ولما تملأ من سكره فنام وملت عيون العسس
دنوت إليه على بعده دنو رقيقٍ درى ما التمس
أدب إليه دبيب الكرى وأسمو إليه سمو النفس
وبت به ليلتي ناعمًا إلى أن تبسم ثغر الغلس
أقبل منه بياض الطلى وأرشف منه سواد اللعسر
وقال:
ومن تحت حضني أبيض ذو شقائقٍ وفي الكف من عسالة الخط أسمر
هما صاحباي من لدن كنت يافعا مقيلان من جد الفتى حين يعير
فذا جدولٌ في الغمد تسقي به المنى وذا غصنٌ في الكف يجنى ويثمر
وقال أبو الطيب:
[ ٦٠ ]
وأترك الغيث في غمدي وأنتجع
وقال:
ترك الحوادث معلمًا عن ثأره فجرت دماء الخطب في مأثوره
ورأى الزمان يحيد عن تأميره فسقي سهام المجد من تامور
وله أول خطبة نكاحية: "الحمد لله الذي أمن من الحيرة، وجعل الحلال جادعًا أنف الغيرة". وقال أبو الفضل بن العميد من كتاب إلى من زوج أمه: "الحمد لله الذي كشف عنا ستر الحيرة، وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة ومنع من عضل الأمهات كما منع من وأد البنات".
وفي كل شيء استحسنوا اللطف وحنوا إلى الصغر، إلا في السرة والضرة، الخطوط خلفاء الألسنة، وخطباء العقول، والمداد ماء القريحة، والطرس ستر الصناعة وعرض العمل.
وقال في حمام من أبيات:
انعم أبا عامر بلذته واعجب لأمرين فيه قد جمعا
نيرانه من زنادكم قدحت وماؤه من بنانكم نبعا
وقال يهنئ بعيد وافق فصح النصارى:
[ ٦١ ]
جمعت بطاعة حبك الأضداد فتآلف الأفصاح والأعياد
وحلا زمانك وجهه متطلعًا فكأنه بعد الممات معاد
قد يرى الشعر فضي البشرة وهو رصاصي المكسر. وقال:
إن الكريم إذا نالته مخمصةٌ أبدى إلى الناس شبعًا وهو غرثان
يحني الضلوع على مثل اللظى حرقًا فالوجه غمرٌ بماء البشر ملآن
وقال:
أحن للبرق من تلقاء أرضهم ولي فؤادٌ إلى الآلاف حنان
محله النضر فيهم أينما قطنوا ومنزل الروح فيهم حيثما كانوا
وقال في وصف الفرس:
وكأنني لما انحططت به أرمى الفلاة بكوكب طلق
وكأنني لما طلبت به وحش الفلاة على مطًا برق
وقال من أبيات:
وإني إلى ما هاج صدري وغاظني ليأمنني من كان عندي له سر
[ ٦٢ ]
وأنشد لأبي عبد الله محمد بن قاضي ميلة، شاعر بني أبي الحسين، من أبيات يصف فيها مركبا للروم أوقع به المسلمون، وذكر العلج:
إذا طفا أبصر الصمصام يرقبه أو غاص في الماء من خوف الردى شرقا
وأي عيشٍ لوقوفٍ على تلفٍ براقب الميتتين: السيف والغرق
وأنشد لأحمد بن محمد بن عبد ربه:
وكأنما غاض الأسى بجفونها حتى أتاك بلؤلؤٍ منثور
وقال ابن شهيد:
وقالوا أصاب الموت نفسًا كريمةً فقلت لنفسي هذه نفس صالح
وهو من قول دريد بن الصمة:
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسًا فقلت أعبد الله ذلكم الردي
[ ٦٣ ]
وقال أبو الحسن مهيار يرثي الشريف الرضي:
بكر النعي فقال: أردي خيرها إن كان يصدق فالرضي هو الردي
"ومن الناس من هو أخف من شرره، وأشبه اختلاطًا من غيره، لقد صحبت قومًا أخذوا من الثريا اجتماعها، ومن الجوزاء شعاعها وارتفاعها". وقال من قصيدة:
لرممت فينا بالسماك ضحى وأبحت لبدك صهوة الردف
ومن كلامه: "إذا شكا الصديق إلى صديقه خطب هوى دهمه، وأمر محبة فاجأه، فلا بد للمساعدة، والترك للائمة في صدر الكلف، وحميا الشغف".
وقال في قصيدة في المعتلي بالله:
فريق العدا من حد عزمك يفرق وبالدهر مما خاف بطشك أولق
تيممته والنصر حولك جحفلٌ ونازعته والسعد دونك خندق
فيا أيها الباغي (المغذ أمامه) هو الموت فاعلم أنه سوف يلحق
[ ٦٤ ]
عجبت لمن يعتد دونك جنةً وسهمك حتفٌ والقضاء يفرق