هذا البحر عند العروضيين من جنس الكامل، وأخوه في دائرته الثانية، ووزنه عندهم في صيغته التامة:
مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن
وهذه الصيغة خيالية لم يستعملها شاعر. والعروضيون مولعون بالصيغ
[ ١ / ٤٠٣ ]
الخيالية. وقد احتالوا على وزنهم هذا المفتعل، فأدخلوا عليه علة (اسمها القطف، وهي إسقاط آخر سبب خفيف وإسكان ما قبله) في الضرب وفي العروض فتحصلوا على الوزن:
مفاعلتن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن
وهو الوزن المستعمل من الوافر، ولو قد التفتوا لمكان «فعولن» من هذا الوزن المستعمل لأدركوا أن أصله من المتقارب لا من الوزن المفتعل «مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن» وحقيقته:
فعول فعو. فعول فعو. فعولن فعول فعو. فعول فعو. فعولن
فهذا متقارب كله كما ترى.
ومثال الوزن الوافر التام من الكلمات:
معاكسة. مشاكسة. قتال ملاحظةٌ. مناظرةٌ. نزال
نعم وأجل. أجل ونعم. وهل في.
إذا لولا .. لقد عن في. وهلا
ولعلك لاحظت أن هذا الوزن تكثر فيه المقاطع القصيرة، ويتوالى منها اثنان في الجزء الواحد. «معاك س تن. مشاك س تن. قتالن».- لاحظ مكان الكاف والسين من «معاكسة» و«مشاكسة»، ومكان الحاء والظاء من «ملاحظة» والظاء والراء من «مناظرة» وتوالي المقطعين هذا يكسب الوزن نوعًا من ثقل، لو كثر وتوالى في كل بيت صار رتيبًا للغاية، والشعراء مما يحتالون عليه، فيسكنون المتحرك الخامس من الجزء أحيانًا هكذا «مفاعلتن ملاحظ تن فعولن معاكسةٌ مجادلةٌ نزولن» وهذا التغيير الطفيف يسميه العروضيون عصبًا. ومن أجل هذا التغيير كثيرًا ما تجد وزن الوافر هكذا:
[ ١ / ٤٠٤ ]
مفاعلتن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن
بتسكين الخامس من إحدى التفعيلتين الأوليين أو منهما معًا. و«مفاعلتن» كما لا يخفى تساوي «مفاعيلن» في الوزن. فهذا قولنا في معرض الحديث عن الهزج إنه من الوافر لأن وزنه يأتي بتكرار مفاعيلن أربع مرات.
وهاك عبثًا نمثل به لوزن الوافر كما هو مستعمل:
مقاتلةٌ مضاربةٌ ضريب مقاربة مغاصبة غصوب
مصابيح فوانيس صباح مطاميرٌ مسامير ضخام
خروفكم جرى لما رآني خروفكم له عقل ذكي
خروفكم رأى السكين عندي خروفكم مفاعلتن فعول
رأى السكين تلمع في يميني مفاعيلن خروفكم غبي
ذبحت خرو، ذبحت خرو، خروفا سمينًا لحمه لحم طري
مفاعيلن لنا كلب فعولن لنا كلبٌ فعولن نروجي
يحب اللحم فاعلتن ولكن جرى ذاك الخروف الألمعي
وقد تحدث في وزن الوافر تغييرات أخر غير ما ذكرناه من أمر العصب كأن تقول:
أنست بك، نظرت لك حبيبي حبيبي يا حبيبي يا حبيبي
فكلا الكافين من «بك» و«لك» يحتاجان إلى مد لكي يستقيم الوزن على الأصل. ومثل هذا زحافٌ تنبو عنه الأذن شيئًا، ويدخل الوافر الخرم وهو سقوط أول متحرك. وفي الغالب يكون هذا المتحرك واو العطف. كأن تقول:
مالك والتلدد حول نجد
[ ١ / ٤٠٥ ]
واستقامة الوزن أن تقول. «ومالك والتلدد حول نجد». وهاك أبياتًا في الوافر من شعر عبد الله بن الصمة القشيري من شعراء الحماسة:
أقول لصاحبي والعيس تهوي بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجدٍ وريا روضه بعد الفطار
وأهلك إذ يحل الحي نجدًا وأنت على زمانك غير زار
شهورٌ ينقضين وما شعرنا بأنصاف لهن ولا سرار
فأما ليلهن فخير ليلٍ وأقصر ما يكون من النهار