طريدة بؤس مل من بؤسه الصبر وطالت على الغبراء أيامها الغبر
تنكرت الدنيا لها ورمت بها على الكوكب الهاوي حواه فضا قفر
وكانت كما شاءت وشاء جمالها كما اشتهت العليا كما وصف الشعر
تلألأ في صدر المكارم درة يحيط بها من عقد أنسابها در
وما برحت ترقى السنين وتعتلي وكل المعالي في طفولتها حجر
فكانت كزهر نضر الفجر حسنه ولما علتا كالنجم أطفأها الفجر!
رمى الدهر أهليها بحرب ولم يرد بها الشر لكن الحروب هي الشر
ومن يحطم الكأس الروية وحدها فقد ذهب اثنان: الزجاجة والخمر
تقاسمت الحسن الإلهي وانثنى يقاسمها، فالأمر بينهما أمر
فللشمس منها طلعة الحسن مشرقا وفيها من الشمس التوقد والجمر
وللزهر منها نفحة الحسن عاطرا وفيها ذبول مثلما ذبل الزهر
وللظبي منها ملتقاها وجيدها وفيها من الظبي التلفت والذعر
وما قيمة الحسناء يقبح حظها وتذوي بروض الحب أيامها الخضر
من الحسن معنى يهلك السن عنده كم أهلك الأزهار أن يؤخذ العطر
فما السن فخر للحسان وإنما لخالقه فيما يريد به سر
ضعيفة أنفاس المنى بعدما غدت رقاب أمانيها يغللها الفقر
وبين خطى أيامها كل عثرة يزلزل أقدام الحياة بها العسر
وزجت بها الأحزان في بحر دمعها وليس لبحر الدمع في أرضنا بر
يقاذفها موج الليالي وما لها سوى زورق واه يقال له العمر
وما التمست رأس الرجا عند صخرة فكان سوى رأس الردى ذلك الصخر
إذ استنبأوها أرسبت من دموعها لآلئ حزن كل لؤلؤة فكر
وإن سألوها لجلجلت فكأنما عرا اللفظ لما مر ن فمها سكر
مشردة حيرى تنازع نفسها فرقان ذل لم تعوده، والكبر
وما قتل الذل امرأ من عبيده وكم من فتى يرمي بهامته الفخر
ولو أنصف الإنسان في قدر نفسه رأى قدرها أن لا يهون لها قدر
فلا تتساءل كيف تقعد وداعًا ولكن تساءل كيف يسعى بك الذكر
وكن رجلًا كالضرس يرسو مكانه ليطحن، لا بعينه حلو ولا مر
ولا تتوقع أي جنبيك واقع إذا انطبقت يومًا حوادثها النكر
ولكن تلق الدهر غير مفزع بصدرك ولتعر الخطوب كما تعرو
فعز الحسام الهند واني صدره وذل العصا أن العصا كلها ظهر
ولن يهن الحر انتضى عزماته وصال بها من صبره الخلق الحر
وإن تغلب الأبطال في كل حومة فما عرفت حرب بها غلب الصبر!
وليلة هم ما يطير غرابها ولا انحط من وكر الصباح له نسر
تطل عليها الشهب أعين نقمة تطاير فيما بينها النظر الشزر
ويزفر فيها الليل زفرة مارد تطير لها من برقه الشمل الحمر
ويخفق في أحنائها كل عاصف خفوق فؤاد بات يسلمه الصدر
ويغضب من آثامها الموت غضبة يرج لها في كل ناحية قبر
دخانية هوجاء لو مد نقعها لقام على وادي الجحيم بها جسر
[ ٥٧ ]
وأهون ما في أرضها وسمائها على الناس، هاتيك الحزينة والبدر
ثوت تحتها تلك الفتاة عليلة تئز كما أزت على نارها القدر
وفي غرفة مما بنى الله لا الورى فليس على من حل ساحتها أجر
جوانبها شرق الظلام وغربه وفي سقفها ضاءت كواكبه الزهر
ممدة كالسطر في صفحة المنى وأطمارها تبدو كما شطب السطر
فإن يك أهل الأرض أرقام حساب فتلك وراء العالمين هي الصفر
رمت عينها يمنة ويسرى فلم تجد على الأرض خلقا ليس في جنبه غدر
رأت كل مخزاة من الشر تلتوي ويهرب ذعرا من جنايتها العذر
رأت أثرا تدنى به الأرض والسما وليس سوى الإنسان في جرحه ظفر
رأت ذلك الإنسان يطغى بعلمه ويجهل أن العلم عن جهله زجر
أليس يرى الإنسان في القرد شبهه فهل ذاك إلا من تكبره سخر
كما عاقب الله الأسود لكبرها فجاء لنا في صورة الأسد الهر
رأت هذه الحرب الضروس كأنها مراحل يطويها من الزمن الحشر
وما حمد الشيطان للناس مثلها ولا كان للشيطان في مثلها شكر
وما الحرب إلا رجفة الأرض رجفة يموت بها عصر ليحيا بها عصر
وما الحرب إلا مطرة دموية إذا دنست روح الورى فهي الطهر
وما الحرب إلا غضبة الله لا مست مخازي الدهر فانفجر الدهر؟
فيا رب، جلت هذه الحرب محنة على الناس، لا الإيمان منها ولا الكفر
ففي كل نفس غصة ما تسيغها وفي كل قلب كسرة ما لها جبر
وبين شفاه الناس للناس لعنة إذا لم يثرها الحق ثار بها الخسر
وما لوت الأسياف في الأرض عروة من البغض إلا والرؤوس لها زر
فلا تخدعوا الإنسان عن نزعاته فما الناس إلا ما أساؤوا وما سروا
وكم قيل إنسانية ومحبة وعلم وتمدين وأشباهها الكثر
فيا قدرا يجري دما ويلتظي سعيرا، أذاك الحب أنت أم أنت الهجر
ويا هذه لا تجحدي، إنما الورى كما خلقوا والمكر بعد هو المكر
وأين من الناس الكمال ولم نزل نرى السود سودا ليس يغسلهم بحر
ولا بد من ضدين في كل حالة وبينهما إما النجاة أو الأسر
بذلك يجري الغيب إن طار أو هوى فإن جناحيه المنافع والضر
فلا تطمعي إن تغفل الأرض أهلها ولا مد فوق البحر إلا له جزر
ولا تطمعي أن يرفع المال أنفسا يحركها من ذل مطمعها الجر
ولا تأملي الأيام خضرا على المدى ففي كل حين يسقط الورق النضر
ولا تسألي الزلزال ترقيص طفلة وأصغر ما في كفه الجبل الوعر
ألا إنما الدنيا سلاليم يرتقي بها الناس تغريم أواخرها الغر
نذروا علاها للكمال، وعندهم من العلم أسباب يقر لها السحر
فما برحوا يرقون كل بعيدة ولم يعلموا أين الكمال ولم يدروا
فلما علوا واستحمقوا وتتابعوا وغرهم بالله ذلك فاغتروا
تهاووا على أعناقهم وتحطمت بهم درجات كان من فوقها النصر
كذلك سلاليم الحياة، فكلنا طموح لأعلاها وفي الوسط الكسر