إذا انتقل الشاعر من الحنين والتشبيب، احتاج إلى إشعار السامع بالجد. وأكثر ما كان يفعله شعراء الجاهلية أن يوصدوا باب النسيب فجاءة، ثم يأخذون في ذكر التسلي عن فراق الأحباب، بركوب ناقةٍ أمونٍ جسرةٍ تبلغهم أغراضهم من لقاء ممدوح، إلى غير ذلك من الأغراض التي يكون من أجلها السفر، وهذا باب سنفصل الحديث عنه في موضعه إن شاء الله.
وقد يختصر الشاعر موضوع السفر أو يطيله. فإذا اختصر اجتزأ بوصف الناقة والطريق أما إذا أطال فإنه يعمد إلى التشبيه، فيشبه ناقته بالبقرة المسبوعة، وبالظليم وحمار الوحش، ويخرج من ذكر الناقة إلي ذكر ما يلقاه الحمار أو البقرة أو الظليم من أخطار تدفعه إلى الاسراع (وهذا أيضا باب نأمل أن نوفيه حقه فيما بعد).
[ ٢ / ١١٧ ]
فإذا سلك الشاعر سبيل الاختصار، فإنه قلما يعمد إلي التكرار الملحوظ أو الملفوظ- أعنى أنه قلما يعمد إلي ترديد أسماء المواضع، أو تكرار ألفاظ بأعينها على النحو الذي رأيناه في شعر مالك بن الريب وجرير. وإنما يكتفي بشيء مزيج من التكرار الترنمي والتكرار الملحوظ، وذلك بأن يعمد إلى كلمات متقاربة المعاني، مترادفات أو شبيهة بالمترادفات، فيسرها سردًا، ليقوي بها معنى الجد والإعراض عن غرض النسيب.
خذ مثلا قول عبدة بن الطبيب من شعراء المفضليات (٢٦٨):
فعد عنها ولا تشغلك عن عملٍ وإن الصبابة بعد الشيب تضليل
بجسرةٍ كعلاة القين دوسرةٍ فيها على الأين وإرقال وتبغيل (١)
عنسٍ تشير بقنواتٍ إذا زجرت من خصبةٍ بقيت منها شماليل (٢)
قرواء مقذوفةٍ بالنحض يشعفها فرط المراح إذا كل المراسيل (٣)
فقوله: "جسرة" و"كعلاة القين" و"دوسرة" و"إرقال" و"تبغيل" و"عنس" و"تشير بقنوان" و"قرواء" و"مقذوفة بالنحض" كل هذه من قبيل المترادفات، ولا تخلو اثنتان منها من تقارب في المعنى. ثم إنك تجدها جميعًا تشترك في أحرفٍ من نوعٍ واحد، كأنما أريد بها تقوية النغم والرنين، مثل الراء من جسرة
_________________
(١) الجسرة: هي القوية من النياق، وشبهها بعلاة القين: وهي السندان بفتح السين، والقين: هو الحداد. والدوسرة: هي الناقة القوية. والإرقال والتبغيل: ضربان من السير الشديد. والأين: هو التعب.
(٢) العنس: هي الناقة. والقنوان: جمع قنو بكسر القاف وسكون النون: وهو عسيب النخلة الذي يكون عليه التمر. والشماليل ما يبقى في العسيب بعد أخذ التمر. والخصبة بفتح الخاء. هي النخلة: يصف الشاعر ذنب الناقة، فيشبهه بعسيب النحل الذي بقيت عليه بقايا بعد أخذ التمر منه.
(٣) قرواء، طويلة القرا، وهو الظهر. والنحض: بفتح النون: هو اللحم. فقوله مقذوفة بالنحض أي كأنما قذفت باللحم قذفا. يشعفها: أي يأخذ بقلبها وبشغفها. والمراسيل: هي الابل الناجية السريعة يقول إنها تسرع من المرح والنشاط إذا كلت الإبل الكراثم وتعبت.
[ ٢ / ١١٨ ]
ودوسرة، واللام من إرقال وتبغيل، والنون من عنسٍ وقنوان، والقاف من قرواء مقذوفة. فكونها جميعا متقاربة المعاني، يجعلها من قبيل التكرار الملحوظ. وكونها تشترك في أحرف مراد بها تقوية الرنين، يقرب بها من التكرار الترنمي. فهذا قولنا آنفا إن الشاعر يكتفي- إذا اختصر أمر السفر - بشيء هو مزيج من التكرار عند التكرار الترنمي والتكرار الملحوظ. وسنفصل الحديث عن هذا النوع من التكرار عند كلامنا عن الجناس.
وهاك بعد مثالًا آخر:
فسل الهم عنك بذات لوث عذافرةٍ كمطرقة القيون (١)
بصادقة الوجيف كأن هرًا يباريها ويأخذ بالوضين (٢)
كساها تامكًا قردًا عليها سوادي الرضيخ مع اللجين (٣)
وهكذا- فتأمل كيف احتفظ بالذال في قوله: "ذات لوث وعذافرة" ثم كيف كرر القاف في "مطرقة القيون"، و"صادقة الوجيف" وفعل مثل ذلك بالكاف في "كساها، وتامكا".
هذا وإذا أطال الشاعر صفة السفر، فهو يعمد إلى أصناف التكرار الترنمية والصورية إلى تحدثنا عنها من قبل. وذكر المواضع كثير في صفة رحلات الحمر الوحشية والبقر والنعام كشرته في النسيب، ولا عجب، فالجو الذي يشيعه وصف الوحش، في قصائد العرب الأوائل. من سنخ الجو الذي يشيعه النسيب، إذ أنه مفعم
_________________
(١) من نونية المثقب العبدي، المفضليات، ٥٨٢، قوله ذات لوث: أي ناقة ذات قوة مع هوج. والعذافرة: هي الناقة الشديدة، وشبهها بمطرقة الحداد.
(٢) الوجيف: ضرب من السير، والوضين: الحزام، وزعم الشاعر أنها من سرعتها كأنها فزعة من هرنيط إلى جانبها، فهو يأخذ بحزامها ويخدشها.
(٣) التامك: هو السنام. والقرد، بكسر الراء: المتلبد. يقول: أكلت هذه الناقة الرضيخ، وهو النوى المدقوق مع الجين، وهو الورق والخبط المدقوق الملزوق بعضه ببعض، فسمنت واكتست سناما متلبدا.
[ ٢ / ١١٩ ]
"بنو ستاجيا" الصحراء. وهذا أمر سنفيض فيه بابٍ آخر إن شاء الله. ونكتفي هنا بضرب مثل واحدٍ من شعر زهير، قال يشبه ناقته بحمار الوحش، ويصف الحمار:
أذلك أم شتيم الوجه جأب عليه من عقيقته عفاء (١)
تربع صارةً حتى إذا ما فنى الدجحلان عنه والإضاء (٢)
ترفع للقنان وكل فج طباه الرعي منه والخلاء (٣)
فأوردها حياض صنيبعاتٍ فألفاهن ليس بهن ماء (٤)
فشج بها إلا ماعز فهي تهوي هوي الدلو أسلمها الرشاء (٥)
كأن سحيلة في كل فجرٍ على أحساء يثمودٍ دعاء (٦)
فهنا ترى تكرار المواضع واضحا. وأمثال هذا كثير في الشعر القديم.