الناظر في جملة الألفاظ المودعة في القواميس والدائرة على الألسن، يجدها من فصيلتين: فصيلة وصيفية، وأخرى رمزية. والنوع الوصفي من الألفاظ هو أيضًا من ضربين: ضرب محتفظ بوصفيته، وآخر كالفاقد لها، أو فقد لها بالكلية، وهذا يمكن إدخاله ضمن الفصيلة الرمزية. أما النوع المحتفظ بوصفيته، فهو نحو: زحير، وزفرة، وصهصلق، وأملس، وزمهرير. ونعني بالوصفية هنا: أن الواضع راعي في
[ ٢ / ٢٣ ]
مدلولات هذه الكلمات، صفاتها الواضحة، المدركة بالحواس، وحاول تقليدها بحروف فيها مشابه من هذه الصفات: واضع زحير، وزفير، وصهصلق، ونهيق، وصلصلة، وخرير، ونظائرها، مثلا، راعي ناحية الصوت في المدلولات، فقلدها بحركات وسكنات تشابهها. وواضع خشن وأملس، التمس محاكاة الملاسة والخشونة بالأحرف المكونة لهاتين الكلمتين. ولا شك أنه اهتدى إلى هذه الأحرف بعد موازنة أثرها في حلقة ومجاري صوته، بالأثر الذي أحسه إصبعه أو جلده من مقاربة الأشياء الملس، والأشياء الخشنة. وواضع زمهرير لابد أن يكون أراد محاكاة الرعدة التي تحدث من البرد، بأحرف ترتعد لها أسلة لسانه، أو تجاويف حلقة. وأمثال هذه الكلمات التي ذكرناها، موجودة في سائر اللغات، نحو كلمة Hiss ولفظة Bang وFlash الإنجليزيات. والحديث العهد بالعربية، كالحديث العهد بالإنجليزية، يحس في كل هذه الكلمات التي قدمناها تعبيرًا قويًا، ويقبلها بمجرد تلقيه لها. ولو أمكن أن توصف لفظة بالحسن لذاتها، لكان هذا النوع من الألفاظ أولى شيء بهذا الوصف، لأنها ليست مجرد رموز، وإنما كل واحدة منها قطعة فنية في ذاتها. والذين يقولون بأسبقية الشعر على النثر، يرون فيها حجة قوية لهم. إذ أن واضعها لابد أن يكون قد أحس بشعور قوي إزاء المدلولات التي صاغها من أجلها، ولابد أن سامعيه قد أدركوا مراده بمجرد نطقه بها - فإن لم يكن هذا شعرًا، فماذا يكون؟ والراجح عندي أن هذا النوع من الكلمات كان أسبق إلى الوجود من غيره. لا أعني في صيغته هذه النهائية التي نلقاه في قواميسنا، ولكن في صيغته الأصلية الأولى قبل أن تتلاعب به يد الزمن.
غير أن أمرًا واحدًا يمنعنا هذا النوع من الألفاظ بالحسن المتأصل. وهو أنه عرضة للاستعمال السيء، كما أنه عرضة للابتذال وعوامل التطور التي يخضع لها كل شيء.
[ ٢ / ٢٤ ]
والصنف الثاني من ألفاظ الفصيلة، وهو الفاقد -أو الشبيه بالفاقد- لوصفيته نعني به نحو القريحة والذكاء والطبع [بالتحريك، بمعنى الطمع]، فهذه كلمات بنيت على المجاز والتشبيه. فالذي وضع القريحة، مريدا بها الفطنة، شبه مدلوله بقريحة البئر أو بالماء القراح، ثم استعار المشبه به للمشبه، والذي وضع الذكاء لنفس المعنى، شبه مدلوله بالنار المشتعلة. [إذ أصل الذكاء هو الاشتعال] ثم استعار المشبه به للمشبه]. وواضع الطبع، شبه الطمع الشديد بالصدأ يركب القلب، وأصل الطبع: الصدأ. وواضع كلمة "خفق" للفضاء العريض، أجراها على المجاز المرسل بعلاقة الحالية، لأن الخفق: هو اضطراب الريح. وهلم جرا. وأكثر الكلمات من هذا النوع تنسى أصولها، وتصير رمزية محضة. ولكن بعضها يبقى فيه نفس من أصله الأول. والفحول من الشعراء هم أحرص الناس على تذكر الأصول في هذا الباب، لأن ذلك يعينهم على الدقة في التعبير، التي هي مراد الشاعر. وقل أن نجد منشئًا فحلًا يصف القريحة بأنها وقادة، أو الذكاء بأنه منساب فياض متدفق، وإن كان مثل هذا يجوز بعد اكتشاف النفط، فهو سائل ومشتعل.
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
وأما القسم الرمزي من الألفاظ، فهو نحو: "أسد، وبيت، وسمكة، وسافر، ومسافر، وثمر، وزهر، وأزهر، وفرحان، ومجتهد"، وأكثر هذه الجوامد والمشتقات التي تدور في اللغة. وغير خاف أن الدلالة فيها جميعها ترجع إلى التواضع والإصلاح. ولو كانت وضعت "حمارًا" أو "سبح" لمدلول "ذهب" لجري العرف على ذلك. والراجح أن أكثر هذه الكلمات لها أصول وصفية، ولكن الزمن قد جر عليها ذيل العفاء. فهي الآن رموز لا أكثر ولا أقل. وهذه لا يعقل أن توصف ذواتها بحسن أو قبح.
[ ٢ / ٢٥ ]