وقد قال بعض الفلاسفة المتقدمين: إن من عرضت له آفة في حاسة الشمّ كره رائحة الطيب ومن غلظ حسّه كره سماع الغناء فتركه متشاغلًا لأن من عادة من لا يعرف العلم معاداة أهله ومعاداته وكذلك من نظر إلى الربيع وأصباغ أنواره فلم يبتهج لذلك كان عديم حس أو سقيم نفس.
وكانت الفرس تقول: من لم يكره السماع الحسن والصوت المطرب إلا مصر على المأثم حسود للناس فإذا اتفق غناء حسن ووجه حسن كان ذلك زائدًا في طربك. ألا ترى أن الغناء من فم جارية حسناء كأنها خرطت من درة بيضاء أو ياقوتة حمراء تغنيك من فم منّاك تقبيله بشعر عكاشة بن عبد الصمد المغني لعبيد الصواب:
سقيا لمجلسنا الذي كنّا به يوم الخميس عشيّة أجابا
في مجلس مطرت سماوة سقفه ثمر النعيم تخاله زريابا
من كفّ جارية كأنَّ بنانه من فضّة قد طرفت عنابا
وكأن يمناها إذا نطقت به ألقت على يدها اليسار حسابا
أحبّ إليك من غناء من فم شيخ مثل دارا الفارسي ملتف اللحية كثّ العارضين مفلج الأسنان مصفر الوجه بشعر ورقاء بن زهير الكردم:
رأيت زهيرًا تحت كلكل خالدٍٍ فاقبلت أسعى كالعجول أبادر
خفيف ثقيل الأول
[ ١١ ]
وقال غوارة الخياط في أبي السمي المغني من أهل هذه الطبقة:
كأن أبا السمي إذا تغنّى يحاكي عاطسًا في عين شمس
يلوك بلحنه طورًا وطورًا كان بلحنه ضربان ضرس
وقال اسحق بن إبراهيم الموصلي في ملاحظ جارية محسنة:
سأشرب ما دامت تغني ملاحظ وإن كان لي في الشيب عن ذاك واعظ
وفي بعض هذا القول مني مساءة وغيظ شديد للمغنين غائظ
ملاحظ غنينا بعيشك وليكن عليك لما استحسنته منك حافظ
فأقسم ما غنّى غناءك حافظ مجيد ولم يلفظ كلفظك لا فظ