اختلف الباحثون في الرأي العام، فمنهم من رأى أنه ثلاثة أنواع على النحو الأتي:
١- الرأي العام المسيطر.
٢- الرأي العام المستنير أو القاريء.
٣- الرأي العام المنقاد.
والأول: رأي القادة، والزعماء، والحكومات في أغلب الأحيان.
والثاني: رأي الطبقة المثقفة في الأمة، وهي الطبقة القادرة على الدرس والمناقشة.
والثالث: رأي السواد الأعظم من الشعب، ممن يستطيعون متابعة البحث أو الدرس.
[ ٥٤ ]
ومن الباحثين من رأى أنه -أي: الرأي العام- ثلاثة أنوع، ولكن على النحو الآتي:
١- الرأي العام الكليّ.
٢- الرأي العام المؤقت.
٣- الرأي العام اليوميّ.
فالأول: يتصل اتصالًا قويًّا بالدين، والأخلاق العامة، والعادات، والتقاليد الموروثة، وغيرها من الأشياء الثابتة في الأمة، ولذا يمتاز هذا النوع بالثبات، ويشترك فيه السواد الأعظم من الناس.
والثاني: هو ما تمثله الأحزاب السياسية، والهيئات العامة والخاصة، وذلك عندما تسعى لتحقيق هدفٍ معينٍ في وقت معين.
والثالث: هو النوع المتقلب كتقلب الجو في شهر أمشير -كما يقول المصريون- وعليه تعيش الصحف اليومية، والإذاعة، ونحو ذلك.
ومن الباحثين من يرى في الرأي العام كذلك أنه أربعة أنواع:
١- رأي الأغلبية أو الأقلية.
٢- رأي الأقلية مجتمعة.
٣- الرأي الساحق.
٤- الرأي الجامع.
فالأول: هو رأي الجماعة حين تنقسم إلى هذين القسمين: أغلبية، وأقلية، وقد تتحول الأولى إلى الثانية، وقد يحدث العكس، ومن أجل هذا، كان لرأي الأقلية وزنٌ كبيرٌ في الأمة، وذلك أن أصحاب الأقلية إنما يعتمدون على بذل الجهود الكثيرة في سبيل الوصول إلى الأغلبية، وبهذه الجهود تنتفع الأمة.
والثاني: هو رأي الأقليات الكثيرة حين تتفق أحيانًا على رأي معين في ظرف معين، ولهدف معين، ولكن قد يفضي هذا النوع من الرأي بالأمة إلى التحول السريع، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن أجله قد تسقط وزارة، وتعقبها أخرى، ويستمر الحال على ذلك حتى تتمكن إحدى الأقليات من أن تصبح أغلبية.
[ ٥٥ ]
وأما الثالث: فكثيرًا ما يكون نتيجةً لاندفاع الشعب، أو نتيجةً لتكاسله في بحث المشكلات العامة، والشعب إذا وصل إلى الرأي الساحق عن طريق البحث أو الدرس، فإنه يكون في مثل هذه الحالة بلغ الذروة، ولكنه في الواقع قَلَّمَا يصل إلى ذلك.
والرابع: هو الأي تجمع عليه الأمة، ولا يكون ذلك في الأعم الأغلب إلّا في الأمور التي ترتكز على ماضي هذه الأمة، وما ورثته من عادات، ونزعات، ومعتقدات، وهذا الرأي العام هو ما سميناه من قبل: بالاتجاه العام، أو النزعة العامة، وهو شيء لا يناقش في العادة، وإذا تعرض أحد لمناقشته عَرَّضَ نفسه للخطر المحقق.
ومع هذا وذاك، ففي استطاعة عددٍ قليلٍ من القادة في كل أمة أن يقنعوا أمتهم بفساد جزء من أجزاء هذا الرأي الجامع، بشرط ألّا يمسَّ هذا الجزء أصلًا من أصول الدين أو العقيدة، فمن الممكن مثلًا أن ينادي مصلح من المصلحين في أمريكا بفساد الفكرة القائمة بالتمييز بين السود والبيض، وإن كان ذلك يحتاج من مثله إلى صبر طويل، وكفاح مرير، وعمل متواصل، فعلى الصحفيِّ دائمًا أن يعرف كيف يفرق بين هذه الأنواع للرأي العام، وعليه أن يفرق بين ما سميناه: بالرأي العام، والسخط العام، والاتجاه العام، فهذه التفرقة يأمن الزلل في تفسير الحوادث التي تجري في المجتمع.
[ ٥٦ ]
"٥".