَنْ أَستريبَ ولن يَستَريبا
وابن الرومي قد أبدع في نظر الحبيب، وتأثيره في القلوب ما لم يذكره أحد.
وكرره في مواضع من شعره فقال:
نظرتْ فأَقصدَتِ الفؤادَ بطرفِها ثم انْثَنَتْ عَني فكِدْتُ أَهيمُ
وَيْلايَ إِنْ نظرتْ وإن هيَ أَعرضتْ وقْعُ السِهام ونزْعُهنَّ أَليمُ
قال وزاد فيه معنى آخر:
لَطَرفُها، وهو مَصْروفٌ، كموقِعِه في القلبِ حينَ يَروعُ القلبَ موقِعُهُ
تَصُدُّ بالطرفِ، لا كالسَّهم تَصرِفُه عني، ولكنّه كالسَّهمِ تَنْزِعُه
وقال أيضًا:
تَشَكَّى إذا ما أَقْصَدَتْكَ سِهامُها وتَشْجى إذا نكَّبْنَ عنكَ وتكمَدُ
إذا نَكَبَتْ عنّا وجدْنا عُدولَها كموقِعها في القلب، بل ذاكَ أَجهَدُ
كذلكَ تلكَ النَبْلُ من وقعتْ به ومن صُرِفَت عنه من القومُ مقْصَدُ
وقد التزم ابن الرومي في هذه القصيدة فتحة ما قبل حرف الروي تبرعًا، إلا في بيت واحد وهو:
ومَرجوعُ وهّاج المَصابيحِ رِمْدَدُ
وأخبرني أبو عبيد الله المرزباني أن أبا عثمان الناجم أخبره أن ابن الرومي دفع إليه هذه القصيدة وقال: اذهب بها إلى ثعلبكم وأنشده إياها، فما رد من لغتها فلا تلتفت إليه، وما رد من إعرابها فعلم عليه لأرجع فيه. وأنشده رمدد بفتح الدال التي ردفت حرف الروي؛ فلم يرده عليه.
وعند علماء اللغة هو رمدد بكسر الدال الأولى. ولم يأت في العربية ما تكرر فيه حرفان على فعلل إلا رمدد ودردح للناقة المسنة، وقرقس للبعوض. وقال البن السكيت: لم يرد في اللغة فعلل بكسر الفاء وفتح اللام إلا حرفان: درهم وهجرع للطويل. وقد جاء ثالث وهو هبلع للأكول.
قال الشاعر:
فَشَحا جحافِله جِرافٌ هِبْلَعُ
وأبو الحسن الأخفش يقول فيه شيئًا ليس هذا موضعه، وفي هركولة.
وابن الرومي لاقتداره وغزارته يلتزم في القوافي مالا يلزمه. وهو بالفكر والروية سهل. والصعب ما تعمله العرب بديهة وارتجالًا؛ كما أنشده سيبويه.
لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ سُمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ
النازِلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ والطيبينَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
وهذا المعنى في النظر قد غلب عليه ابن الرومي، كما غلب الطرماح على قوله:
والشمسُ مُعرِضَةٌ تمورُ كأنّها تُرسٌ يُقَلِّبُه كَمِيٌّ رامِحُ
وألم به أبو النجم:
فهي على الأُفْق كَعينِ الأَحوَلِ صَغْواءَ قد كادتْ ولمَّا تَفعَلِ
وكما غلب بشار على قوله:
وقالوا: قدْ بكيتَ فقلتُ كلاّ وهل يَبكي من الطَّرب الجَليدُ
ولكِنْ قد أصابَ سوادَ عيْني عُوَيْدُ قَذىً له طَرَفٌ حَديدُ
فقالوا: ما لِدْمعِهما سَواءٌ أَكلتا مُقلتيْكَ أصابَ عودُ
وألم به أبو العتاهية فقال:
كمْ مِن صَديقٍ لي أُسا رِقُهُ البُكاءَ من الحَياءِ
فإذا تأمَّلَ لامَني فأقولُ: ما بي مِن بُكاءِ
لكنْ ذهبتُ لأَرتَدي فطَرَفتُ عيني بالرِداءِ
وكما غلب العتبي على قوله:
رأَيْنَ الغواني الشيبَ لاحَ بعارِضي فأَعْرضْنَ عني بالخُدودِ النَواضِرِ
وكُنَّ إذا أَبْصَرْنَني أو سَمِعْنَ بي سَعَيْنَ فَرقَّعْنَ الكُوى بالمحاجِرِ
وكما غلب أبو نواس على قوله:
[ ١٤ ]
فَلِلْخمر ما زُرَّتْ عليهِ جُيوبُها وللماءِ ما دارتْ عليه القَلانِسُ
ومنه أخذ ابن المعتز قوله:
وبيضاءُ الخِمار إذا اجْتَلتْها عيونُ الشَّرْب صفراءُ الإِزارِ
وكما غلب أبو العتاهية على قوله في البنفسج:
كأنها فوقَ طاقاتٍ ضَعُفْنَ بِها أَوائلُ النارِ في أَطرافِ كِبْريتِ
وكما غلب أبو حية النميري على قوله في حيرة الدمع في العين:
نَظرتُ كأنّي من وراء زُجاجةٍ إلى الدارِ من فَرْطِ الكآبةِ أَنظُرُ
وقد عارضه فيه خلق كثير من الشعراء، فلم يصنعوا شيئًا. منهم أبو الشيص، قال:
حَجبتْ عينيَ الدموعُ فإِنسا ني غريقٌ يَبدو مِرارًا ويَخْفى
فكأني نَظرْتُ مِن خَلفِ سِتْرٍ هزَّتِ الريحُ متْنَهُ فتَكفّا
وفي هذا التشبيه نظر.
ومنهم قيس حيث قال:
وممَّا شَجاني أَنها يومَ أَعرضتْ تولَّتْ وماءُ العين في الجَفْنِ حائِرُ
وقال ذو الرمة:
وإنسانُ عيني يَحسُرُ الماءَ تارةً فيبدو، وأَحيانًا يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
وقال البحتري:
وَقَفْنا والعيونُ مُشعَّلاتٌ يغالِبُ دمعَها نظرٌ كليلُ
نَهَتْه رِقْبةُ الواشينَ حتى تعلَّقَ لا يَغِيضُ ولا يَسِيلُ
وقال أبو السمط مروان:
أُلِمُّ بالبابِ كي أَشكو فيمنعُني فَيْضُ الدموعِ على خدِّي، من النظرِ
أقبلتُ أَطلبُها، والقلبُ مَنْزِلُها، أَعْجِبْ بمُقتَرِبٍ مني على سَفَرِ
وقال المتنبي:
عَشيَّةَ يَعْدونا عنِ النَّظرِ البُكا وعن لَذَّةِ التوديعِ خوفُ التَفرُّقِ
نودِّعُهم والبَيْنُ فينا كأنَّهُ قَنا ابنِ أَبي الهَيْجاءِ في قلبِ فَيْلقِ
وقال أبو نواس:
بِنفسِيَ من رَدَّ التحيةَ ضاحكًا فجدَّد بعد اليأس في الوصلِ مَطْمعي
إذا ما بدا أَبدى الغرامُ سرائري كأنَّ دموعَ العين تعشَقُه معي
باح الكاتب:
يا غزالًا سَوادُ أَفْئدةِ الأُسْدِ يَعْتلِف
إِنَّ مُذْ خَمْسةٍ لَنا رُسُلَ الوعْد تخْتلِفْ
لم تَزُرْني ولم تَسَلْ بي على الغَيْبِ يا صَلِفْ
أنا أَفْديكَ كيفَ كُنتَ ألف لام فا أَلفْ
الحسين بن الضحاك:
يا مُعيرَ المُقلةِ الجوْ ذُرَ والجيدِ الغَزالا
أَترى بالله ما تَصْنَعُ عيناكَ حَلالا
من جُفون تنفُثُ السحرَ يمينًا وشمالا
كنتَ مِن شتّى فأُلِّفْتَ وجُمِّعتَ مثالا
من قَضيبٍ كَتَمنِّي النفسِ لينا واعْتِدالا
وكثيبٍ يُودِعُ المئزَرَ أَردافًا ثِقالا
وهِلالٍ لاحَ في الأُفْق هِلالًا فتلالا
بأبي أنتَ قضيبًا وكَثيبًا وهِلالا
حارَ ماءُ الحسن في رقَّةِ خدَّيْكَ فجالا
حَبَّذا حُبُّكَ رُشْدا كانَ أو كانَ ضَلالا
قوله: حارماء الحسن..أخذه من قول عمر بن أبي ربيعة:
وهي مَكنونةٌ تحيَّرَ منها في أَديمِ الخَدَّيْنِ ماءُ الشبابِ
آخر:
خُطَّتْ على الحُسن فهي تَمْلِكُهُ فصارَ ما حَولَهُ لهُ خَدَما
لو أَنَّها قابَلتْ بِمُقْلتِها بَكرَ بنَ عبدِ العزيزِ لانْهزما
جرير:
ولقد رَمَيْنَك يومَ رُحْنَ بأعْيُنٍ ينظُرْنَ من خَلَلِ الخُدورِ سَواجِ
وبمنطقٍ شَعَفَ الفؤادَ كأنّهُ عسلٌ يَجُدْن به بغيرِ مِزاجِ
إِنَّ الغُرابَ بما كَرِهْت لَمولعٌ بِنوى الأحِبَّةِ دائمُ التَشْحاجِ
ليتَ الغرابَ غداةَ ينعبُ بالنوى كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ
ولقد عَلمِتِ بانّ سِرَّكِ مُنْسَأ بينَ الضلوعِ موثَّقُ الأشْراجِ
هذا هوىً شَغَفَ الفؤادَ مُبَرِّحٌ ونوىً تقاذَفُ غيرُ ذات خِلاجِ
وفي حدة النظر قال بعض العرب:
يتقارضونَ إذا الْتقوْا في مَنزلٍ نَظرًا يُزيلُ مواقعَ الأقدامِ
يريد: تلاحظ الأعداء وهو من قول الله ﷿: " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ".
وأما قول أبي تمام:
ومحدودِ الصَنيعةِ ساءَه ما تُرَشِّحُ لي منَ السَبَبِ الحَظِيِّ
[ ١٥ ]
يَدِبُّ إليَّ من شخصٍ ضئيلٍ ويَنظُرُ من شفا طَرَفٍ خَفِيِّ
فإنه يريد: نظرًا بذل. وهو قول الله ﷿: " ينظرون من طرف خفي ".
أنشد:
غَضِيضُ الطَرفِ ساكِنُهُ مَنيَّةُ من يُعاينُهُ
كساهُ إلُههُ نُورًا تُضيءُ بهِ أماكنُهُ
نقيُّ الجيْبِ من عَيْبٍ فما في الناسِ شائِنُهُ
تغيبُ محاسِنُ الدُنيا إذا طَلعتْ محاسِنُهُ
العلوي:
يا من تَشاغلَ بالسُرو رِ عن الفُؤادِ المُبْتَلى
نَظَري إليكَ إذا رأيتكَ مُدْبرًا أو مُقبِلا
نَظرَ ابنِ فاطمةِ الرِضى ماءَ الفُراتِ بِكَرْبلا
الخبزرزي:
قد قُلتُ لما أنْ نَظر تُ إلى الحبيبِ مع العُداةِ
وبَقيتُ أنظرُ شاخصًا نظرَ المُنازعِ للمَمَاتِ
نَظري إليكَ بِغُصَّةٍ نَظَرَ الحُسينِ إلى الفُراتِ
وعلى ذكر العيون وأحوالها، ففي الرمد قول ابن المعتز نادر:
قالوا اشتكتْ عينُه فقلتُ لهم مِن كَثرةِ القتل نالها الوَصَبُ
حُمرَتُها من دماءِ من قَتَلتْ والدَمُ في النَصْلِ شاهدٌ عَجَبُ
وقد ألم به بعض الشعراء الشاميين فقال في ناصر الدولة يصف رمدًا أصابه ولطف به:
قُضُبُ الهِند والقَنا أخدانُكْ والمقاديرُ في الوَرى أعوانُكْ
أيُّهذا الأميرُ ما رَمِدتْ عينُكَ، حاشا لها ولا أجفانُكْ
بل حَكَتْ فِعلَكَ الكريمَ ليُضحي شأنُها في العُلى سواءً وشانُكْ
فهي تحمرُّ مثلَ سيفكَ في الروْ عِ، وتصفو كما صَفا إحسانُكْ