هو المتوكل بن عبد الله بن نهثل بن مسافع بن وهب بن عمرو بن لقيط بن يعمر بن عوف بن عامر من شعراء الإسلام، وهو من أهل الكوفة. كان في عصر معاوية وغبنه يزيد ومدحهما ويكنى أبا جهمة، وقد إجتمع مع الأخطل وناشده عند قبيضة بن والق ويقال عند عكرمة بن ربعي الذي يقال هـ الفياض فقدّمه الأخطل. وهذه القصيدة التي في أولها الغناء قصيدة هجا بها عكرمة إبن الربعي وخبره معه يذكر بعد.
أخبرني بذلك الحسن بن علي عن أحمد بن سعد الدمشقي عن الزبير بن بكار عن عمه. وأخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن سعيد الدمشقي قال:
[ ٦٨ ]
حدثني هرون بن محمد عبد الملك قال: أخبرني هرون بن مسلم قال: حدثني حفص بن عمر العمري عن لقيط بن بكير المحاربي قال: قدم الأخطل الكوفي فنزل على قبيصة بن والق فقال المتوكل ن عبد الله الليثي لرجل من قومه: إنطلق بنا إلى الأخطل نستنشده ونسمع من شعره فأتياه فقالا أنشدنا يا أبا مالك فقال: إني لخاثر يومي هذا، فقال له المتوكل: أنشدني أيها الرجل فوالله لا تنشدني قصيدة إلا أنشدتك مثلها أو أشعر منها من شعري. قال ومن أنت، قال أنا المتوكل، قال: أنشدني ويحك من شعرك، فأنشده:
للغانيات بذي المجاز رسوم فببطن مكة عهدهن قديم
فبمنحر البدن المقلد من منى حلل تلوح كأنهن نجوم
لا تنهِ عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
والهمّ إن لم تمضهِ لسبيله داءٌ تضمنه الضلوع مقيم
غنّى في هذه الأبيات سائب خائر من رواية حماد عن أبيه ولم يجنسه. قال: وأنشده أيضًا:
الشعر بّ المرء بعرضه والقول مثل مواقع النبل
منها المقصر عن رميته ونوافذ يذهبن بالخصل
قال: وأنشده أيضًا:
إننا معشرٌ خلقنا صدورًا من يسوّي الصدور بالأناب
فقال له الأخطل: ويحك يا متوكل، لو نبحت الخمر في جوفك كنت أشعر الناس.
قال الطوسي: قال الأصمعي: كانت للمتوكل بن عبد الله الكناني امرأة يقال لها رهيمة ويقال أميمة وتكنى أم بكر فأقعدت فسألته الطلاق فقال: ليس هذا حين طلاق، فأبت عليه فطلقها. ثم أنها برئت بعد الطلاق فقال في ذلك:
طربت وشاقني يا أم بكر دعاء حمامة تدعو حماما
فبتّ وبات مي لي نجيبًا أعزي عنكِ قلبًا مستهاما
إذا ذكرت لقلبك أم بكر يبيت كأنما إغتبق المداما
خدلجة ترف غروب فيها وتكسو المتن ذا خصل شحاما
أبى قلبي فما يهوى سواها وإن كانت مودتها غراما
ينام الليل كل خلي همٍ ويأتي العين منحدر سجاما
على حين أرعويت وكان رأسي كأن على مفارقه ثغاما
سعى الواشون حتى أزعجوها ورث الحبل فأنجذم إنجذاما
فلست بزائل ما دمت حيًا مسرًا من تذكرها هياما
ترجيها وقد شحطت نواها ومنّتك المنى عامًا فعاما
خدلجة لها كفل وثير يتوء بها إذا قامت قياما
مخضرة ترى في الكشح منها على تثقيل أسفلها إنهضاما
إذا إبتسمت تلألأ ضوء برقٍ تهلهل في الدجنة ثم داما
وإن قامت تأمل راثياها غمامة صيف ولجت غماما
إذا تشي تقول دبيب شولٍ تعرّج ساعة ثم إستقاما
وإن جلست فدمية بيت عيدٍ تصان ولا تُرى إلا لمامًا
فلو أشكو الذي أشكو إليها إلى حجر لراجعني الكلاما
أحب دلوّها وتحب نأبي وتعتام التنائي لي إعتيامًا
كأني من تذكر أم بكرٍ جريج أسنةٍ يشكو كلاما
تساقط انفسًا نفسي عليها إذا شحطت وتغتم إغتماما
غشيت لها منازل مقفرات عفت إلا الأباصر والثماما
ونؤيا قد تهدم جانباه ومبناه بذي سلم خياما
صليني وأعلمي إني كريم وأن حلاوتي خلطت غراما
وإني ذو مجامحة صليبٌ خلقت لمن يماسكني لجاما
فلا وأبيك لا أنساكِ حتى تجاوب هامتي في القبر هاما
والقصيدة التي فيها الغناء المذكور في أول خبر المتوكل يقول أيضًا في امرأته هذه ويمدح فيها حوشيا الشيباني ويقول فيها:
إذا وعدتك معروفًا لوته وعجّلت التجرم والمطالا
لها بشرٌ نقي اللون صافِ ومتن خطَ فأعتدل إعتدالا
إذا تمشي تأود جانبها وكاد الخصر يخزل إنخزالا
[ ٦٩ ]
تنوء روافدها إذا ما وشاحاها على المتن جالا
فإن تصح أميمة قد تولت وعاد الوصل صرمًا وأعتلالا
فقد تدنو النوى بعد إغتراب بها وتفرّق الحي احلالا
تعبس لي أميمة بعد أنسٍ فما أدري أسخطًا أم دلالا
أبيني لي فربّ أخ مصاف رزئت وما أحب به بدالا
أصرمٌ منك هذا أم دلال فقد عني الدلال إذًا وطالا
أم إستبدلت بي ومللت وصلي بوحي لي به ودعي المحالا
فلا وأبيك ما أهوى خليلًا أقاتله على وصلي قتالا
وكم من كاشح يا أم بكر من البغضاء يأتكل أتكالا
لبثت على قناع من أذاه ولولا الله كنت له نكالا
ووما يغني به من هذه القصيدة قوله:
أنا الصقر الذي حدّثت عنه عتاق الطير تتدخل إندخالا
رايت الغانيات صدفن لما رأين الشيب قد شمل القذالا
فلم يلووا إذا رحلوا ولكن تولت عيرهم بهم عجالا
غنّى فيه عمر الوادي خفيف رمل عن الهاشمي وذكر حبش أن فيه لإبن محرز ثاني ثقيل بالوسطى وأحسبه مضافًا إلى لحنه في أول القصيدة.
وقال الطوسي: قال أبو عمرو الشيباني: هجا معن بن جمل بن جعونة بن وهب أحد بني لقيط ن يعمر المتوكل بن عبد الله الليثي وبلغ ذلك المتوكل فترفع على أن يجيبه ومكث معن سنين يهجوه والمتوكل معرض عنه، ثم هجاه بعد ذلك وهجا قومه من بني الديل هجاء قذعًا إستحيا منه وندم.
ثم قال المتوكل لقومه يعتذر ويمدح يزيد بن معاوية:
خليليّ عوجا اليوم وأنتظراني فإن الهوى والهم أمّ أبان
هي الشمس يدنو لي قريبًا عيدها أرى الشمس ما أسطعيها وتراني
* نأت بعد قرب دارها وتبدلت بنا بدلًا والدهر ذو حدثان
هاج الهوى والشوق لي ذكر حرة من المر حجنات الثقال حصان
غنّى في هذه الأبيات إبن محرز من كتاب يونس ولم يجنسه.
قال: سيعلم قومي أنني كنت سورة ن المجد إن داعي المنون دعاني
ألا رب مسرور بموتي أو أتى وآخر لو أنعي له لبكاني
خليليّ ما لام أمرؤ مثل نفسه إذا هي قامت فاربعا ودعاني
ندمت على شتمي العشيرة بعدما تغنى بها عودٌ وحنّ يماني
قلبت لهم ظهر المجن وليتني رجعت بفضل من يدي ولساني
على أنني لم ارمِ في الشعر مسلمًا ولم أهجء إلا من روى وهجاني
همُ بطروا الحلم الذي من سجيتي وبدلت قومي شدة بليان
ولو شئتم أولاد وهبٍ نزعتم ونحن جميع شملنا إخوان
نهيتهم أخاكم عن هجائي وقد مضى له بعد حول كامل سنتان
فلجّ ومنّاه رجال رايتهم إذا صارموني يكرهون قراني
وكنت أمرأ يأبى لي الضيم إنني صرومٌ إذا الأمر المهم عناني
وصول صرومٍ لا أقول لمدير هلم إذا ما أغتشتني وعصاني
خليليّ لو كنت أمرأ بنى سقطه تضعضعت أو زلت بي القدمان
أعيش على بغي العداة ورغمهم وآتي الذي أهوى على الشنآن
ولكنني ثبت المريرة حازم إذا صاح طلابي ملأت عناني
خليليّ كم من كاشح قد رميته بقافية مشهورة ورماني
فكان كذات الحيض لن تبق ماءها ولم تنقِ عنها غسلها لأوان
ثم أنه يقول فيها ليزيد بن معاوية:
أبا خالد حنّت إليك مطيتي على بعد منتاب وهول جنان
أبا خالد في الأرض نأي ومفسح بذي مرة يرمي به الرجوان
فكيف ينام الليل حرّ عطاؤه ثلاث لرأس الحول أو مأتان
تنأت قلوصي بعد إسآدي السرى إلى ملك جزل العطاء هجان
ترى الناس أفواجًا ينوبون بابه لبكر من الحاجات أو لعوان
عن الأغاني ١١ - ١٢ مجلد سادس * * *
[ ٧٠ ]
ولإبن زيدون قوله في المرقص:
أضحى تنائي بديلًا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
من مُبلغ الملبسينا بإنتزاحهم حزنًا مع الدهر لا يبلى ويبلينا
إن الزمان الذي قد كان يضحكنا أنسًا بقربهم اد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا بأن نغَصّ فقال الدهر آمينا
فأنحل ما كان معقودًا بأنفسنا وأنبت ما كان موصولًا بأيدينا
بالأمس كنا وما يخشى تفقنا فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا
يا ليت شعري ولم أعاديكم هل نال حظًا من العتبى أعادينا
لم نعقد بعدكم إلا الوفاء لكم رأيًا ولم نتقلد غيره دينا
كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه وقد يئسنا، فما لليأس يغرينا
بنتم وبنا فما إبتلت جوانحنا شوقًا إليكم ولا جفّت مآقينا
كاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى، لولا تآسينا
حالت لبعدكم أيامنا فغدت سوادًا وكانت بكم بيضًا ليالينا
إذ جانب العيش طلقٌ من تآلفنا ومورد اللهو صافٍ من تصافينا
وإذ هصرنا فنون الوصل دانية قطوفها فجنينا منه ما شينا
ليُسقَ عهدكم عهد السرور فما كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيّرنا إذ طالما غيّر النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلًا منكم ولا إنصرف عنكم أمانينا
ثم قال:
يا ساريّ البرق غادِ القصر فاسقِ به من كان صِرف الهوى والود يسقينا
وأسأل هنالك هل عنّى تذكرنا إلفًا تذكره أمسى يعنّينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا من لو على البعد حيًا كان يحيينا
وبيت مثلك كأن الله أنشأه مسكًا وقد أنشأ الله الورى طينا
أو صاغ ورقًا محضًا وتوجّه من ناصع إبداعًا وتحسينا
إذا تأوّد آدته رفاهية تدمى العقول وأدمته البُرى لينا
كانت له الشمس ظِئرًا في تكلله بل ما تجلى بها إلا أحايينا
كأنما نبتت في صحن وجنته زُهر الكواكب تعويذًا وتزيينا
ما ضرّ روضة طالما أجنت لواحظنا وردًا جناه الصبا غضًا ونسرينا
ويا حياةً تملأنا بزهرتها مثنى ضروبًا ولذاتٍ أفانينا
ويا نعيمًا خطرنا من نضارته في وشي سحبنا ذيله حينا
لسنا نسميك إجلالًا وتكرمة فقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا
إذا إنفردتِ وما شوركت في صفة فحسبنا الوصف إيضاحًا وتبيينا
* * *
يا جنة الخلد أبدِ لنا بسلسَلها والكوثر العذب زقوّمًا وغِسلينا
كأننا لم نبت والوصل ثالثنا والسعد قد غضّ من أجفان واشينا
سِران في خاطر الظلماء تكتمنا حتى يكاد لسان الصبح يفشينا
لا غرو في إن ذكرنا الحزن حين نهت عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورًا مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أما هواك فلم نعدِل بمشربه شربًا وإن كان يروينا فيظمينا
لم نجف أفق جمال أنت ككبه سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا إختيارًا تجنينا عن كثبٍ لكن عدتنا على كسره عوادينا
نأسى عليك إذا حثت مشعشعة فينا الشمول وغنانا مغنينا
لا أكؤس الراح من شمائلنا سيما إرتياح ولا الأوتار تلهينا
دومي على العهد ما دمنا محافظة فالحر من دان إنصافًا كما دينا
[ ٧١ ]
فما إستعضنا خليلًا عنك يحبنا ولا إستفدنا حبيبًا منك يغنينا
ولو صبا نحونا من أفق مطلعه بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا
أولي وفاء وإن لم تبذلي صلة فالطيف يقنعنا والذكر يكفينا
وفي الجواب شفاءٌ لو شفعتِ به بيضَ الأيادي التي ما زالت ولينا
ولإبن زيدون في ولاّدة مقطعان حسان، كقوله:
وأهًا لعطفك والزمان كأنما صُبغت نضارته ببرد صباك
والليل مهما طال قصَّر طوله هاتي، وقد غفل الرقيب، وهاكِ
أما مني نفسي فأنت جميعها يا ليتني أصبحت بعض مناك
يدني مثالكِ حين شطَّ به النوى وهمٌ أكاد به أقبِّل فاكِ
وله:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضعِ سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعًا حظه مني ولو بُذلت لي الحياة بحظي فيه لم أبعِ
وله أيضًا:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقًا والأفق طلقٌ ووجه الروض قد راقا
ولنسيم إعتلالٌ في أصائله كأنما رقّ لي فأعتل إشفاقا
والنهر عن مائه الفضيّ مبتسمٌ كما حللتَ عن اللبات أطواقا
يومٌ كأيام لذاتٍ لنا إنصرمت بتنا لها حين نام الدهر سرَّاقا
نلهو بما يستميل العين من زَهر جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقى بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
وردٌ تألق في ضاحي متابته فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سرى ينافحه نيلوفرٌ عبقٌ وسَنان نبّه منه الصبح أحداقا
كلٌ يهج لنا ذكرى تشوقنا إليك لم يعدُ عنا الصدر إن ضاقا
لو كان وفيّ المنى في جمعنا بكم لكان من أكرم الأيام أخلاقا
لا سكَّن اله قلبًا عن ذكركم فلم يطر بجناح الشوق خقاقا
وشاء حملي نسيم الريح حين هفا رافاكم بفتىً أضناه ما لاقى
كان التجازي بمحض الود مذ زمنِ ميدان أنسٍ جربنا فيه إطلاقا
الآن أحمد ما كنا لعهدكمُ سلوتُم وبقينا نحن عشاقا
وإني لمفتون بهذا الشطر الحزين:
سلوتُم وبقينا نحن عشاقا
فقد أجاد الوزير إبن زيدون في نظمه وغزله وكان في مقدمة شعرا الحب في عصره شهادة الشعراء الأقدمين ما ذكر في درواوينهم التي لا مجال لذكرها. وله:
أيها الرائح المغذ تحمل حاجة للمتيم المشتاق
إقرِ عني السلام أهل المصلى فبلاغ السلام بعض التلاقي
وإذا ما مررت بالخيف فاشهد أن قلبي إليه بالأشواق
وإذا ما شئت عني فقل نض وهوى ما أظنه اليوم باق
ضاع قلبي فأنشده لي بين جمع ومني عند بعض تلك الحداق
وأبكِ عني فطالما كنت من قب ل أعير الدموع للعشاق
ثم يقول:
أيها الراكب الميّمم أرضي إقر بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرضِ وفؤادي مالكيه بأرض
قدر البين بيننا فأفترقنا وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بيننا بإفتراق فعسى بإجتماعنا سوف يقضي
وقال أحدهم:
وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيًا في كل حالٍ مخافة فرقة أو لإشتياق
فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي وتسخن عينه عند التلاقي
ومن الشعراء من يتوجع على عهده قبل الفراق، كقول الشريف:
هل عهدنا بعد التفرق راجع أو غصننا بعد التسلب مورق
شوق أقام وأنت غير مقيمة والشوق بالكلف المعني أعلق
[ ٧٢ ]
ما كنت أحظى في الدنو فكيف بي واليوم نحن مغرب ومشرق
وقال الأرجاني في ألم:
رحلوا: أمام الركب نشر عبيرهم ووراءهم نفس المشوق الصادي
فكان هذا من وراء ركابهم حاد لها وكأن ذلك هادي
لله موقف ساعة يوم النوى بمنى وأقمار الحدوج بواد
لما تبعت وللمشيع غاية أظعانهم وقد إمتلكن قيادي
أتبعتهم عيني وقلبي واقفًا فوق الثنية والمطي غواد
كيف السبيل إلى التلاقي بعدما ضرب الغيور عليه بالأسداد
والحي قد ركزوا الرماح بمنزل فيه الظباء ربائب الآساد
وعد المنى بهم فقلت لصاحبي كم دون ذلك من عدي وعواد
عهدي بهمُ بوجرة جيرة سقيت عهودهُم بصوب عهاد
فاليوم من نفس النسيم إذا سرى نبغي شفاء علائل الأكباد
ولأحدهم:
يا موقفًا بالبان لم تثمر لنا غير الصبابة والأسى شجراته
هل نفرت لا نفرت غزلانه أو صوحت لا صوحت باناته
عهدي به يلوي الديون قضاته وتصيد ألباب الرجال مهاته
فاليوم لا جيرانه جيرانه قدمًا ولا فتياته فتياته
يا حادي الأظعان في آثارهم قلب تقطعه جوى حسراته
ولقد يرى ثبت الحصاة فماله أمست تذوب على البعاد حصاته
وقال الصغرائي:
لعمرك ما يرجى شفائي والهوى له بين جسمي والعظام دبيب
أجلك أن أشكو إليكِ وأنطوي على كمدي إن الهوى لعجيب
وآمل برءًا من هوى خامر الحشا وكيف بداء لا يراه طبيب
نصيبك من قلبي كما قد عهدته وما لي بحمد الله منك نصيب
وما أدعي إلا إكتفاء بنظرة إليك ودعوى العاشقين ضروب
وما بحت بالسر الذي بيننا ولكنما لحظ المحب مريب
وقال إبن الأحنف:
إليك أشكو رب ما حل بي من صد هذا التائه المعجب
صب بعصياني ولو قال لي لا تشرب البارد لم أشرب
إن قال لم يفعل وإن سيل لم يبذل وإن عوتب لم يعتب
* * * قال إعرابي:
شكوت فقالت كل هذا تبرمًا بحبي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الحب قالت لشد ما صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدلو فتقصيني فابعد طالبًا رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها وتجزع من بعدي وتنفر من قربي
فيا قوم هل من حيلة عرفونها إشيروا بها وأستوجبوا الشكر من ربي
وهذه القصيدة إنتقيناها من كتاب " مدامع العشاق " وقد أجاد في هذا المعنى من شعراء العصر حافظ بك إبراهيم حين قال:
كم تحت أذيال الظلام متيم دامي الفؤاد وليله لا يعلم
ما أنت في دنياك أول عاشق رامية لا يحنو ولا يترحم
أهرمتني يا ليل في شرخ الصبا كم فيك ساعات تشيخ وتهرم
لا أنت تقصر لي ولا أنا نقصر أتعبتني وتعبت، هل من يحكم
لله موقفنا وقد ناجيها بعظم ما يخفي الفؤاد ويكتم
قالت مَن الشاكي تسائل سربها عني ومن هذا الذي يتظلم
فأجبتها وعجبن كيف تجاهلت هو ذلك المتوجع المتألم
أنا من عرفت ومن جهلت ومن له لولا عيونك حجة لا تفحم
أسلمت نفسي لهوى وأظنها مما يجشمها الهوى لا تسلم
وأتيت يحدوني الرجاء ومن أتى متحرمًا بفنائكم لا يحرم
أشكو لذات الخال ما صنعت بنا تلك العيون وما جناه المعصم
[ ٧٣ ]
لا السهم يرفق بالجريح ولا الهوى يبقي عليه ولا الصبابة ترحم
لو تنظرين إليه في جفون الدجى متململًا من هول ما يتجشم
يمشي إلى كنف الفراش محاذرًا وجلًا يؤخر رجله ويقدم
يرمي الفراش بناظريه وينثني جزعًا ويقدم بعد ذاك ويحجم
فكأنه واليأس ينف نفسه للقتل فوق فراشه يتقدم
رشقت به في كل مدية وأنساب فيه بكل ركن أرقم
فكأنه في هوله وسعيره وادٍ قد أطلعت عليه جهنم
هذا وحقك بعض ما كابدته من ناظريك وما كتمتك أعظم
قالت أهذا أنت ويحك فأتئد حتى مَ في الغرام وتتهم
إنا سمعنا عنك ما قد رأينا وأطال فيك وفي هواك اللوّم
أصغت إلى قول الوشاة فأسرفت في هجرها وجنت عليّ وأجرموا
حتى إذا يئس الطبيب وجاءها أني تلفت تندمت وتندموا
وأتت تعود مريضًا لا بل أتت مني تشيع راحلًا لو تعلم
وقال إبن المعتز:
إيها الساقي إليك المشتكى قد دعوناك وإن لم تسمع
ونديم همت في غرته وبشرب الراح من راحته
كلما إستيقظ من سكرته جذب الزق إليه وأتكا
وسقاني أربعًا في أربع
ما لعيني غشيت بالنظر أنكرت بعدك ضوء القمر
وإذا ما شئت فاسمع خبري غشيت عيناي من طول البكا
وبكى بعضي على بعضي معي
غصن بانٍ مال من حيث إلتوى مات من يهواه من فرط الجوى
خفق الحشاء موهون القوى كلما فكّر في البين بكى
ويحه يبكي لما لم يقعِ
ليس لي صبر ولا لي جلدٌ يا لقومي عذلوا وأجتهدوا
أنكروا شكواي مما أجد مثل حالي حقه أن يشتكا
كمد اليأس وذل الطمع
كبد جرّى ودمع يكف أصرف الدمع فلا ينصر
أيها المُعرض عما أصف قد نما حبي بقلبي وزكا
لا تقل في الحب أني مدعي
عن " مدامع العشاق " للأستاذ زكي مبارك وقال إبن الرومي:
هل الملالة إلا منقضى وطرِّ من متعة يطِّبي من غيرها وطر
وفيك أحسن ما تسمو النفوس له فأين يرغب عنك السمع والبصر
وقال إبن عنين:
خبروها بأنه ما تصدى لسلوٍ عنها ولو مات صدا
واسألوها في زورة من خيالٍ إن تكن لم تجد من الهجر بدا
ظبية تخجل الغزالة وجهًا وبهاءً وتفضح الغصن دا
وقال أو الأسود الدؤلي:
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند
كبرد اليماني قد تقادم عهده ورقعته ما شئت في العين واليد
وقال صردر:
ولقد عرضت على السلو جوانحي ال حرّى فلم يرهن دار مقام
كيف السلو وليس يسلك مسمعي إلا حنين أو بكاء حمام
وقال إبن الزيات:
لم يزدني العذل إلا ولعا ضرني أكثر مما نفعا
ذهبت بالقلب عين نظرت ليتها كانت وإياه معا
كل يوم لي منها آفة تركتني للهوى متبعا
وقال الأبيوردي:
أرى كل حب غير حبك زائلًا وكل فؤادٍ غير قلبي ساليا
إذا إستخبر الواشون عما أسره حمدت سلوى أو ذممت التصابيا
أيذهل قلب أنت سر ضميره فلا كان يومًا عنك يا علو ساليا
وقال العزّي:
يا خليلي لو ملكت فؤادي جاز أن يملك الصواب عناني
ظالمي من أراد إصاف نفسي من هواها وآمري من نهاني
قد تورطت في نعسف شوقي حيث لا يعرف السلّ مكاني
[ ٧٤ ]
وقال الطغرائي:
خليليّ هل من مسعد أو معالج فؤادًا به ذاء من الحب ناكس
وهل ترجوان البرء مما أكنه فإني وبيت الله منه لآيس
سرى حيث لا يدري الضمير مكانه ولا تهتدي يومًا إليه الهواجس
إذا قلت هذا يوم أسلو تراجعت عقابيل من أسقامه ووساوس
* قال إبن الأحنف:
سكوتي بلاءُ لا أطيق إحتماله وقلبي ألفو للهوى غير نازع
وأقسم ما تركي عتابك عن قيلي ولكن لعلمي أنه غير نافع
وإني إذا لم الزم الصبر طائعًا فلا بد منه مكروهًا غير طائع
إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعةٌ فلا خير في ودٍ يكون بشافع
وله:
لعمري لقد جلبت نظرتي إليك عليّ بلاءً طويلًا
فيا ويح من كلفت نفيه بمن لا يطيق إليه السبيلا
هي الشمس مسكنها في السماء ولن تستطيع إليك النزولا
*
قال سعيد بن حميد:
أقلل عتابك فالبقاء قليل والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدةٌ ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة إن حُصَّلوا فناهم التحصيل
لئن سبقت لتبكين بحسرة وليكثرن عليّ منك عويل
ولتفجعنّ بمخلص لك وامقٍ حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين من لا يشاكله لديّ خليل
وليذهبن بهاء كل مروةٍ وليفقدن جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا باق عليه من الوفاء دليل
ولعل أيام الحياة قصيرة فعلام يكثر عتبنا ويطول
وقوله:
أفي الحق أني قد قضيت ديونكم وإن ديوني باقيات كما هي
فوا أسفي، حتام أرعى مضيَّعًا وآمن خوّانًا وأذكر ناسيا
وما زال أحبابي يسيئون عشرتي ويجفونني حتى عذرت الأعاديا
وقال أحدهم:
بيد الذي شغف الفؤاد بكم تفرج ما ألقى من الهم
قد كان صرمٌ في الممات لنا فعجلت قبل الموت بالصرم
ولما بقيت ليبقين جوى بين لجوانح مضرعٌ جسمي
فتعلمي أن قد كلفت بكم ثم إفعلي ما شئتِ عن عِلم
وقال الشريف الرضي يعاتب إحدى الجميلات:
يا صاحب القلب الصحيح أما إشتفى ألم الجوى من قلبي المصدوع
أأسأت بالمشتاق حين ملكته وجزيت فرط نزاعه بنزوع
هيهات لا تتكلفنَّ لي الهوى فضح التطبع شيمه المطبوع
كم قد نصبت لك الحبائل طامعًا فنجوت بعد تعرّض لوقوع
وتركتني ظمآن أشرب غلتي أسفًا على ذاك اللمى الممنوع
قلبي وطرفي منك هذا في حمى قيظٍ وهذا في رياض ربيع
كم ليلة جرّعته في طولها غصص الملام ومؤلم التقريع
أبكي ويبسم والدجى ما بيننا حتى أضاء بثغره ودموعي
ثقلى أنامله التراب تعللًا وأناملي في سنَي المفروع
قمرٌ إذا إستخجلته بعتابه ليس الغروب ولم يعد لطلوع
لو حيث يُستمع السّرار وقفتما لعجبتما من عزه وخضوعي
أبغي هواه بشافع من غيره شر الهوى ما نلته بشفيع
* من قول زهير:
يا هاجرين وحقكم هوَّنتم ما لا يهون
قلتم فلانٌ قد سلا ما كان ذاك ولا يكون
وحياتكم وهي التي ما مثلها عندي يمين
ما خنت عهدكم كما زعم الوشاة ولا أخون
يا من يظن بأنني قد خنته غيري الخئون
لو صحَّ ودك صح ظنك بي وبان لك اليقين
[ ٧٥ ]
يا قلب بعض الناس كم تقسو عليّ وكم ألين
يا ويلتاه لمن يخا طب أو لمن يشكو الحزين
قد ذلَّ من كان المع ين له الدمع المعين
وله:
يا أعز الناس عندي كيف خنت اليوم عهدي
سوف أشكو ك بعدي فعسى شكواي تجدي
إين مولاي يراني ودموعي فوق خدي
أقطع الليل أقاسي ما أقاسي فيه وحدي
ليتني عندك يا مولا ي أو ليتك عندي
ثم قال:
من لي بقلب أشتيه من القلوب القاسية
إني لأطلب حاجةً ليست عليك يخافيه
أنعم عليّ يقبلة هبةً وإلا عارية
وأعيدها ك لا عدم تَ بعينها وكما هيه
وإذا أردت زيادة خذها نفسي راضية
عسى يجود لنا الزما ن خلوةٍ في زاوية
أو ليتني ألقاك وحدك في طريق خاليه
وله:
يا من تبدل في الهوى يهنيك صاحبك الجديد
إن كان أعجبك الصدو د كذلك أعجبني الصدود
وأعلم يأني لا أري د إذا رأيتك لا تريد
وأنا القريب فإن تعيَّ ر صاحبي فأنا البعيد
*
سأعرض عمن راح عني معرضًا وأعلن سلواني له وأشيعه
وأحجب طرفي عنه فهو رسوله وأحجب قلبي عنه فهو شفيعه
وكيف ترى يني لمن لا يرى لها ويحفظ قلبي في الهوى من يضيعه
وأقسمت لا تجري دموعي على أمريء إذا كان لا تجري عليَّ دموعه
فإن خان طرفي ما حوته جفونه ولو خان قلبي ما حوته ضلوعه
ومن قوله:
هو حظي قد عرفته لم يحل عما عهدته
فإذا قصّر من أهوا هُ في الحب عذرته
غير أني لي في الح ب طريق قد سلكته
لو أراد البعد عني نور عيني ما تبعته
إن قلبي وهو قلبي لو تجنى ما صحبته
كل شيء من حبيبي ما خلا الغدر إحتملته
أنا في الحب غيورٌ ذاك خلقي لا عدمته
أبصر الموت إذا أبص ر غيري من عشقه
وقال البحتري:
خليليَّ ربع عَزة فأعقلا قلوصيكما ثم إبكيا حيث حلتِ
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ولا موجعات القلب حتى تولت
فقد حلفت جهدًا بما نحرت هـ قريشٌ غداة المأزمين وصلت
أناديك ما حج وكبرت بفيفا غزال وفقةٌ وأهلت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها كناذرة نذرًا فأوقت وحلت
فقلت لها يا عز كل مصيبة إذا وُطَّنت يومًا لها النفس ذلت
ولم يلق إنسانٌ من الحب ميعه تعم ولا ماءَ إلا تجلت
كأني أنادي صخرة حين أعرضت من الصم لو تمشي بها الصم زلت
صفوحًا ما تلقاك إلا بخيلة فمن مل منها ذلك الوصل ملت
أباحت حمى لم يره الناس قبلها وحلت تلاعا لم تكن قبلُ حلت
فليت قلوصي عند عزة قُيدت بحبل ضعيف غُر منها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها وكان لها باغ سواي قبلت
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكنت كذات الظلع لما تحاملت على ظلعها بعد العثار إستقلت
أريد الثواءَ عندها وأظنها إذا ما أطلنا عندها المكث ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضت إلي وأما بالنوال فضنت
يكلفها الغيران شتمي وما بها هواني ولكن للمليك إستدلت
[ ٧٦ ]
هنيئًا مريئًا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما إستحلت
والله ما قاربت إلا تباعدت بصرم وأكثرت إلا أقلت
فإن تكن اعتبي فأهلًا ومرحبًا وحقت لنا العتبى لدينا وقلت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنا منادح لو سارت بها العيس كلت
فلا يبعدن وصلٌ لعزة أصبحت يعافيه أسبابه قد توت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقليّة إن تقلت
ولكن أنيلي وأذكري من مودة لنا خلة كانت لديكم فطلت
فإني وإن صدّت لمئنٍ وصادقٌ عليها بما كانت إلينا أزلت
فما أنا بالداعي لعزة بالجوى ولا شامتٌ إن نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون أن صبابتي بعزة كانت عمرة فتجلت
فأصبحت قد أبللت من دنف بها كما أدنفت هيماء ثم إستبلت
فو الله ثم الله ما حل قبلها ولا بعدها من خُلة حيث حلت
وما مر من يوم عليّ كيومها وإن عظمت أيام أخرى وجلت
وأضحت بأعلى شاهق من فؤاده فلا القلب يسلوها ولا العين ملت
فيا عجبًا للقلب كيف إعترافه وللنفس لما وطنَّت كيف ذلت
وإني وتهيامي بعزة بعدما تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ظل تبوأ منها للمقبل أضمحلت
كاني وإياها سحابة ممحل رجاها فلما جاوزته إستهلت
فإن سال الواشون فيمَ هجرتها فقل نفس حر سليَّت فتسلت
وقال أحد الظرفاء:
ماتت لفقد الظاعنين ديارهم فكأنهم كانوا بها أرواحا
ولقد عهدت بها فهل أرينه مغدى لمنتجع الصبي ومراحا
بالنافثات النافثات نواظرًا والنافذين اسنة وصفاحا
وأرى العيون ولا كأعين عامر قدرًا مع القدر المتاح مُتاحا
متوارثي مرض الجفون وإنما مرض الجفون بأن يكن صحاحا
من كان يكلف بالأهلة فليزر ولدي هلال رغبة وبراحا
لا عيب فيهم غير شح نسائهم ومن السماحة أن يكن شحاحا
طرقته في أترابها فجلت له وهنًا من الغرر الصباح صباحا
أبرزن من تلك العيون أسنة وهززن من تلك القدود رماحا
يا حبذا ذاك السلاح وحبذا وقتٌ يكون الحسن فيه سلاحا
* وقال إبن الرومي:
زارت على غفلة من الحرس تهدي إليّ اليلام في الغلسٍ
أني تجشمت نحو أرحلنا الهو ل ولم ترهبي أذى العسس
قالت ترامى بنا إليك من الشو ق مُغِيص بالبارد السلس
كم زفرة لي تبيتت تنهض أحشا ئي ودمع عليك منبجس
وأنت لاه غيرنا ولنا منك هوى ممسك على النفس
عجبت من ذلتي ومن قلبك القا سي علينا وخلقك الشكس
لا تأمنن الهوى وسطوته وأخشى رداه ومنه فأحترس
ومن قول جميل عاشق بثينة:
ما دنا البين بين الحي وأقتسموا حبل النوى فهو في أيديهم قِطع
جادت بأدمعها ليلى وأعجلني وشك الفراق فما أبقى وما أدع
يا قلب ويحك ما عيشي بذى سلم ولا الزمان الذي قد مرّ مرتجع
أكلما بان حيّ لا تلائمهم ولا يبالون أن يشتاق من فجعوا
علقني بهوى عنهم فقد جعلت من الفراق حصاة القلب تنصدع
وقال أحدهم:
تجب فانّ الحب داعية الحبَ وكم من بعيد الدار مستوجب القرب
إذا لم يكن في الحبَ عتب ولا رضا فأين حلاوات الرسائل والكتب
[ ٧٧ ]
نفكر فإن حدثت أنّ أخا هوى نجاسًا فأرجو النجاة من الحبّ
وأطيب أيام الهوى يومك الذي تروّع بالتحريش فيه وبالعتب
وقيل أن هذه الأبيات غناء لعلية بنت المهدي وكانت تأمره أن يقول الشعر في المعاني التي تريدها لأي من الشعراء.
عرّضن للذي تحب بحب ثم دعه يروضه إبليس
فلعل الزمان يدنيك منه أن هذا الهوى جليل نفيس
صابر الحب لا يصرفك فيه كم حبيب تجهم وعبوس
وأقل اللجاج واصبر على الجهد فإن الهوى نعيم وبوس
لأحدهم:
سلام على النازح المغترب تحية صب به مكتئب
غزال مراتعه بالبليح إلى دير زكي فقصر الخشب
أيا من أعان على نفسه تخليفه طائعًا من أحب
سأستر والستر من شيمتي هوى من أحب بمن لا أحب
وقال:
أتاني كتابك يا سيدي وفيه العجائب كل العجب
أتزعم أنك لي عاشق وأنك بي مستهام وصب
فلو كان هذا كذا لم تكن لتتركني نهزة للكرب
وأنت ببغداد ترعى بها نبات اللذاذ مع من تحب
فيا من جفاني ولم أجفه ويا من شجاني بما في الكتب
كتابك قد زادني صبوة واسعر قلبي بحر اللهب
فهبني نعم قد كتمت الهوى كيف بكمان دمع سرب
ولولا إتقاؤك يا سيدي لوافتك بي الناجيات النجيب
معيدو للفرزدق يفاخر بها في وصد بني هاشم:
هذا الذي تعرف لبطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا أين خبر عباد الله كلهم هذا التقي نقي الظاهر العلم
هذا إبن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يغضي حياء ويغضي من مهابته فما يكلم ألا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحها عبق من كف أروع في عرنينه شمم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
الله شرّفه قدمًا وعظمه جري بذاك له في لوحة القلم
أي الخلائق ليست في رقابهم لأوّلية هذا أو له نعم
من يشكر الله يشكر أوليّة ذا فالدين من بيت هذا ناله الأمم
ينمي إلى ذروة الدين التي قصرت عنها الأكف وعن إدراكها القدم
من جده دان فضل الأنبياء له وفضل أمته دانت له الأمم
مشقة من رسول الله نعته طبت مغارسه والخيم والشيم
ينشق ثوب الدجى عن نور غرته كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم
من معشر حبهمو دين وبغضمو كفر وقربهمو منجى ومعتصم
مقدم بعد ذكر الله ذكرمو في كل بر ومحتوم به الكلم
أن عد أهل التقى كانوا أثمتهم أو قيل من خير اهل الأرض قيل همو
لا يستطيع جواد بعد جودهم ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
يستدفع الشر والبلوى بحبهم ويسترب به الإحسان والنعم
فغضب هشام فحبسه بين مكة والمدينة فقال:
اتحبسني بين المدينة والتي إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأسًا لم يكن رأس سيد وعينًا له حولاه بادٍ عيوبها
فبلغ شعره هشامًا فوجه فأطلقه: " أخبرنا " عبد الله بن مالك عن محمد بن موسى عن الهيثم بن عديّ قال أخبرنا أبو روح الراسي قال لما ولي خالد بن عبد الله العراق ولي مالك بن المنذر شرطة البصرة فقال الفرزدق:
يبغض فينا شطة المصرانني رأيت عليها مالكًا عقب الكلب
قال فقال مالك عليّ به فمضوا به إليه فقال:
[ ٧٨ ]
اقول لنفسي إذ تغص بريقها ألا ليت شعري ما لها عند مالك
وقيل في المرقص:
أعلل قلبي في الغرام وأكتم ولكن حالي عن هواي يترجم
فلو فاض دمعي قلت جرح مقلتي لئلا يرى حالي العذول فيفهم
وكنت خليًا لست أعرف ما الهوى فأصبحت صبًا والفؤاد متيم
رفعت إليكم قصتي أشتكي بها غرامي ووجدي كي ترقوا وترحموا
سطرتها من دمع عيني لعلها بما حل بي منكم إليكم تترجم
رعى الله وجهًا بالغرام مبرقعا له البدر عبد والكواكب تخدم
على حسن ما رأيت مثيلها ومن ميلها الأغصان عطفًا تعلم
وأسألكم من غير حمل مشقة زيارتنا إن الوصال معظم
وهبت لكم روحي عسى تقبلونها فلي الوصل مني والصدود جهم
فأخذت الجارية الكتاب وأعطته إلى سيدها. فلما قرأت ذاك الكتاب هاج منها الوجد والغرام وكتبت له أيضًا تقول:
يا من تعلق قلبه بجمالنا أصبر لعلك في الهوى تحظى بنا
لما علمنا أن حبك صادق وأصاب قلبك ما أصاب فؤادنا
زدناك فوق الوصل مثله لكن منع الوصل من حجابنا
وإذا تجلى الليل من فرط الهوى تتوقد النيران في أحجابنا
وجت مضاجعنا الجنوب وربما قد برح التبريح في أجسامنا
الفوض في شرع الهوى كتم الهوى لا ترفعوا المسبول من أستارنا
فلما فرغت من شعرها طوت الكتاب وأعطته إلى الخادمة فأخذته وخرجت من عندها. فصادفها الحاجب وقال لها: أين تذهبين؟ فقالت إلى الحمام وقد إنزعجت منه فوقعت منها الورقة دون إنتباه. فبينما كان بعض الخدم يمشي في تلك الجهة وقع نظره على الورقة فأخذها وقدمها إلى الوزير فلما قرأها وفهم فحواها هاج منه الغيظ والغضب وجاء إلى إبنته ورد لائمًا منددًا. ثم أمر بعض الخدم بإيعادها وأخذ مكان لها يكون بعيدًا في البرية. فلما علمت بذلك زاد منها القلق وكتبت قبل ذهابها هذه الأبيات على باب حجرتها.
بالله يا دار مر الحبيب ضحى مسلمًا بإشارات يحيينا
أهديه منا سلامًا زاكيًا عطرًا لأنه ليس يدري أين أمسينا
ولست أدري إلى أين الرحيل بنا لما مضوا بي سريعًا مستخفينا
في جنح ليل وطير الأيك قد عكفت على الغصون تباكينا وتنعينا
وقال عنها لسان الحال وأحربا من التفرق ما بين المحبينا
لما رأيت كؤوس المر قد ملئت والدهر من صرفها بالقهر يسقينا
مزجتها بجميل الصبر متذرًا وأنكم الآن ليس الصبر يسلينا
ولما فرغت من شعرها ركبت وساروا بها يقطعون القفار حتى وصلوا إلى مكان منفرد أمام شاطيء نهر فنصبوا لها خيمة ووكلوا بها عض الخدم.
لما أظلم الظلام تذكرت حالها وكيف فارقت أطلال الحبيب فسكبت العبرات وأنشدت تقول:
جن الظلام وهاج الوجد بالسقم والشوق حرك ما عندي من الألم
ولوعة البين في الأحشاء قد سكنت والفكر صيرني في حالة العدم
والوجد أقلقني والشوق أحرقني والدمع باح بسر أي مكتتم
وليس لي حالة في العشق أعرفها من رق عودي ومن سقمي ومن ألمي
جحيم قلبي من النيران قد سعرت ومن لظى حرها الأكباد في نقم
ما كنت أملك نفسي أن أودعهم يوم الفراق فيا قهري ويا ندمي
يا من يبلغهم ما حل بي وكفى إني صبرت على ما خط بالقلم
أقسمت لا حلت عنهم في الهوى أبدًا يمين شرع الهوى مبروة القسم
يا ليل سلم على الأحباب مخبرهم وأشهد بعلمك أني فيك لم أنم
[ ٧٩ ]
أما أنس الوجود فإنه بعد كتابة الأبيات وإرسالها إلى محبوبته ورد صبر إلى ثاني الأيام وقصد بيتها. فسأل عنها الخادمة فأعلمته بالخبر وأطلعته على ما كتبت من أبيات على الباب فلما قرأ تلك الأبيات زاد منه الوجد والقلق وسار في عرض القفار لا يرتاح إلى سمير ولا يلذ له الكلام. إلى أن رأى رجلًا أهداه إلى مكانها فبينما هو سائر إلى حبيبته وقع نظره على حمام يهزأ منه الأيك فهاج منه لاعج الغرام وأنشد:
يا حمام الأيك أقريك السلام يا أخا العشاق من أهل الغرام
أنني أهوى غزالًا أهيفًا لحظه أقطع من حد الحسام
في الهوى أحرق قلبي والحشا وعلا جسمي نحول وسقام
ولذيذ الزاد قد حرمته مثل ما حرمت من طيب المنام
وأصطباري وسلوى رحلا والهوى بالوجد عندي قد أقام
كيف يهنا العيش لي من بعدهم وهم روحي وقصدي والمرام
أما حبيبته ورد فإنها بينما كانت تخطر حول خيامها إذ رأت موكبًا حافلًا عن بعد فدنت منه فإذا في وسطه أمير خطير فلما وقع نظره عليها عجب من رائق جمالها وهاله ما رأى فيها من شدة الضعف والهزال فسألها عن حالها وما ألم بها. فأعلمته القصة على التمام وما جرى لها أولًا وآخرًا. فرق لها قلبه وبعث فاسترضى أباها وأرسل من يأتي بأنس الوجود. فما مضى إلا القليل حتى صادفوه قريبًا من خيام محبوبته. فلما جاءوا به إليها مالت غليه كغصن البان فضمها إلى صدره وأنشد:
ما أحيلاها ليلات الوفا حيث أمسى لي حبيبي منصفا
نصب السعد لنا أعلامه وشربنا منه كأسًا قد صفا
وأجتمعنا وتشاكينا الأسى وليلات تقضت بالجفا
ونسينا ما مضى يا سادتي وعفا الرحمن عما سلفا
وعاشا معًا في ألذ عيش وأهنأ بال، وكان لا يفارقها لحظة واحدة، وهكذا تذوق لذة الحب بعد العذاب الأمر..
وما أحلى الهناء بعد الشقاء.
وهذه الأبيات المختارة لعدة شعراء من شعراء الحب في المرقص من الشعر والغز والوصف والشكوى والحنين لأشهر العشاق والغرام في العصور الغابرة. وقد إنتقيناها نظرًا لأهميتها وتتناسب مع مواد الرقصات المطربات.
لأحد العشاق يخاطب بها معشوقته:
أميرة الحسن حلي قيد أسراك واشفي بعذب اللمى تعذيب مضناك
أميرة الحسن لم أدرِ الغرام ولا حر الجوى بل ما شاهدت رؤياك
أميرة الحسن خافي الله وأعدلي بالحكم إن كان رب الجمال ولاك
أميرة الحين أمري غير منكتم عن الأنام فكيف اليوم يخفاك
يذوب جسمي ويفنى الصبر إن عبرت دقيقة لا أرى فيها محياك
لو كنت أكتب ما يلقون من ورق وصفًا بحسنك ما حصلت معناك
إن تنكري عند قاضي الحب سفك دمي فلي عليكِ شهود منك خدّاك
سأكتم احب حتى ينقضي اجلي وتنتهي أدمعي من جفني الباكي
وإن حكى لك وجدي النسيم وما لقيت بعد النوى فأصغي إلى الحاكي
ثم قال.
كيف السبيل وما نسيت هواكم يومًا ولا أنساه طول زماني
إن غبتم عني فرسم جمالكم ما زال مطبوعًا على أعياني
تبكي عيوني في الصباح وفي المسا والدمع قرّح بعدكم أجفاني
روحي فداكم يا كرام فواصلوا وتكرموا فالنوم قد جافاني
يفني الزمان ولا أخون عهودكم أبدًا ولو قاسيت كل هوان
نارٌ بقلبي لا يزال سعيها متأججًا من جمرة الهجران
أصبوا إليكم كلما برق سري أو ناح طير الأيك في الأغصان
مسكين هذا الشاعر العاشق لم يذق حلاوة حب أو ثمرة غرام
قال أحدهم والحب كواه بناره:
يا جميل العشاق بالله خبروا إذا إشتد عشق بالفتى كيف يصنع
يصبر على هواه ثم يكتم أمره ويصبر في كل الأمور ويخضع
[ ٨٠ ]
فكيف يداري الهوى والهوى قاتل الفتى وفي كل يوم قلبه يتقطع
فإن لم يجد أمرًا لكتمان سره ما له يا زين سوى الموت أنفع
هذا العاشق كان متألمًا وفي قلبه حب ونار لا تخمد إلا بوصال حبيبه: لأبي نواس:
نضت عنها القميص لصب ماء فورد خدها فرط الحياء
وقابلت الهواء وقد تعرت بمعتدل أرق من الهواء
ومدت راحة كالماء منها إلى ماء معد في إناء
فلما أن قضت وطرًا وهمت على عجل إلى أخذ الرداء
رأت شخص الرقيب على التداني فأسبلت الظلام على الضياء
وغاب الصبح منها تحت ليل وظل الماء يقطر فوق ماء
فسبحان الإله فقد براها كأحسن ما تكون من النساء
قال الرقاشي:
أتسلوها وقلبك مستطار وقد منع القرار فلا فرار
وقد تركتك صبًا مستهام فتاة لا تزور ولا تزار
ولت وأنثنت فيها وقالت كلام الليل يمحوه النهار
قال أبو مصعب:
أما والله لو تجدين وجدي لما وسعتك في بغداد دار
أما يكفيك أن العين عبرى ومن ذكراك في الأحشاء نار
تبسمت بغير ضحك وقالت كلام الليل يمحوه النهار
قال أبو نواس:
وخردًا أقبلت في القصر سكرى ولكن زيّن السكر الوقار
وهز الريح أردافًا ثقالًا وغصنًا فيه رمان صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها من التخميش وأنحلل الأزار
فقلت الوعد سيدتي فقالت كلام الليل يمحوه النهار
لأحد العشاق:
أفدي بروحي من شبهت طلعتها بطعة الشمس فأغتاظت لتشبيهي
وأعرضت وهي غضبى فأعتذرت لها عذرًا قالت العذر جانيه
قالت الشمس عرف مثل طرفي ذا إن كنت تفهم معنى من معانيه
أو هل بها مثل خدي في تورده أو هل لها مثل قدّي في تثنيه
فقلت دونك فأقتضِ بلا حجٍ هذا لساني الذي أخطأ عضيه
فتبسمت وأنثنت ثم قالت هذه خدعة لمرض ألم ك والعض بشفيه
أختالت وتمايلت ثم قالت هذا ليس ك هذه المحاسن واورد لمن يعرف معانيه
* * * هذه الأبيات هي للجعبري ﵀، ونحن أخذناها عن كتاب: " مملكة الجمال " للأستاذ قراعة محمود.
ندعي أن الخيال أجمل من الحقيقة، لأننا تلحظ دائمًا في الخيال الراقي روعة من نسمات الحقيقة.
أنظر إلى الجعبري مثلًا وهو يقول:
ناعس الطرف كحيل المقل رق في وص حلاه غزلي
رق يا منية قلبي كرمًا فعذولي من نحولي رق لي
يا خلي البال لا تلم لا تلمني في هواه يا خلي
أنا عن محبوب قلبي لم أحل لا ولا أصغي لقول العذل
يا أهيل الحي رقوا وأرحموا مغرمًا أضحى قتيل المقل
أنا مأسور ومعي مطلقٌ في هوى الظبى الغرير الأكحل
ريقه السلسال ما أعذبه ما أحيلاه وما أشهاه لي
في سويدا القلب أضحى نازلًا ما خلا منه ولم يرتحل
غارب الأغصان لما أن بدا وأختفى بدر الدجى من خجل
بعيون فأتكأت قد رمت لسهام فأصابت مقلي
قدّه العسال ما أرشقه ولماه قد حوى من عسل
كم حوى في ثغره من درر ولكم بالريق أشفى غلل
أترى بعد التجني والجفا بوصال هجري يسمح لي
* * *
[ ٨١ ]
تجد الشاعر قد ذكر في خياله الكثير من الحقائق التي لو ذكرها كذا جافة من غير أن يعمد إلى الخيال في تشبيهاته، وأستفارته، وكتاباته، لما كان لقوله التأثير الذي تلقيه في أنفسنا عند سماع هذا الشعر الذي هو الشعور صيغَ في قالب خيالي ليعبر عن حقائق نفسية هي في نفسها جمال، ولكن جمالها في التي نقلت إليها هذه المعاني! ولنعد إلى الجعبري مرة اخرى، لنتبين صلة الخيال بالحقيقة في شعره ولنختار منها هذه المرة قوله:
مليح ناعس الطرف رشيق القد والعطف
غزال قد سبى عقلي بذاك الخصر والردف
وورد فوق خديه يشوقني إلى القطف
وآض عذاره المسكي كنقش الغيد في الكف
وطيب بطيب نكهته واسكر من شذ العرف
فما أبهاه من بدر بدا في غاية اللطف
بنار الهجر أحرقني وفي هجرانه حتفي
متى بوصاله أحظى ونيران الجفا تطفي
وقد أصبحت ذا سقم ولكن ريقه يشفي
أموت بحبه ودًا وأحيا منه بالرشف
ومن وجدي به نمت دموعي بالذي اخفي
وقد باحت بأسراري فقلت لأدمعي كفي
وقلت لعاذل دعني فبعض اللوم لي يكفي
فمحبوبي له قدٌ رشيقٌ زايد الظرف
وإن لم أحظَ من حبي بوصل منه وا لهفي
أو أنظر إلى قوله:
زاد الغرام بمهجتي والوجد أسهر مقلتي
والقلب ذاب من القلا الدمع باح بقصتي
ولهيب نار جوانحي قد أشعلت من حرقتي
قد قل صبري بعدكم والبعد غيَّر حالتي
وغدوت بين خيامهم كالهائم المتلفت
ناديتهم سحرًا وقد هاجت بلابل لوعتي
أحباب قلبي قد كفى ما قد جرى من عبرتي
كم ذا أعلل بالملتقى قلبي بقرب أحبتي
إن كان عز الملتقى يا مهجتي فتفتتي
يا ليتهم رفقوا فقد رق العذول لرقت
عساهم أن يسمحوا بعد البعاد بزورة
صلاح الدين الصفدي:
إن عيني مذ غاب شخصك عنها يأمر السهد في كراها وينهى
بدموع كأنهن الغوادي لا تسل ما جرى على الخد منها
لآخر:
سألتها عن فؤادي أين موضعه فإنه ضل عني مسراها
قالت لدينا قلوب جمة جمعت فأيها أنت تعني قلت أشقاها
لبعضهم:
وخالٌ قد تضمنه عذارٌ تروق العين إن نظرت إليه
كشحرور تخبي في سياج مخافة باشق يسطو عليه
إبن نباتة:
وبمهجتي رشأ يميس قوامه فكأنه نشوان من شفتيه
شفق العذار بخدّه ورآه قد تعست لواحظه فدبّ عليه
ولله در القائل:
يا محرقًا بالنار وجه محبه مهلًا فإن مدامعي تطفيه
أحرق بها جسدي وكل جوار حي وأشفق على قلبي لأنك فيه
إبن نباته:
فديتك أيها الرامي بقوس ولحظ يا ضنى قلبي عليه
لقوسك نحو حاجبك إنجذاب وشبه الشيء منجذب إليه
الشيخ حسين الدجاني:
إذا لم يكن معنى حديثك لي يروي فلا مهجتي تشفي ولا كبدي يروي
نظرت ولم أنظر سواك أحبه ولولاك ما طاب الهوى الذي يهوى
ولما إجتلاك القلب في خلة المرضى وشاهد قال الناس ضلت به ألا هو
لعمرك ما ضلّ المحب ولا غوى ولكنهم لما عموا أخطأوا الفتوى
ولو شهدوا معنى جمالك مثلما شهدت بعين القلب ما أنكروا الدعوى
خلعت عذاري في هواك ومن يكن خليع عذار في الهوى سره نجوى
ومزّق أثواب القار تهتكًا عليك وطابت في محبتك البلوى
[ ٨٢ ]
فما في الهوى شكوى ولو مزّق الحشا وعارٌ على العشاق أن يظهروا الشكوى
وما علموا في الحب داء سوى الجوى وعندي أسباب الهوى كلها أدوا
مال الدين بن مطروح:
ذكر الحمى فصبا وكان قد أرعوى صب على عرش الغرام قد إستوى
تجري مدامعه ويخفق قلبه مهما جرى ذكر العتيق مع اللوى
وإذا تالق بارق من بارق فهناك ينشر من هواه ما إنطوى
فخذ أحاديث الهوى عن صادق ما ضلّ بي شرع الغرام وما غوى
وبمهجتي رشأ أطالت عذلي فيه الملام وقد حوى ما قد حوى
قالوا أفيه سوى رشاقة قده وفتور عينيه وهل موتي سوى
ما أبصرته لشمس إلا وأكتست خجلًا ولا غصن النقا إلا إلتوى
يروي الأراك محاسنًا عن وجهه يا طيب ما نقل الأراك وما روى
الأمير مجاهد:
ومهفهف عني يميل ولم يمل يومًا إليّ فقلت من ألم الجوى
لِمَ لا تميل إليّ يا غصن النقا فأجاب كيف وأنت من جهة اللوى
مجنون ليلى:
تذكرت ليلى والسنين الخواليا وأيام لم يعدى على الناس عاديا
ويوم كظل الرمح قصرّت ظله بليلى والهاني وما كنت لاهيا
فيا ليل كم من حاجة لي مهمة إذا جيتكم يا ليل لم أدر ما هيا
خليليّ ألا تبكيان فأرتجي خليلًا إذا أجريت دمعي بكى ليا
فما أشرف الإيقاع إلا صبابة ولا أنشد الأشعار إلا تداويا
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا
لحى الله أقوامًا يقولون أننا وجدنا طول الدهر للحب شافيا
وله:
خليليّ لا والله لا أملك الذي قضى الله في ليلى وما قضى ليا
قضاها لغيري وأبتلاني بحبها هلا بشيء غير ليلى إبتلانيا
وخبرتماني أن تيماء منزل لليلى إذا ما الصيف القى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنا قد إنقضت فما للنوى يرمي بليلى المراميا
فلو كان واشٍ باليمامة داره وداري بأعلى حضرموت أتانيا
وقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل بي النقص والإبرام حتى علانيا
فيا رب سوء الحب بيني وبينها يكون كفافًا لا عليّ ولا لي
فما طلع النجم الذي يهتدى به ولا الصبح إلا هيجا ذكرها لي
وله:
فإن تمنعوا وطيب حديثها عليّ فلن تحموا عليّ القوافيا
فأشهد عند الله أنني أحبها فهذا لها عندي فما عندها لي
وقد لامني اللوّام فيها جهالة فليت الهوى باللائمين مكانيا
فما زادني الناهون إلا صبابة وما زادني الواشون إلا تماديا
قضى الله بالمعروف منها لغيرنا وبالشوق مني والغرام قضى لي
وله:
أعد الليالي ليلة بعد ليلة قد عشت دهرًا لا أعد اللياليا
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالليل خاليا
تراني إذا صليت يممت نحوها بوجهي وإن كان المصلِ ورائيا
ثم قال:
يقولون ليلى أهل بيتي عدوة وأفديك يا ليلى نفسي وما لي
يقولون ليلى بالعراق مريضة فيا ليتني كنت الطبيب المداويا
يقولون سوداء الجبين دميمة ولولا سواد المسك ما كان غاليا
لعمري لقد أبكيتني يا حمامة العقيق وأبكيت العيون البواكيا
خليليّ ما أرجو من العيش بعدما أرى حاجتي تشرى ولا تشترى ليا
وتحرم ليلى ثم تزعم أنني قتلت لليلى أخوة ومواليا
فلم أرَ مثلينا خليلًا صبابة أشد على رغم العداة تصافيا
[ ٨٣ ]
إذا سرت في أرض الفضاء رأيتني أصانع رجلي إن ليلى حذائيا
يمينًا إذا كانت يمينًا وإن تكن شمالًا ينازعني الهوى شماليا
وله:
ألا أيها الركب اليمانيون عرّجوا علينا فقد أمسى هوانا يمانيا
ألا أيها الواشي بليلى ألا ترى إلى من تشيها أو لمن أنت واشيا
فيا رب إن صيرت ليلى هي المنى زدني بعينيها كما زدتها لي
وإلا فبغّضها إليَّ وأهلها فإني بليلى د لقيت الدواهيا
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه وإن كنت من ليلى على النار طاويا
ليليّ هيّا وساعداني على البكا فقد صغرت نفسي ورب المثانيا
خليليّ لو كنت الصحيح وكنتما سقيمين لم أفعل كفعلكما بيا
خليلي إن ضنّوا بليلى فقبا لي النعش والأكفان وأستغفرا ليا
الشاب الظريف:
لي من هواك قريبة وبعيدة ولك الجمال بديعة وغريبة
يا من أعيذ جماله بجلاله حذرًا عليه من العيون تصيبه
إن لم تكن عيني فإنك نورها أو لم تكن قلبي فأنت حبيبه
هل حرمة أو رحمة لمتيم قد قل فيك نصيره ونصيبه
ألف القصائد في هواك تغزلًا حتى كأن بك النسيب نسيبه
هب لي فؤادًا بالغرام تشبه واستبق فؤادًا بالصدور تشبيه
لم يبق لي سرًا أقول تذيعه عني ولا قلب أقول تذيبه
كم ليلة قضيتها متسهدًا والدمع يجرح مقلتي مسكوبة
والنجم أقرب من لقاك مناله عندي وأبعد من رضاك مغيه
والحر قد رقت علي عيونه وجفونه وشماله وجنوبه
هي مقلة سهم الفراق يصيبها ويسح وابل دمعها فيصوبه