قال رئيس الأدباء، وعميد الفضلاء، نور الدين أبو الحسن علي بن الوزير العالم أبي عمران موسى بن محمد بن بد الملك بن سعيد بن خلف بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان ن محمد بن عبد الله بن عمار بن ياسر العنبسي الأندلسي ﵀: أما بعد، حمدًا لله الذي شرف الإنسان، على سائر أنواع الحيوان، بنطق اللسان، ثم جعل أشرف بني آدم من إرتقت درجته في ذلك، وتلاعب بأطراف الكلام المشقق قي تلك المسالك، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي الهدى والرحمة، الذي أتاه الله من جوامع الكلام ما هو أجلى من مصابيح الظلمة، القائل أن من البيان لسحرًا، وأن من الشعر لحكمة، فإن الله جل وعلا جعل قيمة كل أمريء ما يحس ويقول، وشرف بأن تأخذ الإفهام منها على قدر القرائح والعقول، ولم يكن من أعنتها ما هو عن مجال رجالها قاصر، وحباها في كل عصر بأكرم ولي وأعز ناصر، ولم يقصر الفضل على من تقدم، وأبان لنا مطارح القصور بمن جعل جنته (هل غادر الشعراء من متردم)، وأجرى الحقيقة على لسان القائل:
فلو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت حياضك منه في العصور الواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلت سحائب منه أعقبت بسحائب
وهدى إلى تبيين العلة، من قال في ذلك فشفى الغلة:
وعنى الناس بإمتداح القديم وبذم الحديث غير الذميم
ليس لأنهم حسدوا الحي فرقوا على العظام الرميم
وله در القائل: أن المتقدمين بنوا فأرتقوا، وأن المتأخرين زينوا ونمقوا، ورأيت في رسالة وأن لكل زمان، ما يليق به من البيان، وفي أخرى الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم،، ولم تزل البلاغة في كل عصر بالمشارق والمغارب، تطلع ما يزين سماءها من شمس وبدر وكواكب، والمصنف من أطال عنان الإختبار، دون إقتصار، ولم يخص بالفضيلة عصرًا من الأعصار، ولا مصرًا من الأمصار، وإني لما تغلغلت في الرحلة ما بين مشرق ومغرب، وملأت سمعي من كل معجب بنفسه ومعجب، ولقيت من الخائضين في النظم وانثر، ما أشار إليه القائل بقوله الذي هو على الغرض أدل النسيم على الزهر:
ألناس كالأرض ومنهاهم من خشن فيها ومن لين
مر وتشكي الرجل منه الأذى وأثمد يجعل في الأعين
قمت محتسبًا للبلاغتين، وتبيين طبق الصناعتين، فأشتغلت بالكتاب الموسوم بجمع المرقصات والمطربات، وما يعنون به عن سائر الطبقات، وهو محتو على ما يتضمنه من الغرض المذكور كتاب المشرق، في حلى أهل المشرق، وكتاب المغرب، في حلى أهل المغرب، ولما شاع ذكر إشتغالي بالجامع المذكور تطلعت إليه، همم أحالت أمانيها في الغرض من هذا الشأن عليه، وتكرر الطلب والسؤال، قبل أن ينتهي إلى غاية الكمال، فجعلت هذا الكتاب كالمقدمة بين يديه، وصنفته ليكون كالمدخل إليه " وسميته المرقصات والمطربات "، وضمنته من النثر زهرات، مقتطفة بسهل حفظها، ومن النظم بدائع أبيات، لا يشق على القلب والطرف ذكرها ولحظها، مما يحاكى شعشعة الشمس على صفحات الأنهار، ورقرقة الظل في لحظات الأزهار، ليرف على مائيته ريحان القلوب، ويعطيه السمع لحظ المحب إلى المحبوب.
من كل معنى ولفظ كخمرة في زجاجة
يسري النسيم إليه يبغي لديه علاجه
ولم أتجاوز في النظم ألف بيت، مما لا تحدي عليه بلو ولا ليت، " ورتبته " على الأعصار ترتيب الفرائد في العقود، ومزجت المرقصات والمطربات فيه مزج الجمرة بالبياض في الخدود، وفصلت ما بين فضلاء الشرق وفضلاء الغرب، كما فصل بين الجمعين حكم الطعن والضرب، ولم أتعرض للكلام على التنقيص والترجيح، ولا تصرفت في طريقتي التقبيح والتلميح، بل بقليل النثر فصلًا بعد فصل، وبالألف من النظم بيتًا إثر بيت، مجردًا جميع ذلك لتسهيل الحفظ بالله الإستعانة، ومن نضله نسأل الإبانة، " الطبقات التي بني الجامع المذكور على الكلام فيها خمس ": المرقص، والمطرب والمقبول، والمسموع، والمتروك.
[ ١ ]
المرقص ما كان مخترعًا أو مولدًا يكاد يلحق بطبقة الإختراع، لما يوجد فيه من السير الذي يمكن أزمة القلوب من يديه، ويلقى منها محبة عليه وذلك راجع إلى الذوق والحس مغن بالإشارة، عن العبارة، كقول إمريء القيس في القدماء:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالًا على حال
وكقول وضاح اليمن:
قالت لقد أعييتنا حجة فأت إذا ما هجع السامر
وأسقط علينا كسقوط الندى ليلة لا ناه ولا آمر
وكقول إبن حمديس الصقلي في المتأخرين:
من قبل أن ترشف شمس الضحى ريق الغوادي من ثغور الأقاح
وقول أبي جعفر بن طلحة زير إبن هود سلطان الإندلس وكاتبه:
والشمس لا تشرب خمر الندى في الروض إلا بكؤس الشقيق
والمطرب: ما نقص فيه الغوص من درجة الإختراع إلا أن فيه مسحة من الإبتداع كقول زهير في المتقدمين:
تراه إذا ما جئته متهللًا كأنك نعطيه الذي أنت سائله
وقول حبيب في المتأخرين:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه لجياد بها فليتق الله سائله
والمقبول: ما كان عليه طلاوة مما لا يكون فيه غرض على تشبيه وتمثيل وما أشبه ذلك كقول طرفة في المتقدمين:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وقول إبن شرف في المتأخرين: لا تسأل الناس والأيام عن خبري هما يبثانك الأخبار تطفيلا والمسموع: ما عليه أكثر الشعراء مما به القافية والوزن دون أن يمجه الطبع ويستشقله السمع كقول أمريء القيس:
وقوفًا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل
وقول إبن المعتز:
سقى الجزيرة ذات الظل والشجر ودير عبدون هطال من المطر
والمتروك: ما كن كلا على السمع والطبع كقول المتنبي:
قلقلت بالهم قلقل الحشا قلاقل عيس كلهن قلاقل
والمقتصر على إيراده في هذا العنوان من الطبقات المذكورة ما كان من طبقتي المرقص والمطرب " وكلاهما دائر على غوص الفكرة، وإثارة المعاني، وإلى ذلك أشار والدي بقول:
إذا أنت لم تشعر بمعنى نثيره فقل أنا وزان وما أنا شاعر
وقد يلي من طبقتي المسموع والمقبول، ما يكون توطئة للمرقص والمطرب، فأجعله من جملة العدد ما يتعلق به، ومعظم الإعتماد في هذا الكتاب على النظم لكونه أعق في الأفكار، وأرجو في الأقطار، وهو معين على نفسه، في تذكاره ودرسه، ولم نخل بإهمال النثر بالكلية، بل أوردنا منه ما يكون كالعلم في الحلة الموشية، والنثر في كلامهم يطلق على ما هو مقيد بالسجع، وما هو غير مقيد وجميع نثر القدماء داخل في طبقة المقبول وما تحتها، وفي الجامع المتقدم الذكر ترتيب ذلك على ألإعصار، مستوفي منه ما يختار، إستيفاء مختار الأشعار، ولا نورد هنا إلا ما كان مقيدًا بالسجع المسهل للفظ مما هو داخل في طبقتي المرقص والمطرب، جبًا على ما إعتمدنا عليه في النظم، " عبد الحميد بن يحيى ": أمام بلغاء الكتاب، والقدرة في ضرب المثل، ومما يليق أن يثبت من نثره في هذا كتاب قوله من رسالة تب بها عن آخر خلفاء بني أمية وهو مروان الجعدي لفرق العرب حين فاض العجم من خراسان بشعار السواد قائمين بالدولة العباسية: فلا تمكنوا ناصية الدولة العربية، من يد الفئة العجيبة، وأثبتوا ريثما تتجلى هذه الغمرة، ونصحو من هذه السكرة، فسينضب السيل، وتمحى آية الليل، والله مع الصابرين، والعقبة للمتقين.
" إبراهيم بن العباس الصولي ": هو إمام كتاب الدولة العباسية في ذلك العصر، وقد حكى صاحب كتاب زهر الآداب، أنه ورد كتاب من بعض الكتاب إلى إبراهيم بن العباس، يمدح رجل ويذم آخر، فوقع: إذا كان للحسن من الجزاء ما يقنعه، وللمسيء من النكال ما يقمعه، بذل المحسن ما يجب عليه رغبة، وإنقاذ المسيء لما يكفله رهبة، فوثب الناس يقبلون يده.
" عبد الله بن المعتز ": كان ينحو في نثره من التشبيهات والتخييلات، وسائر ما يلوح عليه، غوص فكرة، منحى طريقة في النظام، فصدر عنه ما يليق بهذا الكتاب مثل قوله:
[ ٢ ]
الأرض عروس مختالة في حلل الأزهار، متوجه بأكاليل الأشجار، موشحة بمناطق الأنهار، والجو خاطب لها، وقد جعل يشير بمخصرة البرق، ويتكلم بلسان الرعد، وينثر من القطر أبدع نثار.
" أبو الفضل بن العميد ": إمام الكتاب في المائة الرابعة، وقال صاحب اليتيمة: أجمع أهل البصرة في الترسل على أن رسالته التي كتبها إلى بلكا عند إستصعابه عن ركن الدولة غرة كلامه، وواسطة عقده منها قوله: كأبي وأنا مترجح حرمة، وتمت بسالف خدمة، أيسرهما يوجب رعاية، ويقتضي محافظة وعناية، ثم تشفعهما بحديث غلو وخيانة، وتتبعهما بأنف خلاف معصية، وأدنى ذلك يحيط أعمالك، ويمحق كل ما يرعى لك، لا جرم إني وقفت ين ميل إليك وميل عنك، أقدم رجلًا لصدمك وأؤخر أخرى عن قصدك وابسط يدًا لإصطلامك وأجتاحك، وأثني ثانية نحو إستبقائك وإستصلاحك، والوقف عن إمتثال بعض الأمور فيك ضنًا بالنعمة عندك، ومنافسة في الصنيعة لديك، وتأملًا لفيئتك وأنصرافك، ورجاء لمراجعتك وأنعطافك، فقد يعزب العقل، ثم يؤب ويغرب اللب، ثم يثوب ويذهب العزم، ثم يعود ويفسد الحزم، ثم يصلح ويضاع الرأي، ثم يستدرك ويسكر المرء ثم يصحو، ويكدر الماء ثم يصفو، فكل ضيقة فإلى رخاء، وكل غمرة فإلى إنجلاء، وكما أنك أتيت من أساءتك ما لم تحتسبه أو لياؤك، فلا بدع أن تأتي من حسناتك ما لا يرتقبه أعداؤك، وكما إستمرت بك الغفلة حتى ركبت ما ركبت وأجترمت، ما إجترمت، فلا عجب أن تنتبه إنتباهة تبصر فيها قبح ما صنعت، وسوء ما دبرت وأبرمت، وسأجري على رسمي في الإبقاء والمماطلة ما صلح، وعلى الإستياء والمطاولة ما أمكن، طمعًا في إنابتك، وتحكيمًا لحسن الظن بك، فلست أعدم فيما أظاهره من أعذار، وأرادفه من إنذار، إحتجاجًا عليك، وأستدراجًا لك، وأن يشا الله يرشدك، ويأخذ بيدك إلى إصلاحك ويسددك، أنه على كل شيء قدير.
ومنها: وقد هدده وعدد عليه بين نعمة ونقمة، تأمل حالك وقد بلغت هذا الفصل من كتابي والمس جسدك وأنظر هل يحس؟ وجس عرقك وأنظر هل ينبض؟ وفتش ما إنحنت عليه إضلاعك هل تجد فيه قلبك؟ ثم قس غائب أمرك يشاهده وآخر شأنك بأوله.
قال الثعالبي: لغني عن بكار وكان من آرب أمثاله أنه كان يقول: والله ما كان لي عند قراءة هذا الفصل إلا كما أشار إليه الأستاذ العميد، ولقد كفى كتابه عن الكتائب في عرك أديمي واستصلاحي، وردّي إلى طاعة صاحبي.
قال إبن سعيد: هذه الرسالة وأن أطنبوا فيها وجعلها الثعالبي واسطة عقد ترسل إبن العميد، فإنها من طبقة المقبول، ولكن قد خامرها من تغلغل الفكر في ترصيفها، وأثارت ما إنطوت عليه من المقاصد الماثلة بالإسماع ما بالإسماع ما يعلقها بأهداب المطر على الإصطلاح المقرر في هذا الكتاب، وفيها أيضًا من إهمال التقيد بالسجع ما هو خارج عن شرط هذا الكتاب، وليس فيه ما يجري مجراها سواها، والغرض في إيرادها أن يكون عنوانًا عن نمطها، فهي من أرفع طبقاتها، وصاحبها جليل القدر، عظيم الذكر، لا يليق أن يهمل إسمه، ولا يغفل ما يلوح عليه فهمه.
" أبو الفتح بن أبي الفضل بن العميد ": ذكر الثعالبي أن أباه كان قد بالغ في تأديبه وتهذيبه، وجعل عليه عيونًا بالنظر لما يصدر عنه، فاعلم أنه إستدعى من صديق شرابًا ليلة أنس؛ فوجه لذلك الشخص، وأستدعى منه الرقعة التي كتب بها فوجد فيها: قد إغتنمت الليلة أطال الله بقاءك سيدي ومولاي رفدة من عين الدهر، وإنتهزت فرصة من فرص العمر، وأنتظمت مع أصحابي في سلك الثريا، فن لم نحفظ علينا هذا النظام، بإهداء المدام، عدنا كبنات نعش والسلام. فأستطير أبوه فرحًا وإعجابًا بهذه الرقعة، وقال: لآن ظهر أثر براعته، ووثقت بجريه في طريقي، ووقع له بألفي دينار.
" أبو إسحاق الصابي ": مكانته في أئمة الكتاب مشهورة ومعظم ترسله من طبقة المقبول، وكثيرًا ما يمل تقييد السجع، ومما يدخل من ترسله في طبقة المطرب، قوله: هو أخفض قدرًا ومكانة، وأظهر عجزًا ومهانة، من أن تستقبل به قدم في مطاولتنا، أو تطمئن له ضلوع على منابذتنا، وهو في نشوزه عنا وطلبنا إياه كالضالة المنشودة وفي ما نرجوه من الظفر به كالظلامة المردودة. " ومن أخرى ": وقد نزع به شيطانه، وأمتدت في الغي أشطانه.
[ ٣ ]
" الصاحب بن عباد ":هو تلميذ إبن العميد، ولكنه فوقه بالصعود في طبقتي المرقصات والمطربات، كقوله: نحن سيدي بمجلس غني إلا عنك، شاكر إلا منك، قد تفتحت فيه عيون النرجس، وتوردت خدود البنفسج، وفاحت مجامر الأترج، وفتقت فارات النارنج، وأنطلقت السن العيدان، وقام خطباء الأوتار: هبت رياح الأقداح، ونفقت سوق الأنس، وقام منادي الطرب، وطلعت كواكب الندمان، وأمتد سماء الند، فبحياتي، إلا ما حضرت لنحصل بك في جنة الخلد، وتتصل الواسطة بالعقد. " وقوله في أخرى ": مجلسنا يا سيدي مفتقر إليك، معول في شرفه عليك، فقد أبت راحته أن تصفو إلا أن تتناولها يمناك، وأقسم غناؤه أن لا يطيب حتى تعيه أذناك، فأما خدود نارجه فقد إحمرت خجلًا لإبطائك، وأما عيون نرجسه فقد حدّقت تأهيلًا للقائك، فبحياتي عليك، إلا ما تعجلت عليك، إلا ما تعجلت لهذه الأوطار، لئلا يخبت من يومي ما طاب، ويعود من همي ما طار، وكقوله: لا إعتراض بين الشمس والقمر، والروض والمطر. " وقوله ": الفاظ كما تورق الأشجار، ومعان كما تضحك الأزهار، من غرته تغور السلامة، حدثته السن الندامة، وكقوله: إثنى عليه ثناء العطشان الوارد، على الماء البارد.
" أبو النصر العتبي ": كاتب السلطان محمود هو عندي أرفع الجميع طبقة يما يليق بهذا الكتاب، فإنه فيه أطال وأطاب، وأخذ بالآزرة لا بالأهداب، وأما أقسم على ذلك بأجل ما يقسم به وبراءتي عن يميني، وقوف المطالب بالتحقيق على كابه الموسوم باليميني، فقد صمنه من ذلك العجائب، حط بمراقية مراتب كوكب، وعنوان محاسنه في هذا الباب قوله: يوم رقت غلائل صحوه، وغنجت شمائل جوه، وضحكت ثغور رياضه، وأطرد زرد النسيم فوق حياضه، وفاحت مجامر الأزهار، وأنتشرت قلائد الأغصان عن فرائد النوار، وقسام خطباء الأطيار، على منابر الأشجار، ودارت أفلاك الأيدي بشموس الراح، في بروج الأقداح، وقد سيبنا العقل في مروج الجنون، وجعلنا العذارى بأيدي المجون، فبحق الفتوة التي زان الله بها طبعك، والمروءة التي قصر الله عليها أصلك وفرعك، ألا تفضلت بالحضور، ونظمت لنا بك عقد السرور، وقوله: خيفة سألت في أودية الظنون، وبسطت إليه أجنحة المنون، ونفرته عن ضم القوادم للسكون. وقوله: ولما تسامع القوم بإقباله دب الفشل في تضاعيف أحشائهم، وسرى الوهل في تفاريق أعضائهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فجيوب الأقطار عنهم مزورورة، وذيول الخذلان عليهم مجرورة. وكقوله: لئن حرمت برك والدار دانية، ثم رزقته والمسافة نائية، فقد يضن الحبيب قريبًا بوصاله، ثم يسمح بعيدًا بطيف خياله، والله يطلع علينا سوالف، تلك الأيام، السوالف، مغلقة الأصداغ بأعتاب الزمان، معجمة الأطراف بخيلان الحسن والأخلاق.
" بديع الزمان الهمذاني ": من سابقي هذه الحلبة، وممن جاز في مراتبهم أعلى رتبة، وشاهدي على ذلك قوه لمن قدم إليه كتابه قبل الوفود إليه، كتابي والبحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه، فقد تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته، فقد بلغني هيبته وصيته، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره، وهذه الحضرة وإن إحتاج إليها المأمون، ولم يستغن عنها قارون، فإن الأحب إليّ أن أقصدها قصد موال، والرجوع عنها بجمال أحب إلي من الرجوع بمال، قدمت لتعريف، وأنا أنتظر الجواب الشريف، فإن نشط الأمير لضيف ظله خفيف، وضالته رغيف، فليزجر له بالإستقبال، طائر الإقبال. " ومن محاسن تركيبه " التي إحتذى البلغاء فيها حبذوه قوله: أنا لقرب مولاي " كما طرب النشوان مالت به الخمر "، ومن الإرتياح إلى لقائه، " كما أنتفض العصفور بلله القطر "، ومن الإمتزاج بولائه، " إلتقت الصهباء والبارد العذب، ومن الإبتهاج بمزاره، " كما إهتزت تحت البارح الغصن الرطب ".
" الأمير أبو الفضل الميكاي ": له في طبقات هذا الكتاب محاسن عنوانها مثل قوله: لو إستطعت لطرت بأجنحة السحائب، وخطبت بالشكر على متون الكواكب، وقوله: كلام سلب الماء رقته، والنحل ريقته، وقوله: أيام ظل العيش رطب، وكنف الهوى رحب، وشرب الصهباء عذب.
[ ٤ ]
" أبو محمد القاسم بن علي الحريري ": إمام في عصره ومقاماته، قد شرقت وغربت حتى صار إبتذالها عيبها وعنوان ما يليق بهذا الكتاب من نثره قوله: وقد أحاطت به أخلاط الزمر، إحاطة الهالة بالقمر. وقوله: وصل الكتاب الفلاني دام ممليه، متلألئة حالية معالية، فتلقيته كما يتلقى الإنسان، صحف الإحسان، لا بل تتلقى أنامل الراح، كؤس الراح، من أيدي الصباح، في نسمات الصباح.
" القاضي الفاضل البيساني ": آخر تقدم يفضله الأوائل، وغير في وجه قس أياد وسحبن وائل، لا أعلم بالمشرق والمغرب مثله، وعنوان عجائبه قوله: ووافينا قلعة نجم وهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة مامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة. وقوله: وافى الإسطول اميمون في خمسين غرابًا طائرًا من القلوع بأجنحته، كاسر المخالب أسلحته، فما وافى شملًا إلا دعاه إلى الحين، وحقق ما يعزى إلى الغراب من البين، وقوله: ولقد لبد الماء في الليابيد فثقل وزنها، وأنعكس فيها بالتشبيه فصار كالجبال عنها.
" ضياء الدين أبو الفتح بن الأثير الجزري ": هو إمام كتاب المائة السابعة في فن هذا الكتاب، وله في ذلك رسائل مشهورة وعنوان بدائعه قوله: الخادم يشكر إحسان مولانا الذي ظل عنده مقيمًا، وأصبح بتواليه مغرمًا كما أصبح له غريمًا، وله في صفة صيد ظبي، فلما أحس بنا طار خيفة حتفه، وكاد أن يخلف ظله من خلقه. وله في الفهد: يبلغ المدى الأقصى في أدنى وثباته، ويسبق الفريسة فلا يمسكها إلا عند إلتفاته، وقوله. وجه يرتوي من مائه الظمآن، مطر زبورد ونرجس وإقحوان، وإذا تأملته بين صدغيه علمت حينئذ أن الشمس تطلع بين قرني الشيطان. وقوله: وجاء النيل يحكي رضا به جني النحل، وأحمرت صفحته فتيقنت أنه قد قتل المحل.
إبن خيران المصري: هو إمام كتاب الديار المصرية في المائة الرابعة، وعنوان طبقته قوله حين أمر خليفة مصر الحاكم بهدم كنيسة قيامة بيت المقدس: وقد خرج أمر الإمامة في هدم كنيسة القيامة على أن يصير سقفها أرضًا وطولها عرضًا.
إبن الصيرفي المصري: هو إمام كتاب المسافة خامسة بالديار المصرية، كتب بها عن الخليفة الآمر ووقفت على ترسله في نحو عشرين مجلدًا ومنه إستمد القاضي الفاضل ومن أمعن النظر في ترسل إبن الصيرفي علم ذلك، ومن ملح ترمله قوله: وجاءت غربان الماء، تحكي قطع السحائب في أديم السماء، يحسب الناظر أنها ركاب، قد طفت في بحر السحاب، أو جفون محدقة والمجاذيف أهداب.
ذو الوزارتين أو عبد الله بن أبي الخصال: إمام كتاب الأندلس في طرفي المائة الخامسة والسادسة، وواسطة دره، قوله: أعزك الله فإني حططت والنوم مغازل، والقر منازل، والريح تلعب بالسراج، تصول عليه صولة الحجاج، تارة تسدده سنانًا، وطورًا تحركه لسانًا، وآونة تطويه حبابة، وأخرى تنشره ذؤاية، وتقيمه إبرة لهب، وتعطفه بزة ذهب، أو حمة عقرب، وتقوسه حاجب فتاة، ذات غمزات، وتتسلط على سليطه، وتزيله عن خليطه، وتخلفه تجمًا، وتمده رجمًا، وتسل روحه من ذبالة، وتعيده إلى حاله، وربما نصبته أذن جواد، ومسخته حدق جراد، ومشعته خاطف برق يكف بودق، ولثمت بسناه قنديله، ولفت على أعطافه منديله، فلا لحظ منه للعين، ولا حظ للناظر في اليدين، والليل زنجي الأديم تبري النجوم، قد حللنا سياجه، وأغترقنا أمواجه، فلا مجال للحظه، ولا تعارف إلا بلفظه لو نظرت فيه الزرقاء لأكتحلت، أو خضبت به الشيبة ما نصلت، والكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنيه، وألتوى إلتواء الحباب وجلده الجليد، وضربه الضريب وصعد إنفاسه الصعيد، فحماه مباح، ولا هدير له ولا نباح، والنار كالصديق، أو كالرحيق، وكلاهما عنقاء مغرب، أو نجم مغرب.
عيسى بن خير العكيلي: وجدت في ترسله وهو من فضلاء المائة السادسة قوله اللائق هذا الكتاب: أنا أطال الله بقاء الكاتب الفاضل سراج العلم، وشهاب الفهم، في مجلس قد خجلت خدود تفاحه، وضحكت ثغور أقاحة، وخفقت فرقنا للطرب ألوية، وسالت بنا للهو أودية، وحضرتنا مقلة فصر إنسانها، وصحيفة فكن عنوانها، فإن رأيت أن تصل إلينا القصد، لنحصل بك في جنة الخلد، صقلت نفوسًا أصدأها بعدك، وأثرت سرجًا أدجاهًا فقدك.
[ ٥ ]
" الفتح بن عبد الله ": صاحب القلائد من أئمة كتاب الأندلس في المائة السادسة، ونثره في كتاب القلائد قد إشتهر عند العام والخاص إبداعه فيه، ومن عنوان طبقت قوله: يوم قد نشر من غيمه رداء ند، وسكب من قطره ماء ورد، وأبدى من برقه لسان نار، وأظهر من قوس قزحه حنايا أنس قد حفت بشقيق وجلنار، والروض قد بعث رياء، وبث الشكر لسقياء؛ وقوله: ليلة قد ثنى السرور منامها، وأمتطى الحبور غاربها وسنامها، وراع الأنس فؤادها، وستر بياض الأماني سوادها، وغازل نسيم الروض زوّارها وعوادها؛ وقوله في شخص يذمه: رمد جفن الدين، وكمد نفوس المهتدين، أشهر سخفًا وجنونًا، وهجر مفروضًا ومسنونًا، ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة، ولا أظهر نخيله أنابة ولا أقر بياريه ومصوره، ولا قر عن تباريه في ميدان تهوره.
" أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الحجازي ": من أئمة بلاغة النثر في العصر المذكور، وله في كتاب المسهب بلاغة لاحقة بالطبقة العالية، ومن عنوان ذلك قوله. ملك قمري الوجه، سحابي اليد، روضي الجناب، لو برز للبحر تطأطأت أمواجه، ولو بدا للشمس توارت بالحجاب.
" أبو جعفر بن عطية الطرطوشي ": إمام الكتاب في صدر دولة عبد المؤمن وعنوان طبقته قوله: وقد حكت الدماء على صفحة الماء، حمرة البرق في زرقة السماء، وقوله وقد هزم بد المؤمن رياحًا وهم من بني هلال بن عامر. وحل الويل بهلال إبن عامر، فأفل الهلال وخرب العامر.
" أبو عبد الله بن عياش ": كاتب الناصر وغيره من بني عبد المؤمن، وواسطة عقد ترسله قوله في رسالة كبها عند نزول الناصر على المهدية برًا وبحرًا وإسترجاعها من أيدي الملثمين: ولما حللنا عرى السفر بأن حللنا حمى المهدية، تفاءلنا بأن يكون لمن ألم بساحتها هدية، فأحدقنا بها إحداق الهداب بالعين، وأطرنا لمختلس وصالها غربان البين، فبات بليلة نابغية، وصافح يومًا صافحته فيه يد البلية، ولما إجتلينا منها عروسًا قد مد بين يديها بساط من الماء، وتوجت بالهلال، وفرطت بالثريا ووشحت بغيوم السماء، والسحب نسجت عليها أردانًا تبديها تارة متلثمة وطورًا سافرة، وكأنما شرفتها المشرفة أنامل مخضبة بالدياجي مختمة بالكواكب الزاهرة، تضحى ضاحكة عن شنب لا تزال تقبله أفواه المجانيق، وتمسي باسمة عن لعس لا تبرح ترشفه سهام الحريق، خطبناها فأرادت التنبيه على قدرها، والتوفير في أغلاء مهرها، " ومن خطب الحسناء لم يغله المهر "، فتمنعت تمنع المقصورات في الخيام، وأطالت أعمال العامل في خدمتها وتجريد الحسام، إلى تحققت عظم موقعها في النفوس، ورأت كثرة ما ألقى إليها من نثار الرؤوس، فجنحت إلى الإحصان بعد النشوز، ورأت اللجام في الإمتناع من قبول الإحسان لا يجوز، فأمكنت زمامها من يد خاطبها بعد طوة خطبها وخطابها، وأمتعته على رغم رقيبها بعناقها ورشف رضابها، فبات بها معرسًا حيث لا حجال إلا من البنود، ولا خلوق إلا من دماء إبطال الجنود، فأصبح وقد تلألأت بهذه البشائر وجوه الأقطار، وطارت بمسارها سوانح البراري وسوائح البحار، فالحمد لله الذي أقر الحق في نصابه، واسترجعه من أيدي غصابه، حمدًا يجمعهما بشمل النعم، ويلقحها كما تلقح البحار الديم، فشنفوا الأسماع بهذه البشائر، وأملؤا الصدور بما يرويه لكم من أحاديثها كل ورد وصادر، فهو الفتح الذي تفتحت له أبواب السماء، وعم الأمن والخير به بسيطي الأرض والماء، فشكر الله عليه فرض، في كل قطر من أقطار الأرض.
" النجم القوصي وزير صاحب حماه ": من بلغاء أهل مصر في المائة السابعة ومن وعنوان طبقته قوله: ولما ساحة الرياض نثرت علينا أغصانها درر الأزاهر عن قرى، ومدت لنا مقطعاتها سبائك فضة تثير كف النسيم فيها جوهرًا، والأطيار تتخاصم في أكرامنا بكل فنن، وتهز سيفًا من كل قد نتذكر به سيف إن ذي يزن، والراح في الأكوس تدور، كأنها شموس في بدور، والخدود على غررها شاهدة، وأن أمست الألسن لها جاحدة.
[ ٦ ]
" إبن أبي منصور الدمياطي ": وزير الملك الأشرف من بلغاء المائة السابعة بالديار المصرية، ومما يشفع في ذكره في هذا الكتاب قوله: صدرنا في بعض العشايا على بعض البساتين المجاورة لبحر النيل فرأينا فيه بئرًا عليه دولابان متحاذيان قد دارت أفلاكهما بنجوم القواديس، ولعبت بقلوب ناظريها لعب الأماني بالمفاليس، وهما يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان دمعًا أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للاعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه منثر عليه سجده، والزهر قد نظم جواهره في أجساد الغصون، والسلاسل قد أزالت من سلاسل فضتها كل مصون، والنبت قد إخضر شاؤبه وعارضه، وطرف النسيم قد ركض في ميادين الزهر راكضه، ورضاب الماء قد علاه من الطل لمى، وحيات المجاري جارية تخاف من زمرد النبات أن يدركها العمى، والبحر قد صقل صقيل النسيم درعه، وزعفران العشي قد ألقى في ذيل الجوّ ردعه، فاستحوذ علينا الموضع إستحواذًا، وملأ أبصارنا حسنًا وقلوبنا إلتذاذًا، وملنا إلى الولاين شاكين أزمرًا حين شجت قيان الطير بألحانها، وشدت على عيدانها، أم ذكر أيام النعيم وطابا، وكانا أغصانًا رطابًا، فنفيا عنهما لذيد الهجوع، ورجعا للنزوع، وأضافا الدموع، طلبًا للرجوع.
" أبو العباس الغثاني ": كاتب صاحب أفريقية علم في الكتاب تعجز بلاغته ومن فصول نثره قوله: سر إلى جلس يكاد يسير شوقًا إليك، ويطير بأجنحة جواه حتى يحل لديك، فلله كماله إن طلعت بدرًا بأعلاه، وجماله إن وضحت غرة بمحياه، فهو أفق قد حوى نجومًا تتشوف إلى طلوع بدرها لتقتبس منه، وقطر قد إشتمل على أنهار تتشوق إلى بحرها المستمد منه وتأخذ الزيادة عنه، فإن مننت بالحضور، وإلا فيا خيبة السرور.
" أبو الوليد بن الحنان ": هو ممن يلحق بهذه الطبقة من بلغاء عصرنا بل يتقدمهم بقوله نحن في روض جلس أغصانه الندماء، وغمامه الصهباء، فبالله عليك إلا ما كنت لروض مجلسنا نسيمًا، ولزهر حديثنا شميمًا، وللجسم روحًا، وللطيب ريحًا، وبيننا عذراء زجاجها خدرها، وحبابها غرها، بل شقيقه حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة، إذا طاف بها معصم الساقي فورده على غصنها، أو شربها مقهقهة فحمامة على فننها، طافت علينا طوفان القمر على المنازل إذ يجول، وأنت وحياتك أكيلنا وقد آن له بالأكاليل حلول.
" علي بن سعيد ": مصنف هذا الكتاب وقع له مما يدخل في هذه الطبقة قوله: السماء قد نشرت عرار الشمس، ونثرت بنفسج الغمام، وغرست سوسن القطر في صفحة كل نهرها الإنتظار بأنداء ورد المدام.
من محاسن الجاهلية إمامهم وحامل لوائهم أمرؤ القيس، من مرقصاته قوله:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي
وقوله:
كأن عيون الوحش خول خبائنا وأرجلنا الجذع الذي لم يثقب
وقوله:
سموت إليها بعدما نام أهلها سمو حباب الماء حالًا على حال
وقوله:
وقد أغتدي والطير في ركناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وهذه المعاني ولد منها شعراء المشرق والمغرب، وتطارحوا في الأخذ منها، " النابغة الذبياني ": له من المرقصات وله في النعمان بن المنذر:
وإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
ومن المرقص المطرب قوله في الفرج:
وإذ طعنت في مستهدف رابي المحبة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت عن مستحصف نزع الحزّور بالرشاء المحصد
وإذا يعض تشده أنيابه عض الكبير من الرجال الأدرد
وقوله للنعمان:
لا تقذفني بركن لا كفاء له وأن تأثفك الأعداء بالرفد
هذا وحي بالأشارة إلى إغراء أعدائه وأجتماعهم عنده في مضرته. وقوله:
كان مجرّ الرامسات ذيولها عليه حصير نمقته الصوانع
وقد صار قوله إمامًا لكثير من الشعراء حذوا عليه، وأقتبسوا منه، ومنه قوله:
وأنت بيع ينعش الناس سيبه وسيف أعيرته المنية قاطع
مما وقع له في التمثيل من المرقصات قوله:
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأر من الأسد
ومن التشبيهات العقم ندهم قوله في طيور الحرب:
[ ٧ ]
تراهن خلف القوم خزرًا عيونها جلوس الشيوخ في ثياب المرائب
وهي ثياب فيها خطوط " عنترة "، أن كانوا قد جلوه في ترتيب الكتاب المصنف في أشعار الجاهلية آخرًا فأنه المتقدم بالنظر إلى معاني الغوص فمن يصدر عن فكرته مثل قوله:
جادت عليه كل عين ثرة فتركن كل حديقة كالدرهم
وخلا الذباب بها فليس ببارح غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم
ومن جملة هذه القصيدة:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فودت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
ومن محسناته في التشبيه قوله:
يدعون عنتر والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
طرفة: ورد في شعره مرقص كدّره إستغلاق لغته وهو قوله:
يشق حباب الماء حيزومها بها كما قسم الترب المقابل باليد
وهذا عندهم من التشبيه العقيم يصف به السفينة في شقها البحر وإنقسام الموج عن حريتها والمقابل الملاعب بالتراب الذي يقسمه ليخفي في أحد أقسامه ما يستخرجه صاحبه. ومما يدخل في المطرب قوله:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الحياء وديمة تهمي
وقوله:
والستر دون الفاحشات وما يلقاك دون الخير من ستر
لو كنت من شيء سوى بشر كنت المنّور ليلة البدر
زهير: أكثر ما إشتهرت به الحكم والأمثال مما يدخل في طبقة المقبول، وأستحسنوا له في التشبيه قوله:
كان فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم
وحب الفنا هو عنب الثعلب، وهو إذا لم يحطم أحمر، وقوله:
بكرن بكور أو أستحزن بسحره فهي لوادي الرأس كاليد للفم
ويدخل له في المطرب قوله:
وأبيض فياض يداه غمامه على معتفيه ما ثغب فواضله
تراه إذا ما جئته متهللًا كأنك تعطيه الذي أنت سائل
وقوله:
وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل
على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبذل
وما يك من فعل أتوه فإنما بناه لهم آباء آبائهم قبل
وهل بنبت الخطى إلا وشيجة وتغرس إلا في منابتها النخل
وقوله:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه يطيع العوالي ركبت كل لهذم
" علقمة ": قوله معاني الغوص في شعره معدومة، وأقرب ما وقع له:
أوردتها وصدور العيس مسنفة والصبح الكوكب الدري منحور
يشير إلى أن كوكب الصبح مثل سنان الحربة طعن به فسال منه دم الشفق، وإذا تبين هذا المعنى كان من المرقصات، وقد بينته في قولي:
كم زرته ورواق الليل منسدل مسهم راق إعجبًا بأنجمه
وأبت والصبح منحور بكوكبه وسائل الشفق المحمّر من دمه
وقوله:
يحملن أترجة نضخ العبير بها كأن تطيابها في الأنف مشموم
يشير إلى ما نال هذه المرأة من مضض السير، وأصفرار لونها كالأترجة، وأنها ما تحركت زيد طيبًا خلافًا للتحرك البشري، " ومنه " أخذ إبن الرومي وغيره تشبيه المرأة بالروضة لطيب غرها في السحر بخلاف أنفاس البشر.
" أعشى بكر ": أكثر ما وقفت عليه من أوصافه الخمرية التي إشتهر بها أعرابية جافية يخرجها جفاء نمطها عن المرقص وإن كانت حسنة التشبيه وأقرب ما له من ذلك قوله:
تريك القذى من دونها وهي دونه إذا ذاقها يتمطق
ومن مطرباته قوله:
وترى الزق لدينا مترعًا حبشيًا كب عمدًا فأنبطح
ومنها قوله:
والشعر يستنزل الكريم كما ينزل رعد السحابة السبلا
ومن مرقصات قوله:
غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل
كأن مشيتها من بيت جارتها مشي السحابة لا ريث ولا عجل
وقوله:
[ ٨ ]
الست منتهيًا عن تحت أثلثنا ولست ضائرها ما ألمت الأيل
كناطح صخرة يومًا ليوهيها لم يضرها وأوهى قرنه الوعل
ومن مطرباته قوله:
وأن عتاق الخيل سوف يزوركم ثناء على أعجازهن معلق
به تنقص الأحلاس في كل منزل وتعقد أطراف الرجال وتطلق
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار باليفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج وض لا نتفرق
ترى الجود يجري ظاهرًا وق وجهه كما زان متن الهندواني روتق
وهذا البيت لاحق بالمرقصات وما جرى هذا المجرى، وهو واقع في شعر العرب فإنه مرقص " أعشى بأهله " له في المرقصات وله:
أن تقتلوه فقد أشجاكم زمنًا كذلك الرمح ذو النصلين ينكسر
لا يأمن القوم ممساه ومصبحه من كل أوب وإن لم يغز ينتظر
" قيس بن الحطيم ": يدخل في أصحاب ماني الغوص بقوله:
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة بدا حاجب منها وضنت بحاجب
وقوله:
إني شربت وكنت غير شروب وتقّرب الأحلام غير قريب
ما تمنعي يقظي فقد نولته في النوم غير مصرد محسوب
كان المنى أن نلتقي فلقيتها فلهوت من لهو أمريء مكذوب
فرأيت مثل الشمس عند طلوعها في الحسن أو كدنوها لغروب
والمرأة الرقيقة اللون يكون بياضها بالغداة يضرب إلى الحمرة وبالعشي يضرب إلى الصفرة، ولذلك قال الأعشى:
بيضاء ضحوتها وصفراء العشية كالعراره
المخضرمون - " حسان بن ثابت ": شاعر رسول الله ﷺ المؤيد بروح القدس مما ألحقه معاني التخيل الغوص بطبقة المطرب قوله: