أيهما أشد تأثيرًا في سلوك الأفراد والجماعات: الرأي العام أم القانون؟ وأيهما أرعى للصالح العام، وللمثل الأخلاقية، وللتقاليد والعادات: الرأي العام أم القانون؟
وهل يستطيع الرأي العام أن يسن قانونًا أو يلغي قانونًا؟
الإجابة على هذه الأسئلة توضح لنا قيمة الرأي العام من جهة، كما توضح لنا الصلة بين الرأي العام والقانون من جهةٍ ثانية، وتزيدنا معرفةً بالدور الخطير الذي يؤديه الرأي العام في حياة الناس آخر الأمر.
والمتأمل في حياة الأفراد والجماعات يراها تسير في أكثر الأحيان بقوة التقاليد والعرف والعادات، وكل واحد من هذه الأشياء إنما هي ثمرة الرأي العام، أو الأفكار المتفق عليها بين الناس، في كل شأنٍ من شئونهم الخاصة والعامة.
ومعنى ذلك بجلاء: أن الإجماع بين الناس على نوعٍ من أنواع السلوك يعتبر قانونًا عرفيًّا من القوانين التي تسيطر على الحياة العامة من جميع جوانبها، وتخلق ما يسمى بين العلماء باسم "المناخ الاجتماعيّ".
ومن ثَمَّ كان "الإجماع" أصلًا من أصول الشريعة الإسلامية، لا يقل في خطورته أو فائدته عن الأصول الثلاثة الأخرى، التي هي: القرآن، والسنة، واجتهاد الأئمة.
[ ٦١ ]
وكالشريعة الإسلامية في ذلك جميع الشرائع الأخرى، أي: أنه ليس في استطاعة القوانين الوضعية أن تهمل هذا الأساس القويّ من الأسس التي تبنى عليها، وهو "الرأي العام" وخاصةً إذا بلغ هذا الرأي مرتبة "الإجماع".
وفي هذا وذاك ما يدل دلالةً صريحةً على أن الرأي العام هو الذي يصنع القانون، أو بعبارة أدق، هو الأصل الأول من الأصول التي يعتمد عليها واضعو القانون، وكثيرًا ما نرى بعض المجتمعات البدائية محكومة بالتقاليد السائدة بين أفرادها، وبالعرف والعادات التي هي بمثابة القوانين غير المكتوبة.
وصف المستر "بلانت" نظام الحكم البدويّ في نجد، عام ١٨٧٩ فقال:
" وفي نَجْد، تعيش هيئةٌ اجتماعيةٌ طِبْقًا للنظام الذي يحكم به دعاة المثل الأعلى في بلادنا، فلا ضرائب ولا بوليس، ولا تجنيد، ولا إكراه في أي شيء، ولا قانون لهذه الهيئة في حقيقة الحال إلّا الرأي العام، ولا نظام إلّا ما تمليه مبادئ النبل والشرف "١.
ومعنى ذلك: أنه لا ضرر من أن تحكم الأمم بالرأي العام الذي يسوده، وأن في الإمكان أن يحل هذا الرأي محل القانون، ويقوم بكل وظائفه، ويأتي بثمرته.
وأكثر من هذا وذاك، أنك ترى في بعض الأحيان أن الرأي العام في الأمة المتحضرة يستطيع أحيانًا أن يلغي قانونًا مكتوبًا بنفس القوة التي استطاع بها أن يسن هذا القانون المكتوب.
وكثيرًا ما يكون ذلك في الأوقات التي يبدو فيها القانون المكتوب كأنه يتعارض ومصلحة من مصالح الجمهور، وفي هذا الحالة يضطر الفقهاء وواضعو القانون أن يخضعوا خضوعًا تامًّا لهذه المصلحة، وفي مثل هذه الحالة كذلك تظهر قيمة "الاجتهاد" كأصلٍ من الأصول التي يُبْنَى عليها التشريع.
_________________
(١) ١ التاريخ السري لاحتلال الإنجليز لمصر، الترجمة العربية ص٤٦.
[ ٦٢ ]
وعندي أن الأساس الذي بنيت عليه فكرة الاجتهاد في التشريع، هو ما ذهب إليه عامة المفكرين من أن رجال القانون في أيِّ جيلٍ من الأجيال، إنما يمثلون في الواقع جيلًا متخلفًا عن الرأي العام السائد في هذا الجيل، أو بعبارةٍ أخرى: يمثلون الجيل السابق أكثر مما يمثلون الجيل الحاضر أو اللاحق، فإذا صحَّ ذلك، فإنه يفضي بنا إلى القول في صراحة: بأن كل جيلٍ من الأجيال في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى طائفة من أهل الاجتهاد يشرعون له من النظم والقوانين ما يتفق والحالة التي انتقل إليها، أو ما يتفق والتطور الذي خضع له، فإذا حرم جيلٌ من الأجيال من هذا الاجتهاد، أصبح القانون الذي يخضع له جامدًا لا حياة فيه، وعجز هذا القانون عن أن يحل مشكلة، أو يحمي مصلحة، أو يساعد على أيِّ نوعٍ من أنوع التطور أو الرقيِّ.
والذي لا شك فيه أن الرأي العام هو وحده القادر دائمًا على أن يكشف عما بالقانون القديم من نقص، ويعبِّر عما يحتاج إليه الجيل الجديد من إضافةٍ أو تعديلٍ أو حذفٍ.
ومهما يكن من شيء، فنحن إذ نتعمق البحث في طبيعة الرأي العام من جانبٍ، وطبيعة القانون من جانب آخر، نجد أن بينهما فروقًا من نواحٍ شتَّى منها:
أولًا: الرأي العام -كما قلنا- يعتبر أصلًا من الأصول التي يُبْنَى عليها القانون، والعكس قلما يصح.
ثانيًا: أن القانون بحاجةٍ على الدوام إلى تأييدٍ من الرأي العام، ولذا فإنه كثيرًا ما تتعرض القوانين التي لا تظفر بهذا التأييد إلى خطر الإلغاء، في اللحظة التي يظهر فيها أن هذا القانون ضارٌّ بمصلحة من مصالح الجمهور، ومثال ذلك:
"أن من القوانين الأمريكية ما لم يرض عنه الرأي العام الأمريكيّ، مثل قانون حظر صناعة الخمور وتناولها، سنة ١٩٢٠، وقد قامت ضده الدعايات
[ ٦٣ ]
في كل مكانٍ، على زعم أنه يناهض الحرية الشخصية وينتقص منها، فظهر رأي عامٌّ يطالب بإلغائه، حتى تَمَّ إلغاؤه"١.
ثالثًا: الرأي العام أكثر ملاءمةً لنفسية الشعوب والأفراد من القانون، بل هو أكثر منه مرونةً، وأقدر على التعبير عن حاجات الناس، وهي الحاجات التي يُسَنُّ من أجلها القانون في معظم الحالات.
رابعًا: الرأي العام تثيره العواطف، بينما القانون لا يابه لهذه العواطف، بل كثيرًا مانسمع المحامين في بعض القضايا يصيحون في وجه القاضي: الرحمة فوق العدل، ولكن تذهب صرخاتهم هباء، ولا يسمع لها القضاة في أكثر الأحيان.
خامسًا: الرأي العام من وضع الجمهور على مر السنين، في حين أن القانون من وضع طائفةٍ قليلةٍ من هذا الجمهور في فترة معينة، وهم المشرعون.
والرأي العام بما له من هذه المزايا الخمس على الأقل، يعتبر قوةً هائلةً تستطيع المحافظة على كيان المجتمع، وتستطيع النهوض بصيانة المثل الأخلاقية التي لهذا المجتمع، وهذه القوة الهائلة تستطيع القيام بكل هذه الأمور الهامة بدون عصا الحاكم، أو تهديد المستبد، أو بطش الدكتاتور.
والمهم أنه في ظل الديموقراطية الصحيحة يزدهر الرأي العام وينمو، كما نما بقوة في مثل البيئة اليونانية القديمة، أو البيئة الإسلامية المجيدة، على أيدي الخلفاء الراشدين، ومن جرى على نهجهم من حكام المسلمين.
_________________
(١) ١ الرأي العام: بحث الدكتور حسين عبد القادر، نشر بمجلة كلية الآداب في مايو سنة ١٩٥٥.
[ ٦٤ ]
"٧"