قال "الشيخ علي": وإني محدثك الآن حديثا يشفي نفسك من الخبر، ويفتح عليك أبوابا من العبرة والموعظة ويحضرك طرفا من الدنيا بأقداره وعلله ومذاهب حكمة الله فيه كأنما أنت شاهد أمره، فلتعلمن أن في المال مشغلة عما سوى المال، وأن الحرص عليه حق الحرص لا يدخل أمرا من أمور الحياة فيعترض بين ورده وصدره إلا من ساء أحدهما أو كلا هما وفسد الأمر فعسى أن يتصل بما هو أجل منه خطرا وأنسى منزلة، فلا يكون ذلك الحرص إلا مضيعة، ولا تكون الرغبة فيما يستخلف إلا سببا في ذهاب ما لا يستخلف.
ولتعلمن أن المال شيء غير الحياة، وأن الحياة شيء غير المال، وأن ما يخدع الإنسان فيتلون له من سراب هذه السعادة إنما يكون أكثر ما هو كائن من بريق المال يحسبه شيئا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وعسى ألا يكون فيما أقبل من نعيم الدنيا إلا ما يدبر صاحبها، وأن لا تصيب فيما روي عنك من حظها إلا ما يقبل بخط نفسك عل نفسك.
ثم لتعلمن أنه إن كانت للقدرة فترة عن رجل من الناس فقيرًا أو غنيًا أو بين ذلك، فما هي غفلة ولا معجزة، ولعل الرجل إنما يمد له في الغي مدا طويلا حتى إذا جاء يومها انفجر عليه بما لا يطيق له سدا ولا يستطيع له ردا وأنه رب كلمة تعارف الناس معناها وأجروها على مذهبها في كلامهم فإذا هي نزلت بعض منازلها من الحياة كان لها معنى آخر لا تفسره إلا الحياة نفسها، ثم لا تفسره إلا على ضد مأخذهم ومقصدهم، فيقول الناس "فلان الأمير" ومعنى ذلك فيما نراه من حوادث الحياة وأقدارها فلان النذل، ويقولون "هذا الغني" ومذهب الحياة أنه الشقي بغناه، وفلان أعزه الله وإنما هي أخزاه الله بعزه، ويحسدون فلانا إذ يرون أن الله ﷿ قد مكن له وآتاه من بسطة المال والجاه وهو يستعد للحياة بأفضل عدتها ثم تقع الواقعة ويتغشى فلانا هذا ما شاء الله من الحوادث والأقدار فإذا هو كأنما كان يستعد للموت بأقبح عدته!.
[ ٣٢ ]
ولتعلمن كذلك أن الغاية من هذه الحياة كمال الحي في جسمه ونفسه، فإن تم بالفقر فذلك غناه، وإن نقص بالغنى فذلك فقره، ولا شأن لاصطلاح الناس فيما هو خاص بين المرء وذات نفسه، وهذا معنى بسطته لك آنفا ولكني متلقيك بمثاله من رجل وامرأة، ولا عليك أن لا تسمع حديثا عن الباشا و"هانمه" أو أبي زيد وأم الخير، ولا على أن أجيئك بالمثالين على باخرة أجعل ذلك من صرف الكلام وتزيينه وما بلادنا من هذه المخازي بمنتزح، ولكني أردت إمتاعك من لذة الحديث على مدار إمتاعك من حكمة الحادثة، والكلام عن رذائل الحياة في بلادنا هذه كلام غي يتجافى عن الرقة في أكثر مناحيه، وإذا وجهته إلى أكثر قومك فإنما أنت تشتمهم به أ، هم يتلقونه من هذه الجهة، ولا مناص أن تقع بك ظنة السباب وإن كنت واعظا، ويقال عاق وإن كنت برًا، وغاش وإن كنت من الناصحين.