هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن زيدون القرطبي وزير آل عباد، وشاعر تلك الطبقة، والمتقدم منهم، فمن شعره في الغزل:
ما للمداما تديرها عيناك فيميل من نشواتها عطفاك
هلا مزجت لعاشقيك سلافها ببرود ظلمك أو بعذب لماك
بل ما عليك وقد محضت لك الهوى في أن أفوز بحظوة الوسواك
ناهيك ظلمًا أن أضر بي الصدى برحا ونال الري عود أراك
إن تألفي سنة النؤوم خليةً فلطالما نافرت في كراك
أو تحتبي بالهجر في نادي القلى فلكم حللت إلى الوصال خباك
أما منى نفسي فأنت جميعها يا ليتني أصبحت بعض مناك
يدنو بوصلك حين شط مزاره وهمٌ أكاد به أقبل فاك
وقال:
ما بال خدك لا يزال مضرجًا بدمٍ ولحظك لا يزال مريبا
لو شئت ما عذبت مهجة عاشقٍ مستعذب في حبك التعذيبا
[ ٣٣ ]
ولزرته بل عدته إن الهوى مرضٌ يكون له الوصال طبيبا
وقد تقدم قول المعتمد لأبيه مما أحسن فيه غاية الإحسان وهو:
سخطك قد زادني سقاما فابعث إليه الرضا مسيحا
ولا أدري أيهما أخذ من صاحبه، وقال أبو الوليد:
متى أخف الغرام يصفه جسمي بألسنة الضنى الخرس الفصاح
فلو أن الثياب نزعن عني خفيت خفاء خصرك في الوشاح
وقال:
يا قمرًا مطلعه المغرب قد ضاق بي في حبك المذهب
وإن من أعجب ما مر بي أن عذابي فيك مستعذب
ألزمتني الذنب الذي جئته صدقت فاصفح أيها المذنب
وقال:
وبنفسي وإن أضر بنفسي قمرٌ لا ينال منه السرار
جال ماء النعيم منه بخدٍ فيه للمستشف نورٌ ونار
متجنٍ يحلو تجنيه عندي فهو يجني ومني الاعتذار
وقال: يا قاطعًا صلتي من غير ما سببٍ=تالله إنك عن روحي لمسؤول
ما شئت فاصنعه كل منك محتملٌ والذنب مغتفرٌ العذر مقبول
[ ٣٤ ]
لو كنت حظي لم أطلب به بدلًا أو نلت منك الرضا لم يبق مأمول
وقال:
كم نظرةٍ لك في عيني علمت بها يوم الزيارة أن القلب قد ذابا
قلبٌ يطيل معاصاتي لطاعتكم فإن أكلفه عنكم سلوةً يابى
ما توبتي بنصوحٍ في محبتكم لا عذب الله إلا عاشقًا تابا
وقال:
ودع الصبر محبٌ ودعك ضائعٌ من سره ما استودعك
إن يظل بعدك ليلي فبما كنت أشكو قصر الليل معك
وقال:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع سرٌ إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعًا حظه مني ولو بذلت لي الحياة بحظي منه لم أبع
ته، أحتمل، واستطل، أصبر، وعز، أهن وول، أقبل، وقل، أسمع، ومر، أطع
هذا أحسن ما سمعته في هذا الباب لما فيه من ذكر الجواب.
ولأبي الفرج الأصبهاني:
يا فرجة الهم بعد اليأس من فرج يا فرحة الأمن بعد الروع والوهل
[ ٣٥ ]
اسلم، ودم، وابق، واملك، وانم، واسم، وزد واعط، وامنع، وضر، وانفع، وصل، وصل
وكان الأصل في ذلك قول أبي العميثل في عبد الله بن طاهر:
يا من يحاول أن تكون صفاته كصفات عبد الله انصت واسمع
اصدق وعف وجد وأنصف واحتمل واصفح وكاف ودار واحلم وأشجع
ومن شعر أبي الوليد في المديح والعتاب والشكر والاستعطاف وغير ذلك ما كتب إلى المعتمد:
وطاعة أمرك فرضٌ أرا هـ من كل مفترض أوكدا
هي الشرع أصبح دين الضمير فلو قد عصاك لقد ألحدا
وقال من أبيات كتب بها إليه أيضًا:
يا ندى يمنى أبي القاسم عم يا سنا بشر المحيا أشمس
[ ٣٦ ]
وارتشف معسول ثغرٍ أشنبٍ بحبيب من عجاج ألعس
وقال من أبيات:
مهما امتدحت سواك قبل فإنما مدحي إلى مدحي لك استطراد
تغشى الميادين الفوارس حقبةً كيما يعلمها النزال طراد
وقال من أبيات إلى محمد بن جهور:
هو الدهر مهما أحسن الفعل مرةً فمن خطأ لكن إساءته عمد
حذارك أن تغتر منه بجانبٍ ففي كل وادٍ من نوائبه سعد
ولولا السراة الصيد من آل جهورٍ لأعوز من يعدى عليه متى يعدو
هم النفر البيض الذين وجوههم تروق فتستشفي بها الأعين الرمد
أمثلي غفلٌ خامل الذكر ضائعٌ ضياع الحسام العضب أصدأه الغمد
أنا السيف لا ينبو مع الضرب غربه إذا ما نبا السيف الذي طبع الهند
لعرك مل للمال أسعى وإنما يرى المال أسنى حظه الطبع الوغد
ولكن لحال إن لبست جمالها كسوتك ثوب النصح أعلامه الحمد
وقال في وصف خالع الطاعة:
ضلالًا لمفتونٍ سموت بحاله إلى أن بدت بين الفراقد فرقدا
رأى حطها أولى به فأحلها حضيضًا بكفران الصنيعة أو هدا
[ ٣٧ ]
فذل وقد أمطيته شبح السها وضل وقد لقيته قبس الهدى
فما آثر الأولى ولا قلد الحجى ولا شكر النعمى ولا حفظ اليدا
رأى أنه أضحى هزبرًا مصممًا فلم يعد أن أمسى ظليمًا مشردًا
يود إذا ما جنه الليل أنه أقام عليه آخر الدهر سرمدا
ذكر أبو عامر بن شهيد في كتابه المعروف"بحانوت عطار"الكتاب الذي أنشئ عند الظفر بعبد الله بن المنصور وقتله لما خرج على أبيه، فمنه: "وإن عبد الله استوطأ مركب الخلاف والعقوق، وأضاع ما ألزمه الله ﷿ من الحقوق، ولا غزو فقد يسري عرق الخال، وينام عرق العم، وربما أفسد الرسل وعاؤه، وغير الماء سقاؤه، فلولا غلبة بعض الأمشاج على النطفة المخلوقة حتى يكون الشبه الغالب فيها، لما ولد الطيب خبيثًا، والخبيث طيبًا، ولا الفاجر برًا، ولا البر فاجرًا، حتى إنني ألقيت عليه محبتي، وألحفته جناح رأفتي، وصيرته
[ ٣٨ ]
بنجوة من العزة، وبحبوحة من الأمن، وفي عيشٍ رقيقٍ الحواش، وحالٍ تجاوز طامح الأماني، والنعم أطواق إذا شكرت، وأغلال إذا كفرت، والشكر لها زيادة فيها، وأمان من الغير عليها، ولو أساعد هوى وأجانبه تقى، لعطفنني عليه الأواصر العاطفة، والأرحام الشابكة، والشقي من عدل به الهوى عن الحق، وأورده النار، وبئس الورد المورود" وذكر أنه أنشئ في معين منافق عصى، وشق العصا، واستند إلى الروم، وكان أبوه على الطاعة، فتولى قتاله إلى أن ظفر به وقتله، ولما كفر فلان النعمة مباينا، ونابذ الإسلام متاركًا، واتخذ الدير دارًا، والنصارى أنصارًا، شمرت له عن ساق الحزم، وحسرت له عن ساعد العزم، ولطفت إليه من مسلك الحيلة، واستعنت عليه بصادق النية، فلم أزل أدني إليه بعيد الأجل، فاقطع به في وجه الأمل، وافتح عليه باب الطلب، وأسد أبواب الهرب، حتى افترسه فرسه، وجنى عليه مجنه واعتقله معقله، فقاده الذنب، وساقه الجبن منحوس الحظ ممنوع اللفظ، قد شدت يده بالجزيرة، وسد فم توبته بحجز الكبيرة، وأمرت بثوبه فكشف، وبطيب النفاق فاخترط، وقد صارت القربى بعدا، والرحمة ضدا، فما كان إلا كلا، ولا حتى شحط في أوساخه، وحيزت لأمير المؤمنين أم فراخه، وعطفت على كل قرينٍ له وصاحب، فأعدت جميعهم كأمس الذاهب، وأبلوا بلاهم، فجوزوا جزاهم، كذلك (جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا، أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض) ومملوكك يا أمير المؤمنين فيقسم بالله العظيم، لو عصتك يمناه لأعدى عليه يسراه، ويعيد القسم، لو كان له ألف ولد، كل منهم أدهى من قتيبة، وأشجع من عتيبة، وأوفى من عيينة، وأذكى من عروة بن أذينة، لتخلى لطاعتك عنهم، وتبرأ لبيعتك منهم، وأعذر عند نعمك فيهم، ولئن كان الفائق ولد الراتق، والعاصي نجل الطائع، فقد تكون الصاعقة من الصيب، ويخرج الله الخبيث من الطيب.
[ ٣٩ ]
وقال ابن زيدون من أبيات:
تحييني بريحان التحفي وتصبحني معتقة السماح
فها أنا قد ثملت من الأيادي إذا اتصل اغتباقي باصطباح
وقال المتنبي:
كفل الثناء له برد حياته لما انطوى فكأنه منشور
قال ابن جني: فكأنه أخذه من قول التيمي:
ردت صنائعه عليه حياته لما انطوى فكأنه منشور
ولموسى بن عمران البصري:
ظوته المنايا والثناء كفيله برد حياةٍ ليس يخلقها الدهر
ولمهيار:
أفنى الثراء على الثناء لعلمه أن الفناء مع الثناء خلود
[ ٤٠ ]
ولابن القمي:
مات الكرام فأحيتهم فواضله كأن مبعث أهل الجود مولده
وكتب المعتمد إلى أبيه:
مولاي أشكو إليك داءً أصبح قلبي به قريحا
سخطك قد زادني سقامًا فابعث إلي الرضا مسيحا
وقوله مسيحًا من القوافي التي يتحدى بها، وأحسن ما سمعت في ذلك قول عبد الله بن المعتز في وصف الطير الهدى:
ورب يومٍ ظلن خائفات فيه من الصقور والبزاة
والقوس والبندق والرماة وإن سقطن مترددات
فمسرعاتٌ غير لابثات فلم تزل كذاك دائبات
حتى عرفن البرج بالآيات يلوح للناظر من هيهات
فانظر إلى هذه القافية، وهي قوله هيهات ما أصعبها على من رامها وأعلاها على من استامها.
وقال ابن المعتز أيضًا في فرسين تباريا في السرعة:
وكم قد غدوت على سابحٍ جواد المحثة وثابها
تباريه جرداء خيفانةٌ إذا كاد يسبق كدنا بها
[ ٤١ ]
وقال عروة بن أذينة الليثي:
منعت تحيتها فقلت لصاحبي ما كان أكثرها لنا وأقلها
فدنا وقال: لعلها معذورةٌ في بعض رقبتها فقلت: لعلها
ومن هذا الباب قول مهيار:
صحا القلب لكن صبوةٌ وحنين وأقصر إلا أن يخف قطين
وقالوا: يكون البين والمرء رابطٌ حشاه بفضل الحزم قلت: يكون!!
وقال الأعشى:
وكأسًا شربت على لذةٍ وأخرى تداويت منها بها
وقالت علية بنت المهدي:
[ ٤٢ ]
ومغتربٍ بالمرج يبكي لشجوه وقد بان منه المسعدون على الحب
إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه تنفس يستشفي برائحة القرب
تأمل كيف أنزلت الركب عن هذه القافية، وقد كان له منها موضع، ولكن القرب أحق به.
ومن ذلك قول الصنوبري في مرثيته:
ثوى الثرى رابحًا لما ثويت به وآب من عن مثواك مغبونا
وافت منيته الستين وا أسفي إذ لم يكن عمره ستين ستينا
ولابن نيقيا البغدادي:
لله أي مواقفٍ رقت لها فيها الرسائل والقلوب غلاظ
عهدي بظلك والشباب يزيله أيام ربعك للمسان عكاظ
وكتب ابن عباد إلى أبيه يشكره على فرس أصدى بعثه إليه:
لقد جدت بالعلق الذي لو أباعه بذلت ولم أغبن به العيشة الرغدا
جوادٌ أتاني من جوادٍ تطابقا فيا كرم المهدي ويا كرم المهدى
بعثت به مثل الشهاب وإنما بعثت إلى قلب المحب به بردا
وكم من يدٍ أوليت موقعها ندٍ لدي ولكن أين من موقع الأصدا
[ ٤٣ ]
لعلي يومًا أن أوفيه حقه فأنعله ممن عصى أمرك الخدا
وكتب إلى أبيه جوابًا عن تحفه:
يا ملكًا أصبحت كفه ساخرةً بالعارض الهاطل
قد أقحمتني منه مثلها يضيق القول على القائل
وإن أكن قصرت في وصفها فحسنها عن وصفها شاغلي
ومن خطه ما كتبه إلى أبي بكر بن عمار وزيره:
لما نأيت نأى الكرى عن ناظري ورددته لما انصرفت عليه
طلب البشير بشارةً يجزى بها فوهبت قلبي واعتذرت إليه
واستحسن قول أبي فراس لسيف الدولة:
نفسي فداؤك قد بعثت بعهدتي بيد الرسول
أهديت نفسي إنما يهدى الجليل إلى الجليل
وجعلت ما ملكت يدي صلة المبشر بالقبول
وكتب ابن عباد من قصر بقرطبة إلى أصحاب له اصطحبوا بالزهراء يدعوهم إلى الاغتباق عنده:
حسد القصر فيكم الزهراء ولعمري وعمركم ما أساء
قد طلعتم به شموسًا صباحًا فاطلعوا عندنا بدورًا مساء
وكتب إلى أبي بكر محمد بن عمار:
قد زارنا النرجس الذكي وحان من يومنا العشي
ونحن في مجلسٍ أنيقٍ وقد ظمئنا وفيه ري
[ ٤٤ ]
ولي صديق غدا سميي يا ليته ساعد السمي
فحضر أبو بكر باب القصر وكتب إليه رقعة فيها:
لبيك لبيك من منادٍ له الندى الرحب والندي
ها أنا بالباب عبد قن قبلته وجهك السني
شرفه والداه باسمٍ شرفته أنت والنبي
ومن شعره في الغزل قال من قصيدة كتب بها إلى أبي بكر بن عمار:
وكم ليلةٍ قد بت أنعم جنحها بمخصبة الأرداف مجدبة الخصر
وبيضٍ وسودٍ فاعلاتٍ بمهجتي فعال الصفاح البيض والأسل السمر
وباتت تسقيني المرام بلحظها ومن كأسها حينًا وحينًا من الثغر
وتطربني أوتارها فكأنني سمعت بأوتار الطلى نغم البتر
وقال:
فتكت مقلتاه بالقلب مني وبكت مقلتاي شوقًا إليه
فحكى لحظه لنا سيف عبا دٍ ولحظي له سحاب يديه
وقال:
كتبت وعندي من فراقك ما عندي وفي كبدي ما فيه من لوعة الوجد
ولولا طلاب المجد زرتك طيه عميدًا كما زار الندى ورق الورد
وما خطت الأقلام إلا وأدمعي تخط سطور الشوق في صفحة الخد
[ ٤٥ ]
فقبلت ما تحت اللثام من اللمى وعانقت ما فوق الوشاح من العقد
عمر بن أبي ربيعة:
واسقط علينا كسقوط الندى ليلة لا ناه ولا زاجر
وقال وهو عليل وقد زارته جاريته"سحر":
سأسأل ربي أن تدوم بي الشكوى فقد قربت من مضجعي الرشأ الأحوى
إذا علةٌ كانت لقربك علةً تمنيت أن تبقى بجسمي وأن تقوى
شكوت وسحرٌ قد أغبت زيارتي فجاءت بها النعمى التي سميت بلوى
وقال في جارية يحبها وهي بين يديه يومًا تسقيه، والكأس في يدها إذ لمع البرق فارتاعت:
روعها البرق وفي كفها برقٌ من القهوة لماع
يا ليت شعري وهي شمس الضحى كيف من الأنوار ترتاع؟
[ ٤٦ ]
ومن نوادر الخواطر أن ابن عباد أنشد عبد الجليل بن وهبون البيت الأول وأمره أن يذيله فقال:
ولن ترى أعجب من آنس من مثل ما يمسك يرتاع
وأكثر ما يكون هذا التوارد إذا اتفق للناظمين أو الناثرين طلب معنى واحد في قافية واحدة، أو سجع واحد، فإن ذلك يقتاد إلى الاتفاق أو ما يقارب الاتفاق، قال محمد بن شرف القيرواني: أمرني المعتز بن باديس وأمر حسن بن رشيق قي وقت واحد أن نصنع شعرًا نصف فيه الموز على حرف الغين، فصنعنا للوقت، ولم يقف أحدنا على ما صنع الآخر، وكان الذي لي:
يا حبذا الموز وإسعاده من قبل أن يمضغه الماضغ
لان إلى أن لا مجس له فالفم ملآن به فارغ
سيان قلنا مأكلٌ طيبٌ فيه وإلا مشربٌ سائغ
أحلى مذاقًا من دماء العدى مكن فيها أسدٌ والغ
والذي لابن رشيق:
موزٌ سريعٌ سوغه من قبل مضغ الماضغ
مأكله لآكل ومشربٌ لسائغ
[ ٤٧ ]
فالفم من لينٍ به ملآن مثل فارغ
يخال وهو بالغٌ للحلق غير بالغ
ثم أمرنا للوقت أن نعمل فيه أيضًا على قافية الذال، فعملنا ولم ير أحد منا ما عمل صاحبه، والذي عملته أنا:
هل لك في موزٍ إذا ذقناه قلنا حبذا
فيه شرابٌ وغذا يريك كالماء القذى
لو مات من تلذذا به لقيل ذا بذا
والذي عمله ابن رشيق:
لله موزٌ لذيذ يعيذه المستعيذ
فواكهٌ وشرابٌ به يفيق الوقيذ
ترى القذى العين فيه كما يراها النبيذ
فأنت ترى هذا الاتفاق لما كانت القافية واحدة والقصد واحدًا، ولقد قال من حضر ذلك اليوم: ما ندري مم نتعجب؟ أمن البديهة؟ أم من غرابة القافية؟ أم من هذا الاتفاق؟ قال ابن شرف واستخلانا المعز يومًا فقال: أنا أحب أن تصنعا لي شعرًا تمدحان فيه الشعر الرقيق الخفي الذي ربما كان في ساقي بعض النساء فإني استحسنه، وقد عاب بعض الضرائر بعض من هذا فيه به، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أريهن هذا، وأدعي لهن أنه قديم، لأحتج به على من عابه وأسر به من عيب عليه.
فانفرد كل منا، وأتممنا الشعرين في الوقت وكان الذي صنعت أنا:
وبلقيسيةٍ زينت بشعرٍ يسيرٍ مثل ما يهب الشحيح
[ ٤٨ ]
دقيقٍ في خدلجةٍ رداح خفيفٍ مثل جسمٍ فيه روح
حكى زغب الخدود وكل خدٍ به زغبٌ فمعشوقٌ مليح
فإن يك صرح بلقيسٍ زجاجًا فمن حدق العيون لها صروح
وصنع ابن رشيق:
يعيبون بلقيسيةً أن رأوا بها كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا
وقد زادها التزغيب ملحًا كمثل ما يزيد خدود المرد تزغيبها ملحا
فعاب المعز على ابن رشيق قوله: يعيبون بلقيسية، وقال: قد أوجدت خصمها حجة أ، بعض الناس قد عاب هذا، وهو نقد ما كنت فطنت له.
وقال ابن عباد:
تظن بنا أم الربيع سآمةً إلا غفر الرحمن ذنبًا تواقعه
أأهجر ظبيًا في فؤادي كناسه وبدر تمامٍ في خفوقٍ مطالعه
اذن هجرت كفي نوالًا تفيضه على معتفيها أو عدوًا تقارعه
وقال:
داوى ثلاثته بلطف ثلاثةٍ فثنى بذاك رقيبه لم يشعر
[ ٤٩ ]
أسراره بتسترٍ وأواره بتصبرٍ وخباله بتوقر
وقال:
يا معرضًا عني ولم أجن ما يوجب إعراضًا ولا هجرا
قد طال ليل الصد فاجعل لنا بالوصل في آخره فجرا
وقال:
أكثرت هجري غير أنك ربما عطفتك أحيانًا علي أمور
فكأنما زمن التهاجر بيننا ليلٌ وساعات الوصال بدور
وقال في غلام اسمه سيف:
سميت سيفًا وفي عينيك سيفان هذا لقتلي مسلولٌ وهذان
أما كفت فتكةٌ بالسيف واحدةٌ حتى أتيح من العينين ثنتان
أسرته وثناني غنج مقلته أسيره فكلانا آسرٌ عاني
يا سيف أمسك بمعروفٍ أخا ثقةٍ لا يبتغي منك تسريحًا بإحسان
وكانت له جارية تسمى جوهرة، وكان يحبها فجرى بينهما عتاب"ورأى" أن كتب إليها يسترضيها، فأجابته برقعة لم تعنونها باسمها، فقال:
لم تصف لي بعد وإلا فلم لم أر في عنوانها جوهره
درت بأني عاشقٌ لاسمها فلم ترد للغيظ أن تذكره
[ ٥٠ ]
قالت إذا أبصره ثابتًا قبله والله لا أبصر
وقال في هذه الجارية:
سرورنا بعدكم ناقص والعيش لا صافٍ ولا خالص
والسعد إن طالعنا نجمه وغبت فهو الآفل الناكص
سموك بالجوهر مظلومةٌ مثلك لا يدركه غائص
وقال فيها أيضًا:
جوهر قد عذبني منك تماري الغضب
فزفرتي في صعدٍ وعبرتي في صبب
يا كوكب الحسن الذي أزرى بزهر الشهب
مسكنك القلب فلا ترضي له بالوصب
وأحسن ما سمعته في سكن المحبوب القلب قول أبي نصر ابن النحاس الحلبي:
ملكت قلبي مسترقًا له وكان حرًا غير مستبعد
سكنت فردًا فيه حتى لقد خفتك تشكو وحشة المفرد
قلو تنازعنا إلى حاكم قضى لك استحقاقه باليد
وقال ابن عباد في جارية اسمها وداد:
اشرب الكأس في وداد ودادك وتأنس بذكرها في انفرادك
[ ٥١ ]
قمرٌ غاب عن جفونك مرآ هـ وسكناه في سواد فؤادك
وأنشد أبو عبد الله محمد بن بركات النحوي لنفسه في أبيات:
يا عنق الأبريق من فضةٍ ويا قوام الغصن الرطب
هبك تجافيت فأقصيتني تقدر أن تخرج من قلبي
وقال ابن عباد:
لحاظك طول الدهر حربٌ لمهجتي ألا رحمةٌ تثنيك يومًا إلى سلمي
وقال:
لج الفؤاد فما عسى أن أصنعا ولقد نصحت فلم أرد أن اسمعا
أسفي أود ولا أود وأغتذي وأروح أحفظ عهد من قد ضيعا
ما كان ظني أن أجود بمهجتي حبا وأقنع بالسلام فأمنعا
يا ها (جرين) قد اشتفيتم فارتقوا وهبوا لعثرة عاشقٍ لكم لعا
ردوا بردكم السلام حشاشةً لم تبق لولا أن فيكم مطمعا
وقال من أبيات:
قلت متى ترحمني قال ولا طول الأبد
قلت فقد أيأستني من الحياة قال: قد
[ ٥٢ ]
ذكرت بهذه القافية ما أنشده أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب:
قالت سليمى ليت لي بعلًا بمن يغسل جلدي وينسيني الحزن
وحاجةٌ ما أن لها عندي ثمن مستورةٌ قضاؤها منه وهن
قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيرًا معدمًا قالت: وإن
ولأبي إسحاق الصابي في قاضي ايذج:
يا رب علجٍ أملج مثل البعير أهوج
ذي فيشةٍ عظيمةٍ إن دخلت لم تخرج
رأيته مطلعًا من خلف باب مرتج
وتحته دنيةٌ تذهب طورًا وتجي
فقلت: قاضي ايذج؟ فقال: قاضي ايذج
ولابن الهبارية في أبي الفتح بن الخشاب:
أبا الفتح أبا الفتح تعلمت من القوم
وأعرضت فعرضت حمى عرضك للوم
من اليوم تغيرت علينا ومن اليوم
وقال ابن عباد:
حكمه في مهجتي حسنه فظل لا يعدل في حكمه
[ ٥٣ ]
أفديه لا ينفك لي ظالمًا يا رب لا يجز على ظلمه
وقال من أبيات:
بكينا دمًا حتى كأن عيوننا لجري الدموع الحمر منها جراحات
ومن هذا الباب قول الآخر:
بكيت دمًا حتى لقد قال قائلٌ أهذا الفتى من جفن عينيه يرعف
ومن أوصافه وملحه:
ورب ساقٍ مهفهفٍ غنج قام ليسقي فجاء بالعجب
أبدى لنا من لطيف حكمته في جامد الماء ذائب الذهب
وقد أكثر الشعراء في وصفها بذوب الجامد، ووصف كأسها بجامد الذائب، فمن قوله:
لاح وفاحت روائح الند مهتصر الخصر أهيف القد
وكم (سقاني والليل معتكرٌ في جامد الماء ذائب الورد)
وقال بعض الشعراء يمدح رجلًا يطعن الناس في نسبه:
سألت عن أصلك فيما جنى أبنا سبعين وقد نيفوا
فكلهم يخبرني أنه مهذبٌ جوهره يعرف
"فأمر به الممدوح". وقال أعرابي يصف ليلة: "خرجنا في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أركاعها، فمحت صور الأبدان، فما كدنا نتعارف إلا
[ ٥٤ ]
بالآذان. فألم ببعض هذا أحمد بن دراج"، فأحسن في قوله:
فأدبر الليل مشمطًا ذوائبه وأقبل الصبح موشيًا أركاعه
فجعل ذوائب الليل شمطة من ممازجة الصبح، وجعل أركاع الصبح موشية الصبح من مقاديمه، وهي المتصلة بآخر الليل، وأصاب في الإشارة إلى التشبيه، لأنه أومأ إلى الصبح، إنه كالثور الوحشي وهو أبيض، والثيران الوحشية كلها بيض، وأركاعها موشية خاصة، وهذا لا يحسنه غير ابن دراج. ومن المعاني التي أخذها بعض الشعراء فمنهم من زاد على صاحبه، ومنهم من قصر عنه. قال الأفوه الأودي وهو أول من نطق بهذا المعنى:
وترى الطير على آثارنا رأي عينٍ ثقةً أن ستمار
فأخذه النابغة الذبياني فقال:
جوانح قد أيقن أن قبيله إذا ما التقى الجمعان أول غالب
إذا ما غزا بالجيش حلق فوقهم عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب
لهن عليهم عادةٌ قد عرفنها إذا عرض الخطي فوق الكتائب
[ ٥٥ ]
فأخذه أبو نواس الحكمي فقال:
تتأبى الطير غدوته ثقةً بالشبع من جزره
فأخذه مسلم بن الوليد فقال:
قد عود الطير عاداتٍ وثقن بها فهن يتبعنه في كل مرتحل
فأخذه أبو تمام حبيب فقال:
وقد ظللت عقبان أعلامه ضحىً بعقبان طيرٍ في الدماء نواهل
أقامت مع الرايات حتى كأنها من الجيش إلا أنها لم تقاتل
فكلهم قصر عن النابغة لأنه زاد في المعنى وأحسن التركيب ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح، وكلامهم كلهم مشترك يحتمل ضد ما نواه الشاعر، وإن كان أبو تمام قد زاد في المعنى على أن الطير إذا شبعت ما تسأل أي القبيلين الغالب، وقد أحسن أبو الطيب المتنبي في قوله:
له عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى بها عسكرًا لم يبق إلا جماجمه
ويتوجه عليه أن هذا الطير لأي معنى عافت الجماجم دون عظام السوق والأذرع والعصائص والفقرات، وقال أبو عامر:
وتدري سباع الطير أن كماته إذا لقيت صيد الكماة سباع
[ ٥٦ ]
قال أبو تمام:
تطير جياعًا فوقه فيردها ظباه إلى الأوكار وهي شباع
وقد أخذ هذا المعنى مروان بن أبي الجنوب، فقال يمدح المعتصم:
لا يشبع الطير إلا في وقائعه فأينما سار سارت خلفه زمرا
عوارفًا أنه في كل معتركٍ لا يعمل السيف حتى يكثر الجزرا
فأخذه بكر بن النطاح، فقال:
وترى السباع من الجوار ح حول عسكرنا جوانح
ثقةً بأنا لا نزا ل نمير ساغبها الذبائح
فأخذه ابن جهور، فقال:
ترى جوارح طير الجو فوقهم بين الأسنة والرايات تختنق
فأخذه آخر فقال:
ولست ترى الطير الحوائم وقعًا من الأرض إلا حيث كانت وقائعه
[ ٥٧ ]
ومنه قول الكميت بن معروف:
وقد سترت أسنته المواضي حدي الجو والخم السغاب
ومنه قول ابن قيس الرقيات:
والطير إن سارت فوق موكبه عوارفًا أنه يسطو فيقريها
فأخذه عباس بن الخياط، فقال:
يا مطعم الطير لحوم العدى فكلها تثني على بأسه
ومنه قول حميد بن ثور الهلالي في وصف ذئب:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
إذا ما غدا يومًا رأيت غيايةً من الطير ينظرن الذي هو صانع
وقال أبو نصر عبد العزيز بن تباتة:
[ ٥٨ ]
إذا حومت فوق الرماح نسوره أطار إليها الضرب ما تتقرب
وقال:
إذا رفعت فوق الجموع عقابه تباشر عقبانٌ بها ونسور
حواجل أو ربدج الظهور قشاعمٌ قوانصها للدارعين قبور
وقال:
إذا يئست عقبانها من حصيلةٍ رفعت إليها الدارعين على القنا
وقال ابن اللبانة:
تهوى قناك الطير فهي وراءها تهوي لتبصر حين يطعن تطعم
وأبدع من هذا قول المتنبي:
يطمع الطير فيهم طول أكلهم حتى تكاد على أحيائهم تقع
قال ابن شهيد من اعتمد معنى قد سبقه إليه غيره، فأحسن تركيبه، وأرق حاشيته، فليضرب عنه جملة، فأن لم يكن بد، ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن، ألا ترى امرأ القيس لما قال:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالا على حال
وأخذ ابن ربيعة هذا المعنى فأساء وما أحسن:
[ ٥٩ ]
ونفضت عني النوم، أقبلت مشية ال حباب وركني خشية القوم أزور
ولو جاء في هذا العروض لملح، ألا ترى إلى قول الآخر:
لما تسامى النجم في أفقه ولاحت الجوزاء والمرزم
أقبلت والوطء خفي كما ينساب من مكمنه الأرقم