كان الشعراء الأوائل يتحاشون الإقواء بالفتح بالكلية مع أحرف الروي المكسورة أو المضمومة، كما كانوا يتحاشون الإقواء بالكسر أو الضم مع حرف الروي المفتوح، فلا تجدهم يجيئون بقواف نحو: آبا، آبو، أو كتبًا، كتبي، كتبوا في قصيدة واحدة. إلا أنهم كثيرًا ما كانوا يأتون بالقوافي المكسورة مع المضمومة والعكس بالعكس، وهذا ما وقع للنابغة في داليته:
_________________
(١) شرح التنوير على السقط (مصطفى محمد) ٢ - ٧٩ - ٨٠، والبيتان من قصيدة رثى بها المعري أبا الشريف الرضي، وذكر الغراب لأنه ينبئ أبناء الشؤم.
(٢) نفسه ١ - ١٧٩.
[ ١ / ٤٣ ]
من آل مية رائج أو مغتدي عجلان ذا زادٍ وغير مزود
زعم البوارح أن رحلتنا غدًا وبذاك نبأنا الغداف الأسود (١)
والبوارح: هي ما يتشاءم به من طير.
ويظهر أن الأذواق الجاهلية كانت تقبل هذا، ولعل السبب في قبولها له أنهم كانوا يقفون كثيرًا بالسكون في القوافي المطلقة فيقولون: مزود، والأسود (٢) ولكن أذواق المحدثين وأكثر شعراء الإسلام نبت عن الإقواء فتجنبوه في منظوماتهم.
وقد كان هذا من المتأخرين تحسين وتجويدًا في الصناعة. ألا تجد الإقواء حين يقع في القطع والقصائد الجاهلية كثيرًا ما يفسد موسيقاها وينقص من قدرها؟ ألا تجدك تود أن لم يقل الحرث في معلقته:
ملك المنذر بن ماء السماء
_________________
(١) مختارات الشعر الجاهلي مصر ١٩٥٢ - ٢٢٧.
(٢) انظر الكتاب طبعة بولاق- باب وجوه القوافي في الإنشاد. ٢ - ٢٩٨، قال: من (ص ٣٠١): سمعت ممن يروي هذا الشعر من العرب ينشده: لا يبعد الله أصحابًا تركتهم لم أدر بعد غداة البين ما صنع يريد صنعوا، وقال: لو ساوفتنا بسوف من تحيتها سوف العيوف لراح الركب قد قنع يريد قنعوا وقال: طافت بأعلاقه خود يمانية تدعو العرانين من بكرٍ وما جمع يريد جمعوا. وأخطأ الأعلم في تفسير ساوفتنا، وإنما عنى الشاعر التقبيل. وانظر المادة في الأساس. ولعله أصاب وأخطأ، لأن في التحية ما يكون بالأنف والله أعلم.
[ ١ / ٤٤ ]
وأن عبدة بن الطيب لم يقو في قوله:
ينحزن من بين محجون ومركول (١)
والقصيدة من روي "بانت سعاد".
وقد أحس علماء الشعر بجمال قوافي المولدين والمجودين من الإسلاميين مثل القطامي وذي الرمة، فأرادوا أن يبالغوا في هذا التحسين بزيادة القيود وحث الشعراء على أن يلتزموا الإعراب حتى في القوافي المقيدة (الساكنة). ومثل هذا الالتزام عسير جدًا. وقد كان الشعراء أحكم وأعقل من أن يأبهوا له أو يعيروه نظرة، ولو قد فعلوا لكان النظم في القوافي المقيدة من أشق الأشياء، ولصعب على أبي الطيب مثلًا أن ينظم قصيدته:
أزائر يا خيال أم عائد أم عند مولاك أنني راقد (٢)
وهي كلمة لو أطلقت قوافيها لاختلفت حركات الإعراب فيها أشد اختلاف، لأن فيها نحو: "وانثني راشد" و"ألصق ثديي بثديك الناهد".