زهرات ناضرة كأنما اختبأت فيها ابتسامة الفجر، عاطرة كأنها رسالة اللقاء بعد الهجر، بديعة التنميق تحسبها قصيدة من شعر الألوان، متفتحة للحب وكأنها لكتاب الحب عنوان، متلائمة مصفقة، متلاثمة كالشفة على الشفة، قائمة في جلالها وحسنها كأنها في خلقة الجمال آية، وكل زهرة في لونها كأنها لدولة من دول الحسن راية، وقد جلست إليها غادة فتانة كأنها في رقتها روح النسيم وفي نضرة شبابها روح الحديقة، ولاحت الأزهار كأنما هي خيالات جمالات جمالها، وظهرت الغادة كأنها هي الحقيقة.
تلك هي لويز في صبيحة عرسها على المائدة وقد أثبتت في كل زهر لحظا من لحاظها، ولا يشك من رآها في تلك الحال وهي ترتقب ظهور زوجها أنها تنفس على هذه الأزهار شابها ونضرتها وحسن ملاءمتها، وتحسدها على أن ليس لها أعواد من الحطب يفسد نظامها وتنكر بهجتها وتغص من حسنها كما ابتليت هي بزوج من عود
[ ٤٠ ]
وإنها لكذلك، إذا خفق أقدام وضوضاء وموكب وشيء من الموسيقى، فما لفتت جيدها حتى أبصرت الكونت داخلا يتوكأ على خادمين وله نغم مختلف وآهات وأنات، ومع النغم سعال كقرع الطبل. وكان الروماتزم قد دب في مفاصله تلك الليلة وبات يفتل في عروقه وأعصابه، ووعكته الحمى واجتمعت إليه علل الشيخوخة كلها تهنئه بالزفاف، غير أنه لم ينسى مع هذا البلاء كله أن عروسه ترتقبه على المائدة، فحفزه الشوق وعاوده الصبا فطار إليها بجناحين من خادميه
ولما بلغ ظلها أفلت الخادمين ثم ارتمى عليها يقبلها رياء ومصانعة، ثم تمسك بها يستند إليها، ثم انحط إلى يمينها، وما كادت تناوله قدح اللبن يرتضعه حتى غمره الألم وهاج داؤه، ففتح فاه وصدحت الموسيقى بنغم مختلف من آهات وأنات، ومع هذا النغم سعال كقرع الطبل.
ورأت لويز ذلك المنظر فرقصت أحشاؤها..! فلم تملك المسكينة أن اقتلعت جسمها من الكرسي وانكفأت هاربة على حجرتها، وانطرحت في غمرة أخرى من الألم، وبقيت هناك ملقاة يدار بها، وكانت لم تغتمض في ليلها، فاصطلح على جسمها هم الليل والنهار.