عيوب القافية ومحاسنها وأنواعها
قد تحدثنا عن عيوب القافية الموحدة الملتزمة من وجهة النظر المعاصرة، والآن ندير دفة الحديث إلى جانب آخر، فنحدثك عن عيوبك القافية، ثم عن محاسنها من وجهة النظر التقليدية، وفي عرف أرباب الصناعة.
أجمع العلماء على استقباح: الإيطاء، والإقواء، والسناد، والإكفاء، والإصراف والإجازة، والتضمين، إن وقع شيء منها في كلام الشاعر.
أما الإيطاء، فهو تكرار القافية بعينها. والإقواء: هو المخالفة بين حركات الإعراب في القوافي، كأن تجئ ببعضها مرفوعا وببعضها مجرورا. والإكفاء، والإجازة، والإصراف: قيل هي الإقواء نفسه. وقيل: هي اختلاف حركات التوجيه (١)، والدخيل (٢). وقيل: اختلاف أحرف الروي مع تقارب بينها في المخارج، كأن يجيء الشاعر بطاء فيما رويه دال، أو ميم فيما رويه نون، وأنشدوا لابنة أبي مسافع، ترثي أباها وكان قد قتل دون جيفة أبي جهل ببدر (٣):
وما ليث غريفٍ ذو أظافير وإقدام
_________________
(١) التوجيه: هو مثل حركة العين في كلمة "منقعر" إذا كانت الراء الساكنة هي حرف الروي.
(٢) الدخيل: هو الحرف المقحم بين ألف التأسيس وحرف الروى كالميم من "حاملو"، إذا كانت قافية، فالألف تأسيس، والميم دخيل وكسرتها اسمها إشباع، واللام روي وصمته مجرى، وحركة الخاء المهملة اسمها رس.
(٣) راجع اللسان (صرف) و(كفأ) و(جاز).
[ ١ / ٤١ ]
كحبي إذ تلاقوا و وجوه القوم أقران
وبالكف حسام صا رم أبيض خذام
وقد ترحل بالركب فما تخني بصحبان
أي لا تقول لهم سفها.
والسناد: يطلق على عيوب كثيرة، أهمها أن تخالف بين أنواع الردف (١) (ما لم يكن واوا أو ياء ناشئتين عن إشباع). والتضمين: هو أن تعلق قافية البيت على ما بعدها، فلا تكاد تستقل بنفسها، كما في قول الفرزدق يصف امرأة (٢):
فلو أن ذرًا أو أباه رأى التي رأيت أبت عيناه أن تتأخرا
إذن لرأى مثل التي ظل راينا إلى فرعها داود حتى تحدرا
إليها من المحراب وهو على الذي يفصل فيه كل شيءٍ مسطرا
والإشارة في أول بيت إلى أبي ذر، وفي الثاني إلى قصة داود وكانت له تسع وتسعون امرأة. والشاهد في قوله: تحدرا (٣). والفرع: هو الشعر.
وهذه الاصطلاحات التي ذكرناها قديمة موروثة عن العرب الأوائل، ويدل على ذلك اختلاف العلماء في تفسيرها. وقد ورد بعضها في الشعر الأموي. وقال ابن الرقاع (أغاني الدار ٩ - ٢١٧):
وقصيدةٍ قد بت أجمع شملها حتى أقوم ميلها وسناها
_________________
(١) الردف: واو أو ياء تجيء قبل الوي، مثل الواو في "موجود"- الواو التي بين الجيم والدال، ومثل الياء في "عيدو" والواو في "لونا" والياء في "بينا" واجتماع مثل "بونا" و"بيتا" في القوافي سناد. وكذلك اجتماع نحو "لدنا" و"لينا" أما اجتماع نحو "بيدو" و"دودو" فهو جائز. وحركة ما قبل الردف كحركة الباء في "بيدو" تسمى حذوًا.
(٢) ديوان الفرزدق تحقيق الصاوي ٢ - ٤٣٠ - ٤ - ٦.
(٣) التضمين في "تحدرا" هو أنها تطلب ما بعدها طلبًا شديدًا ولا تستقل بدونه.
[ ١ / ٤٢ ]
وقد ورد بعضها في الأخبار القديمة، كما ورد في الخبر الذي روي عن النابغة أنه كان يقوي أو يكفئ (اللسان، كفأ) وكالخبر الذي رووه عن بشر بن أبي خازم في الإقواء (المفضليات، شرح الأنباري، بيروت؟؟؟؟ -٦٥٨ - ٣٤). وقد جمع المعري هذه الاصطلاحات في بيتين من شعره في سقط الزند، قال يصف الغراب:
من شاعر للبين قال قصيدة يرثي الشريف على روي القاف
بنيت على الإيطاء سالمة من الـ .. إقواء والإكفاء والإصراف (١)
وقال يصف البدو:
بناة الشعر ما أكفوا رويًا وما عرفوا الإجازة والسنادا (٢)
وفي مقدمة اللزوميات كلمة وافية عن القافية ومستلزماتها وعيوبها، وكذلك في كتاب العمدة لابن رشيق. وكل ما يهمنا أن نعقب على كلام النقاد، في أربعة من هذه العيوب، وهي الإقواء والإيطاء والسناد والتضمين.