أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن مصعب الزبيري قال: حدثني شيخ من المكيين ووجدت هذا الخبر أيضًا في بعض اكتب مرويًا عن محمد بن سعد كاتب الواقدي عن مصعب عن شيخ من المكيين والرواية عنهما متفقة قال: كان ﷺ بن سريج د أصابته الريح الخبيثة وآلى يمينًا ألا يغني ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي، ثم خرج وفيه بقية فأتى قبر النبي ﷺ وموضع مصلاه، فلما قدم المدينة نزل على بعض أخوانه من أهل النسك والقراءة كان أهل الغناء يأتونه مسلمين عليه فلا يأذن لهم في الجلوس والمحادثة، فأقام بالمدينة حولًا حتى لم يحس من علته بشيء، وأراد الشخوص إلى مكة، وبلغ ذلك سكينة بنت الحسين فأغتمت إغتمامًا شديدًا وضاق به ذرها، وكان أشعب يخدمها، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره وقالت لأشعب: ويلك، إن إبن سريج شاخص دخل المدينة منذ حول ولم أسمع من غنائه قليلًا ولا كثيرًا ويعز ذلك عليَّ، فكيف الحيلة في الإستماع منه ولو صوتًا واحدًا. فقال لها أشعب: جعلت فداك وأني لك بذلك والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه، فأرفعي طمعك وأمسحي بوزك تنفعك حلاوة فمك.
فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه وخنقنه حتى كادت نفسه أن تتلف، ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجًا عنيفًا فخرج على اسوأ الحالات.
وأغتم أشعب غمًا شديدًا وندم على ممازحتها في وقت لم نبغِ له ذلك، فأتى منزل إبن سريج ليلًا فطرقه فقيل من هذا: فقال: أشعب، ففتحوا له فرأى على وجهه ولحيته التراب والدم سائلًا من أنفه وجبهته على لحيته وثيابه ممزقة وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدوس والخنق ومات الدم فيها، فنظر إبن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه، فقال لها ما هذا ويحك، فقص عليه القصة، فقال إبن سريج: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا نزل بك والحمد لله الذي سلم نفسك لا تعودّن إلى هذه أبدًا. قال أشعب: فديتك هي مولاتي ولا بد لي منها ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنيها فسيكون ذلك سببًا لرضاها عني، قال إبن سريج كلا والله لن يكون ذلك ابدًا بعد أن تركته قال أشعب قد قطعت أملي ورفعت رزقي وتركتني حيران بالمدينة لا يقبلني أحد وهي ساخطة عليّ، فالله الله في وأنا أنشدك الله، ألا تحملت هذا الإثم فيّ فأبى عليه.
فلما رأى أشعب أن عزم إن سريج قد تم على الإمتناع قال في نفسه لا حيلة لي وهذا خارج وإن خرج هلكت، فصرخ صرخة آذن أهل المدينة لها ونبه الجيران من رقادهم وأقام الناس نت فراشهم ثم سكت فلم يدرِ الناس ما القصة عند خفوت الصوت بعد أن قد راعهم.
[ ٤٢ ]
فقال له إبن سريج: ويلك ما هذا، قال: لئن لم تصر معي إليها لأصرخن صرخة أخرى لا يبقى بالمدينة أحد إلا صار بالباب لأفتحنه ولأرينهم ما بي وعلمنهم أنك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان بعني غلامًا كان إبن سريج مشهورًا به فمنعتك وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ففعلت بي هذا غيظًا وتأسفًا، وإنك إنما أظهرت النسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه.
وكان أهل مكة ولمدينة يعلمون حاله معه فقال إبن سريج: أغرب أخزاك الله، قال أشعب: والله الذي لا إله إلا هو وإلا فما أملك صدقة وأمرأته طالق ثلاثًا وهو يجيز في مقام إبراهيم والكبة وبيت النار والقبر قبر أبي رغال إن أنت لم تنهض معي في ليلتي هذه لفعلن. فلما أى إبن سريج الجدّ منه قال لصاحبه: ويحك أما ترى ما وقعنا فيه، وكان صاحبه ناسكًا فال: لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث وتذمم إبن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب اخرج من منزل الرجل فقال رجلي مع رجلك.
لما صارا في بعض الطريق قال إبن سريج لأشعب إمض عنه قال: واله لئن تعل ما قلت لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس ولأقولن أنك أخذت مني سوارًا من ذهب لسكينة على أن تجيئها فتغنيها سرًا وإنك كابرتني عليه وجحدتني وفعلت بي هذا الفعل.
وقع إبن سريج فيما لا حيلة له فيه فقال: أمضي لا أرك الله فيك، فمضى معه فلما صارا إلى باب سكينة قرع الباب فقيل من هذا فقال أشعب قد جاء بإبن سريج ففتح الباب لهما ودخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة فجلسا ساعة، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة فقالت يا عبيد ما هذا الجفاء قال: قد علمت بأبي أنت ما كان متى قالت أجل، فتحدثا ساعة وقص عليها ما صنع به أشعب فضحكت وقالت: لقد أذهب ما كان في قلبي عليه وأمرت لأشعب بعشرين دينارًا وكسوة، ثم قال لها إبن سريج: أتأذنين بأبي أنت قالت وأين قال المنزل قالت: برئت من جدّي أن برحت داري ثلاثًا، وبرئت من جدي إن أنت لم تغنِ إن خرجت من داري شهرًا، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهرًا إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشرًا، وبرئت من جدي إن حنثت في يميني أو شفعت فيك أحدًا.
فقال عبيد: وا سخنه عيناه وا ذهاب ديناه وا فضيحتاه، ثم إندفع يغني:
استعين الذي بكفيه نعي ورجائي على التي قتلتني
الصوت المذكور آنفًا، قالت سكينة: فهل عندك يا عبيد من صبر، ثم أخرجت دملجًا من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالًا فرمت به إليه ثم قالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك ففعل ذلك، ثم قالت لأشعب إذهب إلى عزةٍ فأقرئها السلام وأعلمها أن عبيد ندنا، لتأتنا متفضلة بالزيارة.
فأتاها أشعب فأعلمها فأسرعت المجيء فتحدثوا باقي ليلتهم ثم أمرت عبيدًا وأشعب خرجا فناما في حجرة مواليها فلما أصبحت هيء لهم غذاؤهم وأذنت لإبن سريج فدخل فتغدى قريبًا منها مع أشعب ومواليها وقعدت هي مع عزة وخاصة جواريها.
فلما فرغوا من الغذاء قالت: يا عز إن رأيت أن تغنينا فأفعلي، قالت إي وعيشك، فغنت في شعر عنترة العبسي:
حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما زمت ركابكم بليل مظلم
فقال إبن سريج أحسنت والله يا عزة، وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمته إلى عزة وقالت: صيري هذا في يدك ففعلت، ثم قالت لعبيد هات غننا فقال حسبك ما سمعت البارحة فقالت: لا بدّ أن تغنينا في كل يوخم لحنًا. لما رأى إبن سريج أنه لا يقدر على الإمتناع مما تسأله غنّى:
قالت من أنت على ذكر فقلت لها أنا الذي ساقه للحين مقدار
قد حان منك فلا تبعد بك الدار بين وفي البين للمتبول أضرار ثم قات عزة في اليوم الثاني غني فغنت لحنها في شعر الحرث بن خالد ولإبن محرز فيه لحن عزة أحسنهما:
قرّت بها عيني وقد كنت قبلها كثيرة البكاء كشفقًا من صدودها
وبشر خود مثل تمثال بيعة تظل النصارى حوله يوم عيدها
قال إبن سريج: والله ما سمعت مثل هذا قط حسنًا ولا طيبًا، ثم قالت لإبن سريج هات فأندفع يغني:
أرقت فلم أنم طربًا وبت مسهدًا الصبا
لطيف أحب خلق الله إنسانًا وإن غضبا
لم أردد مقالتها ولم أك عاتبًا عتبا
[ ٤٣ ]
ولكن صرّمت حبلي فأمسى الحبل منقضبا
قالت سكينة: قد علمت ما أردت بهذا وقد شفعناك ول نردك وإنما كنت يمينى على ثلاثة أيام، فأذهب في حفظ الله وكلاءته. ثم قالت لعزة: إذا شئت ودعت لها بحلة ولإبن سريج بمثلها.
فأنصرف عزة وأقام إبن سريج حتى إنقضت ليلته وأنصرف فمضى من وجهه إلى مكة راجعًا.
قال:
حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
الشعر لعنترة بن شداد العبسي والغناء لعزة الميلاه، وقد كتب ذلك في أول هذه القصيدة وسائر ما يغني فيها ومنها ما قيل:
أرقت فلم أنم طربا وبت مسهدًا نصبا
لطيف أجب الله إنسانًا وأن غضبا
إلى نفسي وأوجههم وإن أمسي قد إحتجبا
وصرَّم حبلنا ظلمًا لبلغة كاشح كذبا
عروضه من الوافر الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لإبن سريح قيل أول بالسبابة في مجرى البنصر، منها قوله:
قد حان منك فلا تبعد ك الدار بين وفي البين للمتبول أضرار
قالت من أنت على ذكر فقلت لها أنا الذي ساقني للحين مقدار
الشعر لعمر بن أبي ربيعة والغناء لإبن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى ومنها الصوت الذي أوله:
وقرت لها عيني وقد كنت قبلها
أوله قوله:
لبشرة أسرى الطيف والخبث دونها وما بيننا من حزن أرض وبيدها
وقرّت بها عيني وقد كنت قبلها كثيرًا بكائي مشفقًا من صدودها
وبشرة خود مثل تمثال بيعة تظل النصارى حولها يوم عيدها
الشعر للحرث بن خالد المخزومي والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى، وذكر إسحق هذه الطريقة في هذا الصوت ولم ينسبها إلى أحد.
ولإبن نحرز في هذه الأبيات أول بالخنصر في مجرى الوسطى وفيها العزة لميلاء خفيف رمل وبشرة هذه التي ذكرها الحرث بن خالد أمة كانت لعائشة بنت طلحة وكان يكنى عن ذكر عائشة بها وله فيها أشعار كثيرة منها مما يغنى فيه قوله:
يا ربع بشرة بالجنان تكلم وإبن لنا خبرًا ولا تستعجم
ما لي رأيتك بعد أهلك موحشًا خلقا كحوض الباقر المتهدم
تسقي الضجيج إذا النجوم تغورت طوع الضجيع وغاية المتوسم
قب البطون أوانس شبه الدمى يخطلن ذاك عفة وتكرم
عروضه من الكامل والشعر للحرث بن خالد والغناء لمعبد ولحنه من خفيف الرمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحق وفيه أيضًا ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحق في رواية عمرو ومنها:
يا ربع بشرة أن اضر البلى فلقد عهدتك آهلًا معمورا
عقب الرذاذ خلافه فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا
غناء إبن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحق وفيه لحن لمالك وقيل بل هو لإبن محرز وعروضه من الكامل وقوله عقب الرذاذ خلافه يقول جاء الرذاذ بعده ومنه يقال عقب لفلان غنى بعد فقر وعقب الرجل اياه إذا قام بعده ومنه يقال عقب للان غنى بعد فقر وعقب الرجل اباه إذا ام بعده مقامه وعواقب الأمور مأخوذه منه واحدتها عاقبة والرذاذ صغار أمطر، وقوله خلافه أي بعده: قال متمم إبن نويرة:
وفقدي بني أم تداعوا فلم أكن خلافهم لأستكين فأضرعا
أي بعدهم والشواطب النساء اللواتي يشطبن لحاء السعف يعملن منه الحصر ومنه السيف المشطب والشطيبة الشعبة من الشيء ويقال بعثنا إلى فلان شطيبة من خيلنا أي قطعة: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كانت مغنية تختلف إلى صديق لها فأتته يومًا فوجدته مريضًا لا حراك به فدعت بالعود وغنت: