فأن أقفرت منه العيون فإنه تعوض منها بالقلوب بديلا
ولم أر أنسًا قبله عاد وحشة وبردًا على الأكباد عاد غليلا
ومن تك أيام السرور قصيرة به كان ليل الحزن فيه طويلا
وكتب إلى ابن دراج النحوي جوابًا عن كتاب كتبه إليه، وجعل في ظهر الكتاب:
ومعرض لي بالهجاء وهجره جاوبته عن شعره في ظهره
فلئن نكن بالأمس قد لطنا به فاليوم أشعاري تلوط بشعره
وقال في أسود وجهه في حاجة فأبطأ:
قبحت من أسود غبي لا يفهم الوحي حين نوحي
أبطأ في سعيه فحاكى في حالتيه غراب نوح
وقال في تفضيل أخ على أخ:
[ ٦٥ ]
تفوت نجلا أبي جعفر فمن متعالٍ ومن مستفل
فهذا يمينٌ بها أكله وهذا شمالٌ بها يغتسل
ومثله:
قل لأبي القاسم المرجي قابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابنٌ وكان زينًا وعاش ذو الشين والمعائب
حياة هذا كموت هذا فلست تخلو من المصائب
وقال راشد بن عريف:
جمع في مجلسي ندامى تحسدني فيهم النجوم
فقال لي منهم ظريف مالي إذا قمت لا تقوم
فقلت إن قمت كل حينٍ فإن حظي بكم عظيم
فليس عندي إذن ندامى بل عندي المقعد المقيم
وقال:
يا حاسد الأقوام فضل يسارهم لا ترض رأيًا لم يزل ممقوتا
في المصر ألفٌ فوق رزقك رزقهم وبه ألوفٌ ليس تملك قوتا
لو قسمت أرزاقهم بسويةٍ لم تعط إلا دون ما أعطيتا
أحمد بن علي الفرسقي قال يهنئ ابن صمادح بقدومه من بعض سفاره:
[ ٦٦ ]
إيابك رد الشباب القشيبا وأحن مسوده أن يشيبا
تبين وتدنو كما تفعل الشم س حينًا طلوعًا وحينًا غروبا
قال أبو الحسن الشاغتني الراعي:
إلام أمني النفس ما اليأس دونه كمنخدعٍ يأوي إلى شر خادع
قضى زمني أني له سن نادم لتقرعني منه صنوف القوارع
فإن يك ذا غيظٍ فإني بنانه يسيل دمًا من عضه المتتابع
وقال محمد بن شرف:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم فكأنني سبابة المتندم
رجع إلى الأبيات السابقة".
وإن كان حظي من زماني ما أرى فيا شؤم ميلادي ويا شؤم طالعي
ووا أسفي من شوط عمر قطعته وسرت عليه مزعجًا غير وادع
ألا رب ليلٍ بت ألبس جنحه على ظهر عزمٍ للمفاوز قاطع
ولم أك مثل الطيف إن رام وجهةً مضى آخذًا إذن العيون الهواجع
وهيهات إدراك المنى ووسائلي من الأدب المجفو فيها موانعي
قال ابن المعلى البرياني من قصيدة:
[ ٦٧ ]
أمعتنق الصعيد وكان يغدو عليه وهو معتقل الصعاد
أرى لبس الحداد عليك مما يشق على المهندة الحداد
وقال أبو محمد عبد الله بن هند:
لما رأيت سهام لحظك أقصدت قلبي وسخطك سد باب رضاك
لم أدر أي معذبيك يميتني أسقيم جفنك أم صحيح جفاك
قال أبو الحسن علي بن عبد الغني الحصري:
[ ٦٨ ]
كم من أخٍ قد كان عندي شهده حتى بلوت المر من أخلاقه
كالملح يحسب سكرًا في لونه ومجسه ويحول عند ذواقه
وقال في غلام اسمه هارون:
يا غزالًا فتن الناس فتونا
أنت هاروت ولكن صحفوا تاءك نونا
وقال يرثي المعتضد عباد أبا المعتمد محمدًا:
مات عبادٌ ولكن بقي الفرع الكريم
فكأن الميت حيٌ غير أن الضاد ميم
وقال:
وشاعر من شعراء الزمان يفخر عندي بالمعاني الحسان
وإنما أطيب أشعاره يضف خراسان أو القيروان
وقال أبو الحسن عبد الكريم بن فضال الحلواني:
[ ٦٩ ]
ولما تدانو لرحيل وقربت عتاق المطايا والركاب تسير
وضعت على قلبي يدي مبادرًا فقالوا محبٌ للعناق يشير
فقلت: ومن لي بالعناق وإنما تداركت قلبي حين كاد يطير
وقال:
قالوا غدا رمضان فاستعد تقىً وبت على الصوم والهجران للكاس
إن الهلال يرى حتمًا فقلت لهم حتمتم بشتاتٍ بين جلاس
فقال لي الغيم لا تحفل بقولهم علي سترته فاشرب بلا باس
فقمت أعثر في ذيل المجون إلى جمع المسرة بين الكاس والطاس
وقال:
ويختال بك الطرف كما يختال نشوان
تراه وهو لا يدري درى أنك سلطان
وقال:
إذا كنت تهوى حده وهو روضةٌ به الورد غضٌ والأقاحي مفلج
فزد كلفًا فيه وفرط صبابةٍ فقد زيد فيه من عذارٍ بنفسج
وقال أبو علي كاتب مؤنس:
تقوس بعد طول العمر ظهري وداستني الليالي أي دوس
[ ٧٠ ]
فأمشي والعصا تمشي أمامي كأن قوامها وترٌ لقوسي
تم كتاب المختار من شعر شعراء أهل الأندلس.
تأليف الإمام الأديب أبي القاسم علي بن منجب الكاتب. على يد مالكه العبد الفقير الأزهري عبد الله بن عبد الرحمن الدنوشري، غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه، آمين.
[ ٧١ ]