العروضيون يعدون هذا البحر دائرة، هي الدائرة الخامسة، وقبل أن يستدرك
[ ١ / ٣٧٨ ]
الأخفش على الخلال بجر المتدارك ولم يكونوا يرون للمتقارب نسيبًا بين جميع البحور وهذا خطأ لأنه قريب القرابة بالرمل والوافر، لا بل له قربي مع الطويل والخفيف. ونغماته من أيسر النغمات موكلها تدور على تكرار الجزء «ترن رن» ثماني مرات وقد يدخل الأجزاء بعض التغيير، ولكنه لا يؤثر في جوهر نغمها. وأنواع المتقارب ثلاثة، ثالثها أشبه بالقصار منه بالطوال.
أما الأولى فتام، وميزانه:
فعولن فعولن فعولن فعولْن فعولُن فَعُولُن فَعولُن فعولن
وقد يصير:
«فعول فعولن فعول فعولن» x ٢ وهكذا، وحذف النون من فعولن يسميه العروضيون قبضًا؛ ومثال المتقاربة الأول من العبث:
كريم ودود طروب غضون لئيم حسود عنيد كئيب
كرام صباح طوال جسام عظام كبار سمان ضخام
ضربنا كتبنا سبقنا لعينا جرينا رمينا شربنا طربنا
فعولن وجوه فعولن صباح فعولن خدود فعولن ملاح
وجوه صباح خدود ملاح وفي اللحظ شهد وفي الثغر راح
أقول له هل فعولن فعولن فعولن فعولن لتنظم شعرا
فيقال أبيت أبيت أبيت لأني أتبع في الشعر بشرا (١)
فشعري رمز وسحري غمز ولحني من الشمع قد طار خمرا
وبالحث أرعى مع التيه موسي وبالوصل من كرمة الهجر جمرا
_________________
(١) وكان ﵀ زعيم مدرسة الشعر الرمزي بالشرق العربي: وله بعض أوزان منها مبتكر ومنها مستمد من أخرى معروفة.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وأنت لدي العشاء الأخير أتوب أتوب فيا رب غفرًا
تحدث إلينا فعولن أخانا تجدنا فعولن لطافًا حسانًا
وجوه صباح خدود ملاح وبالخد ورد وبالثغر راح
وإذا دخل القبض مثل البيت الأخير صار، مثلًا:
وجوه صباح خدود ملاح وبالثغر بيض كنور الأقاح
ولا يشترط في هذا الوزن أن يكون صدره مساويًا لعجزه تمامًا. فكثيرًا ما يجيء الصدور ناقص هكذا:
كريم ودود طروب أتى فقلنا له مرحبا يا كريم
أو: كريم ودود طروب أتاكا فقلت له مرحبا يا كريم
وهاك أمثلة من المنظوم في المتقارب الأول. قال أمية بن عائذ الهذلي:
إلى الله أشكو الذي قد أرى من النائبات بعاف وعال
وإظلال هذا الزمان الذي تقلب بالناس حالا لحال
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
أمن آل هند عرفت الرسوما بجران قفرا أبت أن تريما
تخال معارفها بعدما أتت سنتان عليها الوشوما
وكلتا هاتين المنظومتين لك إن شئت أن تطلق القوافي فيهما أو تقف بالسكون هكذا:
أمن آل هند عرفت الرسوم بجمران قفرا أبت أن تريم
إلى الله أشكو الذي قد أرى من النائبات بعاف وعال
[ ١ / ٣٨٠ ]
والوزن الثاني من المتقارب قريب جدًا من هذا، وتفعيلاته:
فعولن فعولن فعولن فعل فعولن فعولن فعولن فعل
كريم عظيم بخيل أتى فقال الكريم فعولن فعل
فعولن يجر فعولن يمر فعولن يجود ولا يبخل
فعولن يجود فعولن ولا فعولن فعولن فعولن خلو
وقال امرؤ القيس:
تميم بن مر وأشياعها وكندة حولي جميعًا صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرقت الأرض واليوم قر
وقال أعشى همدان [جاير: ٣٢٦ [:
وأنت تسير إلى مكران فقد شحط الورد والمصدر
ولم تك من حاجتي مكران ولا الغزو فيها ولا المتجر
وخبرت عنها ولم أتها فما زلت من ذكرها أذعر
وقد قيل إنكم عابرو ن بحرًا لها لم يكن يعبر
وما رام غزوا لها قبلنا أكابر عاد ولا حمير
ولا رام سابو غزوا لها ولا الشيخ كسرى ولا قيصر
وأنت ترى أن الصدر هنا قد يكون أطول من العجز كما في البيت الثاني لأنه يساوي العجز عند «مكرا» ويزيد عليه بالنون المتحركة.
والوزن الثالث من المتقارب يساوي الأصناف المتقدمة في صدره، ولكن عجزه قصير جدًا، ومثاله: «فعولن فعولن فعولن لن». ومثاله كاملًا من الكلمات:
كريم ودود كريم هنا كريم ودود بلا شك
[ ١ / ٣٨١ ]
ومثاله من الشعر قول السيد الحميري] الأغاني ٢٥٠: ٧ [
أتتنا تزف على بغلة وفوق رحالتها قبة
زبيرية من بنات الذي أحل الحرام من الكعبة
تزف إلى ملك ماجد فلا اجتمعا ويها الوجبة
أي وجبة القلب، يدعو عليها بالموت.
ومن غرائب ما يحدث في المتقارب أنك قد تحذف من نغمه حرفًا متحركًا في الدر أو العجز فيبدو الوزن لمن لا يعرف حقيقته كالمختل شيئًا من غير أن يكون لذلك تشويش على السمع. وهذا اسمه الحرم. ويكون موقعه أحيانًا، حسنًا للغاية كما في قول أمية بن عائد الهذلي:
ألا يا لقوم لطيف الخيال أرق من نازح ذي دلال
وتمام الوزن «وأرق»
ومن غرائبه أنه قد تجيء في وسط بيته كلمات من نوع «تحاب» و«تضاد» و«شواذ»، وهذه لا يكاد يقبلها شيء من الشعر في وسط البيت اللهم إلا في جزء القافية. مثال ذلك:
رمينا قصاصا وكان التقاص حقا وحتما على المسلمينا
وأحسب أن رواية البيت الصحيحة «وكان القصاص» فغير العروضيون فيه ليستشهدوا به. وهذا أمر لا يكاد أصحاب الشواهد يتورعون من مثله.
وبحر المتقارب سهل يسير دو نغمة واحدة متكررة .. والمقاطع الطوال أظهر شيء فيه: ت تن تن، بت تن تن الخ .. مثل الطويل التام. وفيه ستة عشر مقطعًا طويلًا فتأمل. وهذا أمر لا يكاد يشاركه فيه بحر آخر. وقوامه كله مقطع قصير
[ ١ / ٣٨٢ ]
وآخران طويلان يليانه على هذا الترتيب، ولا يحدث في ذلك تغيير إلا بحسب ما تقتضيه الصناعة من طلب التنويع وتجنب الرتابة. وأقل ما يقال عنه إنه بحر بسيط النغم، مطرد التفاعيل، منساب، طبلي الموسيقا. ويصلح لكل ما فيه تعداد للصفات، وتلذذ بجرس الألفاظ وسرد للأحداث في نسق مستمر. والناظم فيه لا يستطيع أن يتغافل عن دندنته فهي أظهر شيء فيه، ولذلك فتجويد الصناعة فيه أمر مهم جدًا. وكثير من الشعراء الفحول يتحامونه لأنه يتطلب اندفاع وراء النغم كما يندفع التيار في غير ما توقف. وعز أن تجد شيئًا منه عند النابغة أو زهير أو أبي تمام أو الأخطل. والبحتري يقل منه، ويعامله معاملة البحور القصار فيعبث فيه ويهزل كما في كلمته [ديوانه ١٠٧: ١ [.
تظن شجوني لم تعتلج وقد خلج البيت من قد خلج
وقد سلمت له فيه قصيدة حسنة] ٥١: ١ [مطلعها:
لوت بالسلام بنانًا خضيبا ولحظًا يشوق الفؤاد الطروبا
والمتنبي يتعاطاه فيجيد، لأن في مزاجه ضربًا من الاندفاع. وتلمح نوعًا من هذا وفي كلمته:
أصبحا نرى أم زمانًا جديدًا أم الدهر في شخص كي أعيدا
وكلمته:
إلام طماعية العاذل ولا رأي في الحب للعاقل
يراد من القلب نسيانكم وتأبي الطباع على الناقل
وكلمته:
أرى ذلك القرب صار ازورارا وصار طويل الكلام اختصارًا
[ ١ / ٣٨٣ ]
والمعاصرون لا يكثرون من النظم في هذا الوزن. اللهم إلا في المسرحيات الشعرية فوروده كثير، والغالب على نظم المسرحيات الشعرية الضعف. وكاد الأستاذ علي أحمد باكثير يلتزمه في مسرحيته «قصر الهودج» وهي ليست بجيدة. ولأحمد شوقي قصيدة بارعة من المتقارب لا أحسب أن المعاصرين نظموا شيئًا مثلها في بابها، وهي قوله:
ألا حبذا صحبة المكتب وأحبب بأيامه أحبب
وهي كلمة معروفة مشهورة فلا داعي للاستشهاد بها هنا.
وعندي أن شعراء الجاهلية هم أحذق من سلك هذا البحر من الماضين، وجيادهم فيه كثيرة جدًا، منها مراثي الخنساء في أخيها كقولها: «أعيني جودًا ولا تجمدا، القصيدة»، وقولها: «تعرقني الدهر نهسًا وحرًا» وقولها:
أبعد ابن عمرو من آل الشريد حلت به الأرض أثقالها) (١).
وكل هذه كلمات مشهورة، والأخيرة جاراها أبو العتاهية بلاميته التي مدح بها المهدي العباسي حيث يقول:
أتته الخلافة منقادة إليه تجرر أثقالها
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض زلزالها
ومن متقاربيات الجاهلية الغريبات كلمة صخر الغي الهذلي (٢):
لسماء بعد شتات النوى وقد بث أخيلت برقًا وليفا
_________________
(١) راجع الكامل ٢: ٢٨٠ - ٢٨٧.
(٢) هذا أول القصيدة في ديوان هذيل رواية السكري (أوروبا)، ويظهر أن الرواية أضاعت أبياتًا قبله.
[ ١ / ٣٨٤ ]
أجش ربحل له هيدب يكشف للخال ريطا كشيفًا (١)
كأن سحائبه بالملا سفائن أعجم ما يحن ريفا (٢)
أرقت له مثل علم البشير يقلب بالكف فرضًا خفيفًا (٣)
فأقبل منه طوال الذرى كأن عليهن بيعًا جزيفًا (٤)
وأقبل مرا إلى مجدل سياق المقيد يمشي رسيفا (٥)
فلما رأى العمق قدامه ولا رأي غمرًا والمنيفا) (٦)
أسال من الليل أشجانه كأن ظواهره كن جوفًا (٧)
_________________
(١) أجش: عنى صوت الرعد فيه. الهيدب: هو أطراف البرق المتدلية. الخال: عنى خال السحاب. الريط: شبه به السحاب الأبيض.
(٢) الملا: موضع، أو عنى به الفضاء. ما يحن: خالطن. الريف: الساحل وحيث يكون الخصب، وقيل: ما يحن بمعنى امتحن، أي أخذن الميرة من الريف.
(٣) الفرض: العود، وعن بعض أعراب هذيل، الثوب، والحزمة والقدح والترس، والحز في زند النار (وتستعمل بمعنى الحز في السودان). وقوله: أرقت له: أي أرق للبرق يراقبه، وهذا البيت يفسر بيت امرئ القيس: أصاح ترى برقًا اريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكلل فالناس يفسرون لمع اليدين، بتحريك اليدين، ولا يكاد يفهم غرض الشاعر من التشبيه. وهذا البيت يوضح المعنى، لأنه شبه فيه حركة البرق السريعة بحركة بشير يصيح ويحرك كفيه، ويقلب فيها شيئًا، ثوبًا أو عودة أو نحوه. واللمع في بيت امرئ القيس وفي بيت صخر لا يراد منه بمجرد التحريك، ولكن الإشارة والتلويح بشيء، وحركة الذي يشير من بعد ويلوح فيها لمح والتواء كلمح البرق والتوائه. هذا وفي بيت امرئ القيس بعد نظر إلى ما تقدم نعته من أصابع الفتاة؛ إذ تصد وتبدي وتعطو برخص غير شئن والله أعلم.
(٤) طوال الذري: عنى السحائب الحافلات. جزيفًا: بلا كيل.
(٥) رسيفًا: الرسفان: مقاربة الخطو. ومجدل: موضع.
(٦) العمق، وغمر، والمنيف، كل هذه مواضع.
(٧) الأشجان: الطرائق ومسائل الماء. وشبه السحاب بالأرض ذات التلال وكأنه هنا عدل عن تشبيهه الأول، فقد سبق أن شبه السحاب بالملاء ذي الخمل والتجاعيد. وشبه أعالي السحاب برؤوس التلال أو الهضاب والثنايا بينه بالأودية، وبدت له ظواهر السحاب وأطرافها كأنها مجوفة، لأن الماء يسيل منها كما يسيل من الأنابيب، أو كأنها أودية واسعة إذا أخذنا الجوف بمعنى الواسعة.
[ ١ / ٣٨٥ ]
فذاك السطاع خلاف النجا ء تحسبه ذا طلاء نتيفا (١)
إلى غمرين إلى غيقة فيليل يهدي ربحلا رجوفا (٢)
كأن تواليه بالملا نصاري يساقون لافو احنيفا (٣)
فأصبح ما بين وادي القصو ر حتى يلملم حوضًا لقيفا (٤)
له مائح وله نازع يجشان بالدلو ماءً خسيفا (٥)
ثم أخذ صخر بعد ذلك في تقريع أبي المثلم الهذلي، وكان يهاجيه فأحسن جدا.
ويعجبني في قصيدته هذه على وعورة ألفاظها [فبعضها مما حار في تفسيره الجمحي والسكري والأصمعي جميعًا [دقة الوصف. ولا شك أن صخرًا تأمل
_________________
(١) السطاع بكسر السين: جبل. والنجاء: بكسر النون: السحاب. شبه الجبل لأن جانبه باد عاريًا رماديًا بين السحاب المتراكم، بالجمل المطلي المنتوف.
(٢) عمران، وغيقة: موضعان. الربحل: الضخم. والرجوف لصوت الرعد الراجف فيه، أو لأنه يهتز ويرجف في مشيته. وروي «زحوفًا» بالزاي المعجمة. وهذا من الأمثلة التي تدلك على أن الشعر كان يكتب من زمان بعيد، ألا ترى أن اختلاف الرواية ناشئ من تحريف في الكتابة؟ ولهذا نظائر عدة سنعرض لها إن شاء الله.
(٣) توالي السحاب: المتأخرة عنه تراها قطعًا قطعًا، توشك تتجمع، فشبهها الشاعر بالجماعة يشربون ولا أدري لماذا جعلهم نصارى لاقوا حنيفًا. وليت الشارح السكري وضح ذلك؛ فربما كان دلنا على بعض العادات التي كان عليها النصارى لذلك الحين. وقصد بالحنيف هنا العربي الذي ليس بمسيحي ولا يهودي، ومعنى الحنيف بالآرامية: ضال. والنصارى يعدون من ليس نصرانيًا ولا يهوديًا كافرًا ضالًا. وقد قلب القرآن عليهم هذا المعنى، إذ يقول تعالى: «ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسليًا الخ»، فجعل الحنيف مدحًا لاذمًا، وأكد بذلك أن المهتدي لا يشترط فيه أن يكون من اليهود أو النصارى، بل قد يكون حنيفًا عن هاتين المتين. ومثل هذا التفسير يزيل كل الغموض الذي حاط به المستشرقون وغيرهم كلمة حنيف، وإليه ذهب أبو عبيد البكري في شرح الأمالي. ويؤيده في القرآن: «من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله» فهذه الآية تلبس كلمة النصارى معنى مدحيًا، وهي عند اليهود ذم، وشبهها بما مضى في الأسلوب واضح.
(٤) الحوض اللقيف: الذي تنهار جوانبه.
(٥) الجش: هو استخراج ما في البئر من الحمأة. والخسيف: البئر، وقوله ماء خسيفًا: أي ماء مستخرجًا من البئر. والمائح: هو مستخرج الماء، والنازع: هو الذي ينزع بالدلو. وجعل السحاب كالمانح وكالنازع بالنسبة إلى الأرض المشبهة بالحوض اللقيف.
[ ١ / ٣٨٦ ]
السحاب والمطر فأدق التأمل ويعجبني وصفه للبلاد بعد أن مسها المطر بالحوض اللقيف، فهذا أمر يدرك حسنه من عاين مثله.
وقد بلغ بي استحساني لهذه الكلمة أن عمدت إلى مجاراتها في الوزن دون القافية وأنا بمدينة لندرة فقلت] وأستميح القارئ عذرًا من هذا الاستطراد [:
لقد نعت المزن حتى أجادا وبرقا ينير فيدي بجادا (١)
يسيل بأشجانه حفلا له حبك يطردن اطرادا (٢)
وفي لندن مطر راهن إذا بدأ الصبح ثنى فعادا (٣)
فينظم يومًا بيوم ويمسي يعاقب منع عهاد عهادا (٤)
فما إن ترى جونة الأفق إلا كلحظ الهلوك أصيلا تهادى (٥)
له سحب كدخان الأبا ء يكسي بها كل فج سوادا (٦)
أسافلهن سراع خفاف وأما الأعالي فتزجى وئادا (٧)
وما إن تحس لها راعدًا ولا بارقًا غير سح تمادى (٨)
ويساقط الثلج مثل النسـ ـيل يكسو الوهاد ويكسو النجادا (٩)
_________________
(١) لقد نعت: الضمير يعود على صخر الغي. والبجاد: الثياب، شبه بها السحاب.
(٢) الحفل جمع حافل: أي الممتلئة. والحبك: الطرائق، وهي حباب الماء هنا.
(٣) راهن: دائم.
(٤) العهاد: الأمطار تتعهد الأرض.
(٥) الجونة: الشمس. والملوك: البغي. والشمس في لندن زمان الشتاء، فلا تبدو، فاذا بدت لاحت قطعة مستديرة حمراء لا حرارة فيها من خلل السحاب، ثم سريعًا ما تختفي. والبغايا يبالغن في صبغ أوجههن بالحمرة، ولا يكدن يثبتن في مكان أو يطلن النظر إلى شيء.
(٦) الأباء: القصب ، ودخانه يضرب إلى لون الرماد.
(٧) وئاد: بطيئة.
(٨) السح: نزول المطر.
(٩) النسيل: ما يتساقط من القطن .. الوهاد: المنخفضات.
[ ١ / ٣٨٧ ]
ويجتابه شجر كالبرو ج تحسبه من بياض جمادا (١)
فهلا ذكرت وأنت الغر يب تلك الفجاج الرحاب البعادا (٢)
بها سلم وصغار السيا ل والسدر مفترقات فرادى (٣)
وتلفي بها عشرًا شاحبًا إذا زالت الشمس أوي الجرادا (٤)
وكثبان رمل كسين السرا ب قد وقدت للهجير اتقادا
وقد سطع النيل من بينهن سيفًا محلى فصوصًا جيادًا
حواليه عيدانه السامقات وتلك السواقي طرابًا غرادا (٥)
وتصبغ عند جنوح الأصيل حتى كأن عليها جسادا
يرقنها شفق قانئ إذا ما المؤذن نادي العبادا (٦)
والشاعر الذي لا يشق غباره في بحر المتقارب من الجاهليين هو أعشى بكر الكبير، فقد كان يكثر من النظم فيه. وكان هذا الوزن يلائمه حق الملاءمة، إذ كان يسلك به مسلك القصاص والمغنين، فيكرر، ويسرد، ويحسن الإطناب، ومزاوجة
_________________
(١) يجتابه: يلبسه. كالبروج: لعلوه وضخامته. من بياض: بياض الثلج عليه.
(٢) أعني فجاج السودان.
(٣) السلم: ضرب من العضاه تضرب أغصانه إلى الحمرة ويكثر في السودان ولا يطول. والسيال من العضاه أيضًا وينبت كالشمسية. والسدر: هو شجر النبق وثمره حسن، وهو ظليل إذا طال ونما. وهذه الأشجار تنمو متفرقة لقلة المطر وصحراوية الأرض.
(٤) العشر: شجر خوار له ورق تخين عريض إذا خدش أخرج اللبن، وله نفاخات تتطاير مع الريح ويطول ويضخم في البلاد الخصيبة كمنطقة كسلا، وتصنع من خشبه الألواح، ويزعم الناس أن لوح العشر سريع في تحفيظ القرآن، وفي سائر السودان لا يصلح إلا للوقود لصغر شجيرته، ويظن أن دخانه ينفع من الزكام. ووجوده بالأرض يدل على صلاحيتها للزراعة. ويأوي إليه جراد ضخم شديد الخضرة في الصيف، والعشر دائم الخضرة، ولكن خشبه تكسوه طبقة هشة ذات تشاعيب كأرجل النعام، وتعلو أوراقه غبرة وبياض فهذا شحو به.
(٥) العيدانة بتسكين الياء وفتح العين: النخلة الطويلة، وجمعها بإسقاط التاء.
(٦) الترقين: هو أن تصبغ الشيء بالزعفران. والجساد: الزعفران.
[ ١ / ٣٨٨ ]
الألفاظ. وقد كان يعينه في ذلك اعتماده على حاسة سمعه دون بصره، إذ الرجل قد كان أعشى. وتوشك أن ترى من خلال نظمه تحسس الضرير العارف بطريقه وعر أن تجد شعر يصور شخص ناظم كما تجد في هذه المتقاربيات التي للأعشى. وسأختار من بعضها نتفًا متشابهة الأغراض عسى أن تبين لك ما أقصد إليه. قال [ديوانه ٦٧ - ٦٢ [:
على أنها إذ رأتني أقا قالت بما قد أراه بصيرا (١)
رأت رجلًا غائب الوافد ين مضطرب الحلق أعشى ضرير (٢)
فإن الحوادث ضغضعنني وإن الذي تعلمين استعيرا (٣)
إذا كان هادي الفتي في البلا صدر القناة أطاع الأميرا (٤)
وخاف العثار إذا ما مشى وخال السهولة وعثا وعورا
وفي ذاك ما يستفيد الفتى وأي امري لا يلاقي الشرورا
فهذا الغناء الحزين في غير ما توجع، ولا يخلو مع ذلك من روح مرح، وإقبال على الحياة، من خير ما قرأته في رثاء الشباب. ويزيد جماله هذه التنورة الخيالية التي رسمها الشاعر -صورة الفتاة وقد بصرت به يقاد، وكان عهدها به قويًا، حديد النظر.
ومن خير ما جاء في هذه الرائية وصفه للفتاة وزوجها الغيران:
لها ملك كان يخشى القراف إذا خالط الظن منه الضميرا (٥)
_________________
(١) ما أراه: أي ربما كنت أراه: أي كثيرًا كنت أراه بصيرًا.
(٢) الوافدين: الناظرين.
(٣) عني الشباب والقوة.
(٤) القناة: العصا. عنى إذا عمي الإنسان فصار هاديه العصا، عجز وأطاع من يأمره.
(٥) القراف: ما عسى أن تقرف به، أي تتهم به من زنا أو نحوه.
[ ١ / ٣٨٩ ]
إذا نزل الحي حل الجحيش شقيا غويا مبينا غيورا (١)
يقول لعبديه حثا النجا وغضا من الطرف عنا وسيرا
تأمل هذه البراعة في التصوير ثم قل بالله هل ينصف من يزعم أن الجاهليين لا يستطيعون إلا وصف الماديات .. انظر إلى دقة الأعشى حيث يجعل الزوج يغار من عبديه فيمن يغار منهم، فيقول لها أسرعا بنا وغضا طرفكما عنا في المسير. ثم قال الأعشى في صفة الفتاة:
فبان بحسناء براقة على أن في الطرف منها فتورا
مبتلة الخلق مثل المهاة لم تر شمسًا ولا زمهريرا
وتبرد برد رداء العرو س بالضيف رقرقت فيه العبيرا (٢)
وتسخن ليلة لا يستطيع نباحًا بها الكلب إلا هريرًا (٣)
ترى الخز تلبسه ظاهرًا وتبطن من دون ذاك الحريرا
وربما يكون عنى بالحرير جسمها.
ثم أخذ الأعشى في وصف الصحراء. وهو باب لا يتكلف له ولا يتعمل، وإنما يكتفي بسرد الصفات، وإتقان النغم:
وبيداء يلعب فيها السرا بلا يهتدي القوم فيها مسيرا
_________________
(١) الجحيش: أراد جحيشًا أي منفردًا، واستعمل اللام للمبالغة. وتعرب الجحيش هنا نائبًا عن المفعول المطلق لا حالًا، أي إذا نزل الحي، نزل هو نزو الجحيش، أو نزولًا جحيشًا، وهذا يشبه في التركيب: «فأرسلها العراك»
(٢) أي الطيب: ورداء العروس رقيق إن نثرت عليه قطرات الطيب في الصيف برد لما يحدثه تبخرها من البرد.
(٣) يعني في ليلة الشتاء الشديد. والكلب لا يستطيع نباحًا لأنه يدخل في البيوت مع الناس ليستدفئ، وقد وضح هذا المعنى الفرزدق في جمهريته: وقاتل كلب الحي عن نار أهله ليربض فيها والصلا متكنف
[ ١ / ٣٩٠ ]
قطعت إذا سمع السامعو ن للجندب الجون فيها صريرا
بناجية كأتان الثميل توفي السرى بعد أين عسيرا (١)
وعسير، صفة للناقة والنصب على المدح.
ثم أخذ في المدح، وهو عنده معرض للموسيقا كوصف الناقة، وهمه فيه أن مهيج الممدوح ويطر به:
وأعددت للحرب أوزارها رماح طوالا وخيلا ذكورا
ومن نسج داود موضونة تساق مع الحي عيرًا فعيرا (٢)
إذا ازدحمت بالمكان المضيق حث التزاحم منها القتيرا (٣)
لها جرس كحفيف الحصا د صادف بالليل ريحًا دبورًا
فأنت الجواد وأنت الذي إذا ما النفوش ملأن الصدورا
جدير بطعنة يوم اللقا ء تضرب منها النساء النحورا
وما مزبد من خليج الفرا ت يغشى الإكام ويعلو الجسورا (٤)
بأجود منه بما عنده فيعطي المئين ويعطي البدورا
أي الصرر من الدنانير أو الدراهم التي فيها آلاف ..
وتشبيه الممدوحين بالفرات المزبد كثير عند الأعشى. وزعم الأستاذ مارون عبود في كتابه «مجددون ومجترون» أن الأعشى أخذه من النابغة حيث يقول:
_________________
(١) كأتان الثميل: أي صلبة. والثميل: هو بقية الوادي والسيل، وأتانه: الصخرة التي تكون فيه، وهي من أصلب الصخر.
(٢) موضونة: يعني درعًا منسوجة محبوكة.
(٣) القتير: المسامير، وليس هذا النعت بجيد، ولكن حمله عليه تجويد اللفظ والنغم.
(٤) الإكام: الروابي.
[ ١ / ٣٩١ ]
وما الفرات إذا جاشت غوار به ترمى أواذيه العبرين بالزبد (١)
يومًا بأجود منه سيب نافلة ولا يحول عطاء اليوم دون غد
من أبيات أحسن فيها صفة الفرات.
وعندي أن كلام الأستاذ مارون هذا غير صحيح. فصفة البحر ف أتقنه المشارقة من شعراء الجزيرة العربية، ولا عجب فقد كانوا على قرب من البحر، وكان العمانيون منهم والبحرانيون أهل ملاحة وغوص. والأعشى أقرب لأن يكون أخذ من خاله المسيب بن علس من أن يكون أخذ من النابغة. على أن تشبيه الجواد بالبحر في ذاته أقدم من الأعشى وأقدم من النابغة كليها. وهو من التشبيهات «الكليشهات» والشاعر إذ يذكره لا يقصد إلى مجرد التشبيه وإنما يرمي إلى التصوير وإتقان الأداء ولا شك أن قول الأخطل من تشبيه في نفس المعنى:
وما مزبد يعلو جزائر حامر يفرج عنها خيزرانا وغرقدا
الخ
جيد بالغ، وإن كان يشتم فيه نفس كلام النابغة، وقوله:
يمده كل واد مترع لجب له ركام من الينبوت والخضد (٢)
ذلك بأنك لا تجد عند النابغة هذه الصورة «يفرج عنها خيزرانا وغرقدا» مع شرف اللفظ وفخامته. [على أن كلام النابغة في ذاته شريف وصوره جيدة]. ولا
_________________
(١) أواذيه: أمواجه.
(٢) الينبوت: ضرب من النبات. والخضد: ما تكسر من قصب أو نحوه، وهو فعل بمعنى مفعول من خضدت الشيء: أي كسرته.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ضير أن يحوم الشعراء حول معنى واحد إن كان فيه متسع للقول، وكان كل مبدع منهم يجد منه مستمدًا فياضًا لإبداعه. ولله در أبي تمام إذ يقول في الشعر:
ولكنه صوب العقول إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب
فالسحائب، لمن لا يدق التأمل، تشابه، وكذلك عودها وبروقها وانهمالها على اختلاف ضروبه. ولكن الشيء الذي لا ريب فيه أن انهمال هذه السحابة ليس هو بانهمال تلك، وإن تشابها. وكل منهما جيد في ذاته. والشعراء جميعًا لم يخرجوا عن حد كونهم من هذا العنصر الآدمي، فلم تلومهم إن توافقت خواطرهم، وتعاقبت على أمر واحد؟
هذا، ونعود إلى ما بدأنا به من الاختيار من شعر الأعشى، قال من متقاربية مطلعها] ديوانه: ١٣ [:
لعمرك ما طول هذا الزمن على المرء إلا عناء معن
وهي جنة من الألفاظ الراقصة:
وما إن أرى الدهر في صرفه يغادر من شارخ أو يفن (١)
فهل يمعني ارتيادي البلا د من حذر الموت أن يأتين
أليس أخو الموت مستوثقًا علي وإن قلت قد أنسان (٢)
أزال أذينة عن ملكه وأخرج عن حضنه ذا يزن (٣)
وخان النعيم أبا مالك وأي امرئ صالح لم يخن (٤)
_________________
(١) اليفن: الكبير السن.
(٢) أنسان: أي أنساني: أخرني.
(٣) عني أذينة بن السميدع.
(٤) أبو مالك أول من نودي «أبيت اللعن».
[ ١ / ٣٩٣ ]
لتكاد تحسب القصيدة كلها وأنت تقرأ هذه الأبيات في الرثاء، ولكنها مدحة. ومن عجيب الأمر أن موضع هذه الأبيات المتشائمة، في غير ما عبوس، غير ناب في القصيدة، بل هو منسجم مع سائر أغراضها، - تجمعه معها رنة الحزن المرح (حزن المحب للحياة الطالب للذائذها قبل أن تنتهي) والكلم الطنان، والروح العذب، أنظر إليه وهو يتحدث عن الحمر، حديث متذكر لمجالسها، طروب بذكراها:
وعاصيت قلبي بعد الصبا وأمسى وما إن له من شجن
فقد أشرب الراح قد تعلمين يوم المقام ويوم الظعن
وأشرب بالريف حتى يقا ل قد طال بالريف ما قد دجن (١)
ثم قال عن الصبا والغزل:
وأقررت نفسي من الغانيا ت إما نكاحًا وإما أزن
ومن كل بيضاء رعبوبة لها بشر ناصع كاللبن
تعاطي الضجيع إذا أقبلت بعيد الرقاد وعند الوسن
صريفية طيبة طعمها لها زبد بين كوب ودن (٢)
ثم أخذ في وصف الصحراء وتخلص من ذلك إلى المدح:
وبيداء قفر كبرد السدير مشاربها داثرات أجن
قطعت إذا خب ريعانها بدوسرة جسرة كالفدن (٣)
فأفنيتها وتعاللتها على صحصح كرداء الردن (٤)
_________________
(١) دجن: أقام.
(٢) في الأصل: صليفية وموضع الخمر صريفين، فاللام تصحيف لا ريب. ولينظر.
(٣) ريعانها: عنى أوائل سرابها - الدوسرة: الناقة الصلبة. الفدن: القصر.
(٤) رداء الردن: أي الرداء المردون أي المغزول - تعاللتها: أي أعملتها على علاتها مرة بعد أخرى.
[ ١ / ٣٩٤ ]
تيممت قيسًا وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شزن (١)
ومن شانئ كاسف وجهه إذا ما انتسبت له أنكرن
وجار أجاوره إذ شتوت غير أمين ولا مؤتمن
ولكن ربي كف غربتي بحمد الإله فقد بلغن (٢)
أخا ثقة عاليًا كعبه جزيل العطاء كريم المنن
هو الواهب المائة المصطفنا ة كالنخل زينها ذو الرجن (٣)
وفي كل يوم له غزوة تحك الدوابر حك السفن (٤)
ترى الشيخ منها لحب الإيا ب يرجف كالشارف المستحن (٥)
وقد يطعن الفرج يوم اللقا ء بالرمح يحبس أولى السنن
فهذا الثناء وإني امرؤ إليك بعمد قطعت القرن (٦)
وكنت أمرأ منا بالعراق عفيف المناخ طويل التغن (٧)
وحولي بكر وأشياعها ولست خلاة لمن أوعدن (٨)
ونبئت قيسًا ولم أبله كما زعموا خير أهل اليمن
_________________
(١) ذو شزن: أي غلظ وتجهم.
(٢) أي بلغني، والمعنى متصل بالبيت التالي على طريقة التضمين.
(٣) أي الفلاح المقيم عليها. والرجن: الإقامة.
(٤) السفن: المبرد، والدوابر: دوابر الخيل، وهذا كقول زهير. «الراجع الخيل محفاة مقودة من بعد ما جنبوها بدنا عققا»
(٥) الشارف من الإبل كالشيخ من البشر.
(٦) القرن: الحبل، وعنى حبل الإقامة بوطنه.
(٧) أي التغني، ومثل هذا كثير في القصيدة.
(٨) الخلاة: واحدة الخلا، وهو الحشيش، وعنى: لم أكن حقيرًا ولا عبدًا للموعدين.
[ ١ / ٣٩٥ ]
رفيع الوساد طويل النجا د ضخم الدسيعة رحب العطن (١)
فتأمل ما اخترناه لك من هذه القصيدة كيف تجده جمع بين التأمل والأشواق، والتذكر للذات الشباب، والصفة البارعة للسفر مع المدح المصفى، وحنين الشيخ إلى أوطانه، ثم ذلك بخلطه ببراعة الخاطر وحسن التأتي، والفكاهة والبلاغة التي تصل إلى أعماق القلب وانظر إليه كيف يفتن في وزن المتقارب، وكيف يطرد به وينساق، ثم هو مع ذلك لا يفتأ ينوع فيه، تارة يأتي بالصدر كالمساوي للعجز، وتارة ينقصه من ذلك، مثال ذلك قوله: «وكنت امرأً زمنًا بالعراق» هذا شطر، وقوله: «رفيع الوساد طويل النجا» هذا شطر، والأول أطول من الثاني. وأكثر القصيدة يسير على منهاج الثاني، ولكن الأعشى لبراعته في التغني يستريح إلى الطراز الأول بين حين وآخر. ثم تأمل رنة القافية، وما يخالط نونها الساكنة من تشديد خفي يجعلها ملء الفم، وما افتن فيه الشاعر من حذف الياءات - أتحسب كل ذلك أريد به شيء غير مجرد الإطراب؟
وقال من متقاربية أخرى هي من عيون شعره يصف الخمر] نفسه ٢٨ [:
وصهباء طاف يهوديها وأبرزها وعليها ختم
وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم
تمززتها غير مستدبر عن الشرب أو منكر ما علم
فهذا عندي من أجمل ما قيل في الخمر ولاسيما صفة اليهودي وصلاته وإعجابه بالخمر التي كان يبيعها -، ثم قال الأعشى وكل هذا في مطلع القصيدة:
وأبيض كالسيف يعطي الجزيل يجود ويغزو إذا ما عدم
تضيفت يومًا على ناره من الجود في ماله أحتكم
_________________
(١) ضخم الدسيعة: أي كريم عظيم العطايا، وأصله من الدسع، وهو الدفع. والعطن: مكان الإبل وكني به عن اتساع الصدر للحلم، والكنف للمعروف.
[ ١ / ٣٩٦ ]
ثم ذكر الصحراء، وخلص إلى صفة الممدوح في منهاج شبيه جدًا بما رأيناه في قصيدته السابقتين:
ويهماء تعزف جنانها مناهلها آجنات سدم (١)
قطعت برسامة جسرة عذافرة كالفنيق القطم (٢)
كتوم الرغاء إذا هجرت وكانت بقية ذود كتم (٣)
إلى المرء قيس أطيل السرى وأخد من كل حي عصم
وكم دون بيتك من معشر صباة الحلوم عداة غشم (٤) ٩
إذا أنا حييت لم يرجعوا تحيتهم وهم غير صم
وإدلاج ليل على خيفة وهاجرة حرها يحتدم
وإن غزاتك من حضرموت أتتني ودوني الصفا والرجم (٥)
تؤم ديار بني عامر وأنت بال عقيل فغم (٦)
أذاقتهم الحرب أنفاسها وقد تكره الحرب بعد السلم
أخو الحرب لا ضرع واهن ولم ينتعل بقبال خذم (٧)
وما مزبد من خليج الفرا ت جون غواربه تلتطم (٨)
_________________
(١) بهاء: صحراء مبهمة. الجنان: الجن. تعزف: تصوت: آجنات سدم: أي متغيرة من القدم.
(٢) الرسامة: الناقة السريعة. الجسرة: القوية، وكذلك العذافرة. والفنيق: الفحل، والقطم: ذو الزبد.
(٣) أي تكتم رغاءها وهي من نسل إبل تفعل ذلك .. والذود: القطعة من الإبل.
(٤) غشم: جمع غشوم.
(٥) الصفا والرجم: موضعان.
(٦) فغم، من فغم بالشيء فغما: أي حرص عليه. وكلب فغم: أي حريص على الصيد. وعقيل بن كعب بن عامر ابن صعصعة - أي تقصد بني عامر وخاصة بني عقيل.
(٧) الخدم: المنقطع يدل على حزمه، أي أنه لا يخرج غير مستعد، ولا أحسبه أراد إلى غناه، فان القبال كان يضرب به المثل في الحقارة.
(٨) مزبد: أي بحر مزبد. جون: قاتم اللون للريح والسحب. غواربه: أمواجه.
[ ١ / ٣٩٧ ]
يكب الخلية ذات القلا ع قد كاد جؤجؤها ينحطم
الخلية: السفينة العظيمة. والقلاع: جمع قلع بكسر القاف، وهو الشراع.
والجؤجؤ مقدم السفينة:
تكاكأ ملامحها وسطها من الخوف كوثلها يلتزم
والكوث: سكان السفينة، أي ملاحها من الخوف يلتزم سكانها. وهذا من أجود ما قرأته في وصف البحر، ويدل على معرفة به - على أني لا أدفع الشبه بينه وبين قول النابغة:
يظل من خوفه الأخ معتصمًا بالخيزرانة بعد الأين والنجد
ولا يخفى عليك أن قول النابغة (بعد الأين والنجد) تطويل وليس في كلامه على حسنه ما في قول الأعشى «تكأكأ» الخ من دقة التصوير فالأعشى لاشك كان أكثر معرفة بالسفن من النابغة. وأسوق لك شاهد آخر من شعره يؤكد لك ما أقوله، وهو قوله:
وما رائح روحته الجنو ب يروي الزروع ويعلو الدبارا (١)
يكب السفين لأذقانه ويصرع بالعبر أثلًا وزارا (٢)
إذا رهب الموج ملاحه يحط القلاع ويرخي الزيارا (٣)
بأجود منه بأدم الركا ب لط العلوق به احمرارا (٤)
فهذا يدل على خبرة بينة لاسيما البيت الثالث. ذلك بأن الريح إذا اشتدت
_________________
(١) في الأصل الديار وأحسبها بالباء الموحدة لا المثناة، أي الحدائق.
(٢) الزار: شجر.
(٣) الزيار: حبل الشراع، وأصل الزيار: حبل الدابة.
(٤) أدم الركاب: الإبل البيض. لط: ألصق. العلوق: عنى حسن العلف. احمرارًا: سمنا.
[ ١ / ٣٩٨ ]
شيئًا فمن الخطل في الملاحة أن تجذب حبل الشراع، فإن ذلك يقلبها إن كانت صغيرة، وقد يحطم الشراع إن كانت كبيرة. والوجه أن ترخي حبل الشراع، فان لم يغن ذلك أنزلت الشراع أو لففته واستغنيت عنه. ولا فرق في هذا بين أن يكون إبحارك مع الريح أو عكسها أو مقاطعة لها على زاوية قائمة. ولعل في هذه الأبيات الرائية التي ذكرناها دليلًا مقنعًا لمن يتهم الأعشى بالسرقة من النابغة، أن الأمر ليس كذلك وأن الرجل كان يتغنى بما يعرف، وقد سافر في البر والبحر وبلا من ذلك ضروبًا. وانظر إليه يصف أسفاره في الميمية ويخاطب ابنته:
تقول ابنتي حين جد الرحيل أرانا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا فإنا بخير إذا لم ترم (١)
ويا أبتا لا تزل عندنا فأنا نخاف بأن تخترم
أرانا إذا أضمرتك البلا د نجفى وتقطع منا الرحم
أفي الطوف خفت على الردى وكم من رد أهله لم يرم (٢)
وقد طفت للمال آفاقه دمشق وحمص وأوري شلم
أتيت النجاشي في أرضه وأرض النبيط وأرض العجم
ثم أخذ الأعشى بعد ذلك في القصص وضرب الأمثال:
ألم ترى الحضر إذ أهله بنعمي وهل خالد من نعم (٣)
أقام به سابور الجنو د حولين تضرب فيه القدم (٤)
_________________
(١) أي لم تذهب، من رام بريم: برح يبرح.
(٢) أي لم يرم أهله: لم يبرح الخ، وفي الأصل «أفي الطرف وهو تصحيف يعني: أتخافين أن أموت بسبب التجول، فكم من مقيم في داره قد مات؟
(٣) الحضر: هو قصر الضيزن وكان حصينًا، وكان محصنًا بطلسم سحري، فحاصره سابور فلم يستطع اقتحامه، ثم عشقته بنت الضيزن فأعلمته بالطلسم. والقصة مشهورة تجدها في مقدمة معجم ما استعجم للبكري.
(٤) جمع قدوم، وهو ضرب من الفئوس، ويقال له عندنا «قدوم» في العامية ينشديد الدال وهي صحيحة.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وأتم القصة وانتقل إلى غيرها. ومن المؤسف حقًا أن هذا الجزء القصصي من القصيدة قد ضاع أكثره فلم تبق منه إلا أبيات:
وأُنشد القارئ قطعة أخرى من متقارب الأعشى يصف الخمر [نفسه]:
أتاني يؤمراني في الشمو ل ليلًا فقلت له غادها (١)
أرحنا نُباكر جد الصبو ح قبل النفوس وحسادها
فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونةٍ عند حدادها
أي إلى شراء دن أسود قد احتفظ به صاحب حانوت من الضرب الحريص.
تنخلها من بكار القطاف أزيرق آمن إكسادها (٢)
أي أزيرق الطرف من الروم أو سواهم من صهب السبال.
فقلنا له هذه هاتها بأدماء في حبل مقتادها (٣)
فقال تزيدونني تسعةً وليست بعدلٍ لأندادها (٤)
فقلت لمنصفنا أعطه فلما رأى حضر شهادها (٥)
أضاء مظلته بالسرا ج والليل غامر جدادها
أي جوانبها، عني جوانب المظلة (البيت الشعري) الذي كان فيه صاحب الخمر.
_________________
(١) أي أشرب صباحًا، ومعنى هذا: أن يشربها من الليل فلا يراه الناس فيسبقوه إليها، ويحسدوه على سبانها. وقد كانت العرب تعلي شأن الخمر، وتغالي بها، وقال في ذلك أبو محجن «أقومها زق بحق» أي الزق بناقة حقة.
(٢) تنخلها: تخبرها من أبكار الكروم. وآمن إكسادها: أي واثق أنها ستباع رابحة.
(٣) أي بعنا هذه الخابية بناقة حمراء توصل إليك.
(٤) أي هي فوق ما عسى أن يقال لكم إنه من صنفها.
(٥) المنصف: الخادم- تأمل هنا أن مع الأعشى خادمًا، وأنه يدفع ناقة وتسعًا من القطع الذهبية أو الفضية ليشري بها خابية. وهذا يدل بلا ريب على وجود طبقة «أرستقراطية» بين عرب الجاهلية.
[ ١ / ٤٠٠ ]
دراهمنا كلها جيد فلا تحبسنا بتنقادها
فقام فصب لنا قهوةً تسكننا بعد إرعادها
كميتٍ تكشف عن حُمرةٍ إذا صرّحت بعد إزبادها
أي هي أول أمرها بين السواد والحمرة لما يخالطها من الزبد، فإذا سكن زبدها وصفت بدا لونها أحمر صريحًا. فانظر إلى هذه الدقة والإبداع رحمك الله.
كحوصلة الرأل في دنها إذ صوبت بعد إقعادها (١)
فجال علينا بإبريقه مخضّب كف بفرصادها (٢)
فباتت ركاب بأكوارها لدينا وخيلٌ بألبادها (٣)
لقوم فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل إنفادها
فرحنا تنعمنا نشوةٌ تجور بنا بعد إقصادها
وقال في وصف الرحلة إلى الممدوح:
تؤم سلامة ذا فائش هو اليوم حم لميعادها (٤)
وكم دون بيتك من صفصفٍ ودكداك رملٍ وأعقادها (٥)
ويهماء بالليل غطشى الفلا ة يؤنسني صوت فيادها
_________________
(١) الرأل: ولد النعام، وفي السودان يقال «رول».
(٢) وصف الغلام الساقي المخضب كثير في الشعر الجاهلي، وقد كان يخيل له دهرًا أن الشعراء لا يريدون إلى غير مجرد وصف الساقي ليدلوا على أنه أجنبي، وذلك أجود للخمر والشراء، فيذكرون خضابه ونطف أذنيه. وقد بدا لي بأخرة أن هذا الغلام الساقي لا بد أن قد كان من متممات مجلس الشراب الجميل، والمدفق في أوصاف السقاة لا يكاد يعفيها من تهمة غزلية.
(٣) أي هذه الركاب لقوم، والقوم هم الشاعر وأصحابه. ثم مدح نفسه وصحبه بأنهم أكفاء للشراب ينفدونه قبل أن يأتي على عقولهم.
(٤) حم: قصد.
(٥) الأعقاد: جمع عقد، وهو كثيب الرمل المنعقد.
[ ١ / ٤٠١ ]
ووضع سقاءٍ وإحقابه وحل حلوسٍ وإغمادها
هذا والله الشعر، لا ما نعلل به اليوم. انظر هداك الله إلى هذا الوشي الحبرة، إلى هذا النغم المسكر، وهذا التغني المندفع لا يقفه شيء. بحسب العربية من التراث متقاربيات الأعشى وحدها، ولولا أن أطيل وأَضيّع غرضي من هذا الكتاب لأنشدتها جميعًا مشروحة، ثم ثنيت بها من غير شرح خالصة ليندفع فيها القارئ. وما إخالها أريد بها إلا أن توقع في نوع من الإنشاد السهل البسيط الشجي. وما أرتاب أن الأعشى كان يتغنى بها فيفيد ممدوحه بذلك لذة الطرب بالنغم مع لذة الطرب بالبلاغة.
ولعمري لقد أفسد الأعشى بحر المتقارب على من بعده. فقد أفرغ فيه نفسه إفراغًا حتى لتكاد ترى شخصه، شيخًا فرح النفس، ذكيّ الفؤاد، عارفًا بفن القصص، حريصًا على إمتاع الناس.
وإني لما يطول تعجبي من مقالة الدكتور طه حسين في كتاب الأدب الجاهلي: «وخلاصة رأينا في الأعشى أنه شاعر عاش في آخر العصر الجاهلي، وتصرّف في فنون الشعر، أظهرها الغزل والخمر والوصف، ومدح طائفة من أشراف العرب. ولكن العصبية استغلت هذا المدح. ولعله كان قد ضاع فأضافت إليه مكانه مدحًا كثيرًا لليمنيين والربعيين، ومدحًا قليلًا للمضربين. ولاشك في أن بين هذا الشعر الذي يضاف إلى الأعشى مقطوعات وأبياتًا يمكن أن يكون الأعشى قد قالها حقًا، ولكن تمييز هذه الأبيات والمقطوعات مما يحيط بها من المنحول المتكلف ليس بالشيء اليسير. على أن هذا المنحول الذي يضاف إلى الأعشى مختلف أشد الاختلاف ففيه الجيد المتقن، وفيه الضعيف السخيف إلخ- ص ٢٥٣».
أقول: يطول تعجبي، لأن «الدكتور طه حسين» من دقة الذوق والمعرفة
[ ١ / ٤٠٢ ]
بجوهر الشعر بحيث لا يخفى عليه مكان البراعة والروعة من أمثال ما قدمنا من الشواهد، وبحيث لا يغيب عنه أن مثلها أقرب لأن يكون صحيحًا كله، من أن يكون منحولًا جله، لأن فيه طابعًا قويًا من شخصية حية وأسلوب حيّ، لا يرقى الانتحال إلى مثل مراقيه. ومما يُخفف التعجب شيئًا، ويريح النفس كثيرًا أن طبع الدكتور طه لصفائه، أبى أن ينكر شخصية الأعشى، كما أبى أن ينكر في شعره ما ليس بمنحول وما لا ريب في صحة نسبته «على أن تمييز ليس باليسير» كما قد قال.
ومما يريح النفس أيضًا أن كلام الدكتور طه هذا قد وقع في كتاب من كتبه القديمة، وما أشك في أنه الآن قد رجع عن أكثره ولا سيما في شأن متقاربيات الأعشى، فإنها من نصوع الطريقة ووضوح المذهب، بحيث تصلح أن تكون مقياسًا يعرف به الصحيح من الزائف في شعر هذا الرجل، فالشك جديرٌ لأن يكون عنها بمكان عزيب.
وبعلد فلعل مما قدمناه لك من شواهد مختلفة -أيها القارئ الكريم- أن يكون نصًا صريحًا فيما زعمناه بدءًا من أن المتقارب بحر تغن من النوع المناسب المتدفق، وأنه من أيسر البحور لمن يريد النظم، وأعصاها لمن يحاول الإحسان والإتقان لما يتطلبه من سلامة الطبع وامتداد النفس.