الخبب بحر دنيء للغاية، وكله جلبة وضجيج، وهو ثلاثة أنواع: أولها عبارة عن وزن "فاعلن" مكررًا ثماني مرات، كأن تقول:
كاتب جالس لاعب ضارب قاتل ضاحك سامع كاذب
وثانيها، عبارة عن وزن "فعلن" مكررًا ثماني مرات نحو:
فرح طرب نزق جزع شره أشر حمق سقم
ضربت ضحكت لعبت خرجت نعست سهرت سمعت طربت
وثالثها، أن تكرر "فعلن" بسكون العين ثماني مرات. نحو:
قتل ذبح ضرب طرح حب بغض صدق نصح
ولك أن تخلط بين هذه التفعيلات، وأن تحذف بعضها لتأتي بمجزوءات منها. ولا يخفى أن هذا الوزن رتيب جدًا، وقد أهمله الخليل، وأظنه تعمد ذلك، واستدركه عليه سعيد بن مسعدة الأخفش.
_________________
(١) التفعيلة التي عليها مدار الشعر الحر كاملية النسخ أو رجزيته.
[ ١ / ١٠٣ ]
ولا يصلح لشيء فيما نرى إلا للحركة الراقصة الجنونية، وقد استفاد منه الصوفية في بعض منظوماتهم التي تنشد لتخلق نوعًا من "الهستريا"، مثل الكلمة المنسوبة للغزالي في دلائل الخيرات:
الأزمة مفتاح الفرج
والرجز أعلى مرتبة من الخبب - أعني القصير من الرجز. وأوزانه على كثرتها تدور كلها حول ثلاثة أنواع: أولها، أن تكرر كلمة "مستفعلن" أربع مرات، ومثاله من الشعر قول دريد بن الصمة:
يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع (١)
وكالتفريع من هذا أن تقول:
قد كان لا يعرف يأ سًا أو يحس الوجلا
يمزج بالشباب وهـ ـو كالمدام الأملا
فالآن إذ زال الشبا ب سله ماذا فعلا
ووزن النوع الثاني من الرجز القصير يجيء بأن تكرر "مستفعلن مستفعل"، أو "مُستخرج مستخرِجْ" مرتين. وهذا بحسب نظام العروضين ليس من الرجز، ولكن من المنسرح المنهوك. وعندي أن هذا تكلف، ولأن يعد رجزًا أشبه.
ويجيء الوزن الثالث من الرجز القصير بتكرار نحو "معلم" أربع مرات،
_________________
(١) الجذع: الصغير. والأوطف والوطفاء من الإبل: الكثير الوبر. والزمع: شعيرات تكون في الرسغ. والشاة: الثور البري. وصدع صفة له: أي قوي والصدع نوع من الوعول: أي ليتني كنت شابًا أقود ناقة هذه صفتها.
[ ١ / ١٠٤ ]
(ويعادل هذا من أوزان العروضين "متفعلن" وهو نفس "مستفعلن" وهو نفس "مستفعلن" دخله الخبن: وهو حذف الثاني الساكن) ومثاله قول شوقي (مجنون ليلى ص ٧٩ - ٨٠):
نقول حين نصطدم بسادة أو بخدم
صمم صمم صمم صمم عمى عمى عمى عمى
والوزنان الأول والثاني من الرجز القصير خفيفان، وفيهما حركة سعرية متلاحقة، ولذلك فإنهما يصلحان للأناشيد المدرسية وما بمجراها من أشعار الصغار. وقد وفق أحمد شوقي في استعمالها في منظر العفاريت من "مجنون ليلى"، فنغم البحرين (ويمكن استعمائهما معًا لتشابههما) قد أشاع في المنظر نفحة مرحة تناسب عفاريت الشعر الظرفاء الذين خلقهم خيال الشاعر.
وهاك مثالا من هذا المنظر:
نشيد الجن:
هذا الأصيل كالذهب يسيل بالمرعى عجب
على الوهاد والكثب
الرقص يبعث الطرب هلم يا جن العرب
هلم رقصة اللهب إذا مشي على الحطب
نحن بنو جهنما نغلي كما تغلي دما (١)
نثور في الأرض كما ثار أبونا في السما
نحن الرعود القاصفه نحن الرياح العاصفه
والظلمات الزاحفه عرمرمًا عرمرما
لنا وما لنا صور نرى ونسمع البشر
ولا يرون من حضر منا ومن تكلما
نقول حين نصطدم بسادة أو بخدم
_________________
(١) خير في هذا الموضع نصب "بني" على الاختصاص. بل لعل ما صنع شوقي أجود إذ هؤلاء العفاريت يعرفوننا بأنفسهم ههنا وكأنهم بذلك يفتخرون والله أعلم.
[ ١ / ١٠٥ ]
صمم صمم صمم صمم عمى عمى عمى عمى
هبيد:
فيم اجتماعنا هنا يا عضر فوت ما الخبر
لا أدر تلك ضجة حضرتها فيمن حضر
فسل أخاك عسرًا ماذا هناك يا عسر؟
عسر:
نحن مسوقون إلى ما ليس ندري كالبقر
الأموي:
بني الجن في أرضكم عابر من الإنس يرسف في ضره
إلخ إلخ
رحم الله شوقيًا، فقد كان عامر النفس بالمرح والنشوة مع زهو في ذلك. وقد أصاب في اختيار الرجز القصير لهذا النشيد الحلو المهتز الفرح الذي وضعه على ألسن الجن. تأمل اضطراد النغم وسلاسته. وأكاد أزعم أن الشاعر لم يختر اسم عضرفوت لأحد عفاريته إلا بعد أن فرغ من كتابته أو صياغته، وأوحى إليه هذا التوفيق أن يرفد عضر فوتًا بجني آخر يجعله في القافية، ويسميه عسرًا، ثم بغير ذلك من أسماء الجنان. ومن حذق شوقي وبراعته أنه حول الوزن إلى غير الرجز عندما أخذ في الحوار، وخرج من النشيد (قوله بني الجن).
[ ١ / ١٠٦ ]
هذا، والرجز القصير، كإله اليهود، رب غيور في ملكه الصغير من دولة الأناشيد، ولا يغفر أن يشرك معه غيره، مما ليس من سنخه، في أنشودة بحال من الأحوال، ولا حتى أخوه الرجز الثاني، فقول شوقي:
نحن بنو الجبار العلم المنار
(وقد حذفناه فيما ذكرنا من أنشودة الجن) ينبو عنه السمع شيئًا في موضعه من النشيد المذكور آنفًا.
فإذا كان الرجز الثاني ينبو مع الرجز القصير، فكيف بغيره؟
وقد أساء إلياس أبو شبكة (الألحان، المكشوف، ١٩٤١ راجع ص ١٢ وص ٣٢) في أنشودته:
حقولنا، سهولنا، كلها طرب، كلها غنى.
الشمس فيها ذهب، والسواقي منى.
إلى الحصاد، جنى الجهاد، قلب البلاد، يحيا بنا.
هيا احصدوا وأنشدو، الحب قلب ويد.
فهذا مجرد عبث، وأكثر ديوان الألحان كذلك.