قال "الشيخ علي": كل خطب عظم مدة هان بعدها، إلا خطب المرأة فإنه متى عظم لا يزال يعظم، وما رأيت في أصناف البلاء كالمرأة السلطة إذا هي استكلبت فكأنما جعل الدهر الجائر أيامها خطًا من خطوط مداره، واتخذ من دار زوجها متحفًا ثم أودعه تلك المجموعة من آثاره ويا رحمة لهذا الزوج! فهو كلما خرج من بيته خرج خزيان يتنقب، وكلما انقلب إليه انقلب خائفًا يترقب، ولا تزال تعرف في عينه نظرة مغلوبة وأخرى مسلوبة، وفي قلبه مصيبة مستقرة وثانية مجلوبة، وترى على وجهه سمة استخذاء كأنها مسحة استهزاء، ولروحه ظلًا على فمه كأنه ظل النخوة الهاربة من دمه ولا يزال مع امرأته المكابرة كأنها ذنب وكأنه ندامة، وقد جمعت عليه الدنيا والآخرة فكأنه من خوفها في موت ومن لسانها في "قيامة"..
وما في الله خلق أعظم من المرأة، فهي طبيعة وحدها، غير أنها الطبيعة الدقيقة الحس، وليس يدرك الرجل حقيقة نفسه قبل أن يخلطها بنفسه، فإذا رأيتها خاملة مغمورة، أو ساقطة مجزورة، أو ميتة في الأحياء مقبورة فلا ترين أنها مغلوبة للرجل ولكنها مغلوبة لإحساسها، وقد وفر الله عليها من القوة ما شاء ولكنه غمز منها موضعًا دقيقًا فخرجت بحيث تراها أقوى الأشياء وترى هي نفسها كأن لا قوة فيها، وهذا سر من نظام الطبيعة، فإن أشجع الناس الذي لا يخاف شيئًا يخاف أشياءً كثيرة من نفسه، فلولا أثر يد الله في إضعافها ما قامت للرجل معها قائمة.
وهذا الموضع الذي أسلمها ضعيفة مستخذية إنما هو جهلها بتصريف إحساسها، فليست القوة إلا شيئًا طبيعيًا في هذا الوجود كائنة ما كانت، وإنما الشأن كله في العلم بطريقة استعمالها، وما من رجل يداري المرأة نوعًا من المداراة فترضى عنه وجهًا من الرضا، إلا رآها في يده أضعف ما خلق الله، هينة لينة سمحة مطمئنة، إن كانت دون الملائكة فهي فوق الناس، إذ هو إنما يستولي على إحساسها فيأمن أن تصرفه في غير مرضاته ومحبته، ومن ثم تصبح كأنها صورة من إرادته وكأن في نفسها نفسه.
فإن جهل الرجل كيف يداريها، وانقطعت الأسباب المختلفة بينه وبين رضاها، ولم يكن أهلًا منها لما هي أهله منه استوقد إحساسها وبصرها كيف تناله ومن أسن تأتيه، فابتلي منها بفتنة ما تهدأ وقدتها، فما السابح في البحر إذا أراد أن يقيد الموجة العاتية بالحبال، ولا المصروع إذا حاول أن يدع بيده ما أفزعه من جن الخيال، ولا الطفل يبتغي أن يمسك القمر في الماء، ولا المجنون يتطاول فيقتلع النجم من السماء- بأقدر ممن تبغضه المرأة إذا زعم القدرة على إرغامها، وتصريف زمامها، ومن تمضغه المرأة إذا زعم القدرة على إسكانها، وتصريف بركانها، ومن تحقره المرأة إذا زعم القدرة على ردها، وإرجاعها دون حدها، ومن تصول عليه المرأة إذا ادعى القدرة على إسقاطها، والقوة على التقاطها!.
فليس يعجز الرجل في سلاطة المرأة إذا هي سلطت عليه ما يكون من حدة جنانها، وشدة عنانها، وشرة لسانها، فكل هذه وأمثال هذه إنما هي ضروب مما تحاول من إظهار عظمتها الطبيعية المغلوبة، ومن أجل ذلك قلما كانت المرأة السليطة إلا غالبة، إذ هي نفس منفجرة.
ولقد يعجز الإنسان أحيانا كثيرة أن يكون نفسه، غذ لا تنقاد له الطريقة التي يغلب بها على الحوادث أو يجاريها أو ينبه لها الحذر، ومن ثم ينكر نفسه كأنها غير التي يعرف من قبل، ولكن المرأة متى ثارت لا تعجز أبدا أن تكون نفسها، وما نفسها إلا أعظم ما في الخليقة من الخير والشر!.
[ ٤٦ ]
قال "الشيخ علي": كذلك صارت لويز مع زوجها وانحازت إلها طبيعته الغالبة فكانت قوية به وبنفسها وكان ضعيفا بها وبنفسه.
ألا وإن أخلاق المرء إنما هي أعصاب أعماله، فانظر ويحك ما عسى أن يكون في البغض أشد من أعمال امرأة أبغضت بعقلها وبقلبها، ولحاضرها ومستقبلها، وصارت حياتها كلها من الشر والسوء كأنها لعنة يصبها الله على رأس هذا الهرم؟.
وكذلك اندمج في إرادتها كما اندمج الثعلب في فروته الجميلة الناعمة: ترميه بالنظرة حين يتكلم فتقف الكلمة بين حلقه والوريد، ويجيئها وقد أجمع النية أن يأمرها فلا تأخذه عينها حتى يسألها ما تأمره، ويجهد أن تعلم أنه زوجها ثم ينقلب وهو يتمنى لو تعلم أنها زوجته، ويوسع قلبه عزما أن يفعل ويفعل، ثم يراها فيخشى أن تكون اطلعت على أن في قلبه شيئا من العزم!.
وهو لا يعلم بزعمه كيف أنكرته وكيف تغيرت عليه وكيف تنكرت له، ولكنه يريد أن يسأل كل شيء عن ذلك إلا وجهه ذلك الوجه الذي جعله الحب أقبح ما عرف من دائه، وأشد ما خاف من أعدائه، وما أفضى إليها مرة وهو يحمله إلا عرف أنه من ذنبه في حبها، وأنه من عذرها في بغضه، فيطرق إطراقة يتكلفها ويحسبها تشفع له عندها، لأن فيه ذل الشيبة، وألم الخيبة، وشدة الهيبة، ولكن وجهه يظهره وقتئذ مظهرا ليس في معنى السماجة أسمج منه، إذ يكون كاللص الذي لا ينكر على ملأ الناس أنه سارق، وهو مع ذلك يحرص على أن لا يؤخذ منه ما تجشم في سرقته، وقد عرفت المرأة أنها لا تغمز منه إلا مكاسر عظمه الواهن، ولا تطأ منه إلا كل مفصل مرضوض، ولكنها عرفت كذلك أنه ظالم لنفسه، إذ حملها ما ليس في طاقته، وظالم لها! إذ أرادها على ما ليس في طاقتها، فهو ظالم أشبه بمظلوم، وما مثله في حبها إلا كمثل الفراشة، لا ترجع دون المصباح إلا أن تخالط ناره، فما تحتال من حيلة غلا أحست منها حتفها وتلفتها، غير أنها لا تزال تنزع من ذلك ما ينبغي أن تنزع عنه، وكلما تهافتت انحص جناحها من ناحية، ومع هذا كله لا تسكن مادامت فيها حركة تنبعث.
وما من شيء إلا وقد جعل الله فيه النفع والضرر، فمن التمسه على حالة منهما لم تؤده إلى الأخرى، وما تغني الإنسان معرفة الأشياء على حقائقها إلا إذا عرف مع ذلك فروق ما بينها، وتبين الحدود الفاصلة بين الشيء والشيء الأخر، وبين الحالة والحالة الأخرى في الشيء الواحد، فقد يكون الإفراط من الدواء داء مع الداء، وقد يجتمع من طعامين بلاء لا يكون من جوع يومين!.
والمرأة هي في حاجة الرجل غليها، ولكن كل امرأة تكاد تكون جنسا بعينه في حاجتها إلى الرجل، فمن ههنا أحبت وأبغضت.
ولو أن هذه المرأة مما تنبت الأرض وتسقي السماء لقد كانت تصلح مع كل رجل كما تصلح لكل رجل، ولكن لها قلبا، وحسا مع هذا القلب، ونفسا مع هذا الحس، ورقة مع هذه النفس، فهي إن لم تحب الرجل من هذه الجهات الأربع لا تكون قد أحبته ذلك الحب الروحي العجيب الذي يوصف بأنه حب المرأة.
قال "الشيخ علي": وقد رأت لويز أن زوجها خرب من كل جهاته، وأكبر ما فيه أنه كالأرض الفضاء: إذا ضرب عليها سور وجعل في هذا السور باب، ووضع على هذا الباب قفل، فما غناه العريض، وما له الكثير، ولا اسمه في أهل الغنى غلا كتلك الحدود المضروبة على ما وراءها من الفراغ والفضاء.
وكانت ترتاع لذله وترق لخضوعه، وتود لو استطاعت أن تراه غير من هو فتعرفه غير ما عرفته وتجزيه غير ما جزته، ولكنه لم يكن يجيئها أبدا إلا بادي المقتل، ولا يريد مع ضعفه أن يعدل عن محزنها، وأماتت من نفسه نزعة غلا انبعثت فيها نزعة أخرى، كأنه رأى في غضبها جمالا لم يره في رضاها، وأحس من ثورة شبابها وفورة غيظها ما يعالج منه خمود الهرم وبرد الموت في عظامه، فاعتاد منها ما تجزيه، واعتادت منه ما يخزيه، ومرا على ذلك دهرا مات فيه الوفاء، ومرض الحياء، فإذا تاريخ هذه المرأة لعنات، وإذا عرض هذا الرجل كله طعنات، وأصبحت ملكة عليه وأصبح معها كما قال ذلك الحكيم: "من أراد مصاحبة الملوك فليدخل كالأعمى وليخرج كالأخرس! ".