حق هذين البحرين أن يذكرا معًا. ولكن العروضيين يجعلون الكامل في دائرة الوافر، ويلحقون بهما بحرًا مهملًا زعموا أن وزنه:
فاعلاتك فاعلاتك فاعلاتك فاعلاتك فاعلاتك فاعلاتك
وهذا عبث لا طائل وراءه.
ولا ريب أن الكامل والرجز أخوان. وكثيرًا ما يختلط على الناظم أمرهما فيضمن الكامل بيتًا من الرجز. على أن العكس نادر، إذ بيت الكامل أوسع وأرحب من بيت الرجز.
ووزن الكامل التام كأن تقول:
ولقد أرى تررن ترى بديارنا ودياركم وبيوتنا وبيوتكم
متفاعلن، تتن تتن ويزورنا ونزوره كلف بنا رشأ أغن
[ ١ / ٢٧٩ ]
ولثمتها وحببتها وتحبني وأحبها وأحب لثم جبينها
متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن
هذا وزن الكامل التام. ولكنه قل أن يجيء تامًا هكذا في كل الأبيات وفي كل الحالات. فالجزء "متفاعلن" كثيرًا ما يصير "متفاعلن"، ويسمى هذا التسكين بالإضمار عند العروضيين. و"متفاعلن" هو الجزء الدائر عليه وزن الرجز، فهذا معنى قولنا إن الرجز والكامل أخوان.
والفرق الرئيسي بين الوزنين أن الكامل لا تجيء "متفاعلن" مكررة ست مرات في بيته، والرجز مبني في وزنه التام على "متفاعلن" وقد ينقص عن ذلك.
وللكامل وزنان رئيسيان. الأول كما ذكرنا:
ولقد أرى ولقد ترى ولقد نرى وتزورنا ونزوركم ونزورهم
متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن متفاعلن
ومثل من الشعر قول عنترة في المعلقة:
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
وقد يصير هذا الوزن:
متفعلن متفاعلن متفاعلن ×٢
أو متفاعلن مستفعلن متفاعلن ×٢
أو شيئًا من هذا القبيل. وأبيات عنترة في المعلقة كلها لا تتبع الوزن الأصلي.
مثال ذلك:
فإذا شربت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم
قوله: وإذا شرب - متفاعلن، وقوله: ت فإنني - متفاعلن، ولكن قوله:
[ ١ / ٢٨٠ ]
مستهلك - مستفعلن أو متفاعلن بإسكان التاء، وكذلك قوله: "مالي وعر" وقوله: "ضي وافر"، وقوله: "لم يكلم".
فالشطر الثاني كما ترى من الرجز.
والوزن الثاني من الكامل يخالف الأول في أن عجزه أقصر من صدره، وفي التصريع يتساوى صدره وعجزه، ومثاله من الكلمات:
متقاتل متلاعب متعالي متعلم مستنصح يا غالي
فلو قلت:
متقاتل متلاعب متعالم متعلم مستنصح يا غالب
صار هذا الوزن من الأول.
ومثاله من الكلمات في غير التصريع:
متقاتل متلاعب متعالم متعلم مستنصح يا غالي
متعلم متقادم تن تن ت تن متفاعلن مستفعلن متفالي
ومثاله من الشعر (١):
آلت أمور الشرك شر مآل وأقر بعد تخمط وصيال
والرجز له وزنان؛ الأول تام، وهو من نسخ وزن الكامل كما قدمنا، ومثاله من الكلمات:
مستبشر مستضحك مستفعلن من ذالكم في دارنا يا صاحبي
بر برب بر قد جاءكم فسقاكم خمرًا ألذ ألذلذ لذلذ لذذ
_________________
(١) لأبي تمام، ديوانه ١٩٦.
[ ١ / ٢٨١ ]
كلب جرى لما رأى لما رأى لصًا أتى، يا لص لا يا لص لا
والقط في والقط في ساحاتنا والفأر لا يخشاه فلتعجب لذا
والشعر لا يتبع الوزن السالم، كهذا الذي ذكرناه، كل الاتباع. وإنما ينوع الشاعر في الأجزاء حتى يبعد بها عن الرتابة. ولهذا فكثيرًا ما تصير التفعيلة "مستفعلن متفعلن" أو "مفتعلن" وأحيانا "متعلن"، وهذا رديء غاية الرداءة - والنوع الأول من التغيير اسمه "الخبن" والثاني اسمه "الطي" والثالث اسمه "الخبل".
ومثل الرجز من الشعر قول المعري (١):
أهاجك البرق بذات الأمعز بين الصراة والفرات يجتزي
مثل السيوف هزهن عارض والسيف لا يروع إن لم يهزز
بدت لنا حاملة أغمادها حمائل من الدجى لم تخرز
والوزن الثاني من الرجز ينقص من ناحية العجز الأول، ومثاله من الكلمات:
مستفعلن مستفعلن مستفعل يا صاحبي يا صاحبي يا صاحبي
ومثاله من الشعر (٢):
ما هاج عينيك من الأطلال المقفرات بعدك البوالي