أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: قال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة في اجارية وإسمها فاطمة التي كان يشبب بها أخوه بنت عمر بن حفص لما تزوجها عيسى بن سليمان بن علي، وكان عيسى مبخلًا، وكانت له محابس يحبس فيها البياح ويبيعه، وكانت له ضيعة تعرف بدالية عيسى يبيع منها البقول والرياحين، وكان أول من جمع السماد بالبصرة وباعه، فقال فيه أبو الشمقمق:
إذا رزق العباد فإن عيسى له رزق من استاه العباد
فلما تزوج عيسى فاطمة بنت عمر بن حفص قال عبد الله بن محمد بن عيينة في ذك:
أفاطم قد زوّجت عيسى فأبشري لديه بذل عاجل غير آجل
فإنك قد زوجت من غير خبرة فتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبي فإنه وإن كان حر الأصل عبد الشمائل
وقد قال فيه جعفر ومحمد أقاويل حتى قالها كل قائل
وما قلت ما قالا لأنك أختنا وفي البيت منا والذرى والكواهل
لعمري لقد أثبته في نصابه بأن صرت منه في محل الحلائل
إذا ما بنو العباس يومًا تنازعوا عرى المجد وأختاروا كرام الخصائل
رأيت أبا العباس يسمو بنفسه إلى بيع بياحاته والمباقل
قال مؤلف هذا الكتاب: وكن عبد الله أخو أبي عيينة شاعرًا، وكان يقدّم على أخيه، فأخبرني جحظة قال: حدثني علي بن يحيى المنجم قال: إستحق الموصلي شعر عبد الله بن أبي عيينة أحب إليّ من شعر أبيه وأخيه. قال: وكان عبد الله صديقًا لإسحق. قال محمد إبن يزيد ومما قاله في فاطمة وصرّح بذكر القرابة بينهما وحقق على نفسه أنه يعنيها قوله:
دعوتك بالقرابة ولجوار دعاء مصرّح بادي السرار
لأني عنك مشغول بنفسي ومحترق عليك بغير نار
وأنت لأن ما ك دون ما بي تدارين العدو ولا أداري
ولو والله تشتاقين شوقي جمعت إلى مخالعة العذار
ألا يا وهب فيما فضحت دنيا وبحت بسرها بين الجواري
أما والراقصات بكل واد غوار نحو مكة أو سوار
لقد فضلت دنيا في فؤادي كفضل يدي اليمين على اليسار
فقولي ما بدا لك أن تقولي فإني لا ألومك أن تغاري
قال: وقال فيها وهو من ظريف أشعاره:
رق قلبي لك يا نور عيني وأنى قلبك لي أن يرقا
فأراك الله موتي فإني لست أرضى أن تموتي وأبقى
أنا من وجد بدنياي منها ومن العذال فيها ملقى
وقال:
زعموا إني صديق لدنيا ليت ذا الباطل قد صار حقا
في هذا البيت ثم الذي قله ثم الأول لإبراهيم لحن ماخوري بالوسطى عن الهشامي وقال: وقال فيها أيضًا في هذا الوزن وفيه غناء محدت رسل طنبوري.
عيشها حلو وعيشك مر ليس مسرور كمن لا يسرّ
[ ٤٠ ]
كمديم لحب تسخن فيه عينه أكثر مما تقر
قلت لذا اللائم فيها أله عنها لا يقع بيني وبينك شر
أتراني مقصرًا عن هواها كل مملوك إذًا لي حرّ
وقال فيها أيضًا وأنشدناه الأخفش عن المبرد، وأنشدنا محمد بن العباس اليزيدي قال أنشدني عمي عبيد الله لأبي عيينة:
جئت قالت دنيا علامَ نهارًا زرت هلا إنتظرت وقت المساء
كنت معجبًا برأيك لا تفرق فأستحي يا قليل الحياء
ذاك إذ روحها وروحي مزاجا ن كأصفى خمر بأعذب ماء
قال محمد بن يزيد وقد أخذ هذا المعنى غيره منه ولم يسمه وهو البحتري فقال:
جعلت حبك من قلبي بمنزلة هي المصافاة بين الماء والراح
تهتز مثل إهتزاز الغصن حرّكه مرور غيث من الوسمي سحاح
الغناء في هذين البيتين لرداد ثقيل أول في مجرى البنصر، ومما قاله أبو عيينة في فاطمة هذه وكنى فيه بدنيا قوله:
ألم تنه قلبك أن يعشقا وما ك والعشق غير الشقا
أمن بعد شربك كأس النهى وشك ريحان أهل التقى
عشقت فأصبحت في العالمين أشهر من فرس إبلقا
أدنياي من خمر بحر الهوى خذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا إبن المهلب ما مثله لو أن إلى الخلد لي مرتقى
غنى فيه أبو العبيس بن حمدون ولحنه ثان ثقيل مطلق وفيه لعريب ثقيل أول رواه أبو العبيس عنها، وهذه قصيدة طويلة يذكر فيها دنيا ويفخر بعقب النسيب بأبيه ويذكر مآتر الملهب بالعراق، ولكن مما قاله في دنيا منها قوله: في المرقص
أدنياي من غمر بحر الهوى خذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا لك عبد فكوني كمن إذا سرّه عبده أعنقا
ألم أخدع الناس عن وصلها وقد يخدع العاقل إلا حمقا
بلى فسبقتهم أنني أحب إلى الخيران أسبقا
ويوم الجنازة إذا أرسلت على رقعة أن جز الخندقا
وعج ثم فأنظر لنا مجلسًا برفق وإياك أن تخرقا
فجئنا كغصنين من بانة فرينين خدنين قد أورقا
فقال لأخت لها إستنشديه من شعره المحكم المنتقى
فقلت أمرت كتمانه وحذرت إن شاع أن يسرقا
فقالت بعيشك قولي له تمنع لعلك أن تنفقا
ومن مشهور قوله في دنيا وهو مما تهتك فيه وصرّح وأفحش، وهي من جيد قوه قصيدته التي يقول فيها:
أنا الفارغ المشغول والشوق آفتي فلا تسألوني عن فراغي وعن شغلي
عجبت لترك الحب دنيا خاية وإعراضه عنها وإقباله قبلي
وما بالها لما كتبت تهاونت بكتبي وقد أرسلت فأنتهرت رسلي
وقد حلفت أن لا تخط بكفها إلى قابل خطًا إليّ ولا تملي
أبخلًا علينا كل ذا وقطيعة قضيت لدينا القطيعة والبخل
سلوا قلب دنيا كيف أطلقه الهوى فقد كان في غل وثيق وفي كبل
فإن جحدت فأذكر لها قصر معبد بمنصف ما بين الأبلة والحبل
وملعبنا في النهر والماء زاخر قرينين كالغصنين فرعين في أصل
ومن حولنا الريحان غضًا وفوقنا ظلال من الكرم المعرش والنخل
إذا شئت مالت بي إليها كأنني إلى غصن بان بين دعصين من رمل
ليالي ألقاني الهوى فأستضفتها فكانت ثناياها بلا حشمة نزلي
وكم لذة لي في هواها وشهوة وركضي إليها راكبًا وعلى رجلي
وفي متم المهدي زاحمت ركنها ركني وقد وطنت نفسي على القتل
وبتنا على خوف أسكن قلبها بيسراي واليمنى على قائم النصل
فيا طيب طعم العيش إذ هي جارة وإذ نفسها وإذ أهلها أهلي
وإذ هي لا تعتل عني برقبة ولا خوف عين من وشاة ولا بعل
[ ٤١ ]
فقد عفت الآثار بيني وبينها وقد أوحشت مني إلى درها سبلي
ولما بلوت الحب بعد فراقها قضيت على أم المحبين بالنكل
وأصبحت معزولًا وقد كنت واليًا وشتان ما بين الولاية والعزل
ومما قاله فيها وفيه غناء بجارية:
ألا في سبيل الله ما حل بي منك وصبرك عني حين لا صبر لي عنك
وتركك جسمي بعد أخذك مهجتي ضئيلًا فهلا كان من قبل ذا تركي
فهل حاكم في الحب يحكم بيننا فيأخذ لي حقي وينصفني منك
السليم في هذه الأبيات هزج مطلق في مجرى الوسطي، وفي هذه القصيدة يصف قصرًا كانوا فيه، وهي من عجيب شعره:
لقد كنت يوم القصر مما ظننت بي برأيكما أني بريء من الشرك
يذكرني الفردوس طورًا فأرعوي وطورًا يواتيني القصف والفتك
بغرس كأبكار الحواري وتربة كأن ثراها ماء ورد على مسك
وسرب من الغزلان يرتعن حوله كما إستل منظوم من الدر من سلك
وورقاء تحكي الموصلي إذا غدت بتغريدها أحبب بها وبمن تحكي
فيا طيب القصر قصرًا ومنزلًا بأقبح سهل غير وعر ولا ضنك
كأن قصور القوم ينظرن حوله إلى ملك موف على منبر الملك