هي الثاء، والخاء، والذال، والشين، والظاء، والغين، وكلها قد ركبها الشعراء، فلم يجيئوا إلا بالغث، أما الثاء فبحسب الناقد منها ثائية أبي تمام (٤)، وثائية ابن دريد (٥) فكلاهما عاهة. وأما الخاء فما دخلت شعرًا إلا أفسدته. وقد رويت منها أشياء كريهة. والذال على قبحها قد استعملها كثير من المحدثين الأوائل، وأحسب
_________________
(١) استشهدوا به في باب المفعول به على تقديم الواو.
(٢) استشهدوا به على الجر بلولا.
(٣) للفارسي فيه رأي غريب، وهو رفع الماء. راجع رسالة الغفران ص ١٥٢.
(٤) ديوانه ٥٠.
(٥) ديوانه ٤٢.
[ ١ / ٧٩ ]
أنه جرهم إلى الخطل حرصهم على استعمال "بغداد" و"كلوذا" و"ناباذ" وشبه ذلك من أسماء المواضع الذالية في قوافي الشعر. وقد كانت هذه المواضع حبيبة إليهم جدا، لما كانوا ينعمون فيها باللهو والغزل والخمر. وقد اختار لهم المختارون قطعا من ذالياتهم هذه، وعندي أنها كلها من الشعر المتكلف. ولا أستثني من ذلك ذاليات أبي نواس. وقد ركب المتنبي الذال في قصيدته: "أمساور أم قرن شمس هذا"؟ (ديوانه: ٦٣) ولو أن مساورًا كان أجازه عليها بعشر صفعات ما كان ظلمه. ومن أصفق ما قرأته من الذاليات قول أحد الفقهاء يمدح أبا الوفاء بن عقيل الحنبلي:
لعلي بن عقيل البغدادي مجد لفرق الفرقدين محاذي
قد كان ينصر أحمدًا خير الورى وكلامه أحلى من الآزاذ
وإذا تلهب في الجدال فعنده سبحان فيه في التجاوب هاذي
ما أخرجت بغداد فحلا مثله لله در الفاضل البغداذي (١)
ولم أجد في الشين شيئًا يستحق الرواية إلا بيتًا واحدًا في قطعة أنشدها ثعلب في مجالسه، وأتأثم من روايته فلينظر. وقد ركبها المتنبي (٢) فجاء بالشاس والقماش في قوافيه، وكاد يأتي "بناش" التي افتراها التوحيدي على الصاحب (٣).
والظاء فظيعة، والغين مثلها، إلا أن أبا العتاهية تكلفها في بعض ما روي له. والقوافي الحوش جميعها قد جاء بها المعري في لزومياته، وما كان أغناه عنها.
والهمزة قريبة من القوافي الذلل، لكثرة ما ورد فيها من الكلمات ذوات الألف
_________________
(١) طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي، تحقيق لاوست والدهان، دمشق ١: ١٩٦.
(٢) ديوانه ٢٢٨.
(٣) راجع معجم الأدباء ٦ - ٢١٣. زعم التوحيدي أن الصاحب جاء "بالناش" في سجعاته، وزعم أنها لغة في الناس.
[ ١ / ٨٠ ]
الممدودة للتأنيث والإلحاق، هذا زيادة على اللواتي فيهن الهمزة أصلية. ومع هذا فهي ليست من الذلل حقا. والشعراء يتنكبون طريقها كما قال المعري (١). والسبب في ذلك عندي، هو أن مخرجها فيه قبح. ألا ترى أن الهمزات الممدودة للتأنيث كانت فب الأصل هاءات تأنيث أو تاءات تأنيث. ثم مال بها كسل المتكلمين إلى جهة الألف، ثم بالغ بعضهم في مد الألف حتى وصل بها إلى النهاية وهي همزة فيما زعم سيبويه. يؤيد هذا ما نراه من أن هاءات التأنيث في العبرية تنطق ألفات وتكتب هاءات، والعبرية أخت العربية. ثم ألا ترى أن أكثر الهمزات التي تجيء في أوساط الكلمات إن هي إلا نتيجة عجز من الناطقين أن يخرجوا الحرف الأصلي على صحته؟ دليل ذلك ما نراه في اللهجة المصرية العامية من استعمال الهمزة مكان القاف، وما نجده في اللهجة اللندنية الإنجليزية من استبدال التاء بالهمزة بين الطبقات التي لا تتكلف الفصاحة.
وهذا كله يقوي حجتنا في أن الهمزة حرف هجين. ويزيد هذه الحجة قوة، ما نراه عند فصحاء العرب من استعمال التسهيل، ومن الامتناع عن تحقيق الهمزتين المتجاورتين ذواتي الحركة الواحدة. وما دام أمر الهمزة كذلك، فليس ببدع أن نجد الشعراء قد تنكبوها في الكثير الغالب. وثم سبب آخر، غير ما ذكرناه، دعاهم إلى تنكبها، وهو أن أكثر ما تجيء الهمزة سهلة إذا كانت بعد ألف ممدودة، لا في نحو "أهنأ" و"مكفؤة" و"مروءة"، فهذه الثلاث حوش. وتوالي الألفات الممدودة في قصيدة طويلة فيه الإيطاء.
ومع هذا فقد جاءت في الهمزة كلمات جياد، أكثرها في البحر الخفيف سنتحدث عنها في أثناء الحديث عن الخفيف إن شاء الله.
_________________
(١) رسالة الغفران: ٤٣٠.
[ ١ / ٨١ ]