وزالت هذه الغشية عن الكونت بعد أيام، كانت العروس فيها من روح الأمل كالمختلعة إذا أخذت كتاب طلاقها، أو الأمة إذا وعدت بعتاقها، وكان دعاؤها لله كلمات لا تعدوهن، تقول: اللهم رحماك! فأنت المصيب وأنا المصابة، تلك قوتك وهذا ضعفي! وكانت إذا حمدت الله تواردت مع زوجها فيما يحمد الله به من حيث لا يشعر أحدهما أوكلاهما، كأن للحب الشديد والبغض الشديد لغة واحدة، فكان هو يقول: الحمد لله إذ لا تراني! وتقول هي: الحمد لله إذ لا يراني!..
وباغتها الرجل منصبا عليها، فلو أن ميتا طالعها من قبره ما كان أروع لها عنه، قلب يسكن من أضلاعه الخربة في شقوق وظهر كالقوس يحمل من روحه سهما ليس له إلا المروق، وعروق ناشرة كأنها في جلده المتغصن خيوط في خروق! ودخل عليها كما يدخل الشتاء بكلوحه وبرده، على الروض النضر والبقية الضعيفة من ورده، ونظرت إليه فلم يقع من نفسها إلا موقع الهموم على الهموم، ولم يكن في عينها إلا كما يكون الحلم في رأس المحموم! وجلس إليها الشيخ يتطفل ويقترح، وكانت لويز تعرف أن السنة أربعة فصول، أما سنتها هذه فكانت فصولها بعد اقتراح هذا البغيض خمسة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء، وشهر عسل الكونت! فقد لج الرجل في عناده وأبى إلا أن يكون له ولها شهر العسل، ومما زاده لجاجًا وعتوا أنه كان يخشى أن ينسلخ الشهر، فقد ذهب نصفه في تجرع الدواء لم يبق "للعسل" إلا ريثما يمحق القمر أياما معدودات
ثم انصرف من لدنها على أن ترصد للسفر أهبته وأن ينطلقا على جناح غراب.
واستقبلت العروس ليلتها وجعلت تقلب وجهها في السماء وترنو إلى النجوم بعينين قد ثبت في إنسانيهما خيال ذلك الرجل كما يثبت خيال القاتل في عين المقتول، فلم تر في النجوم إلا هرم الدهر وتحجر الأيام وقد استيقنت أن نجمها طامس لا محالة وكأنما خرج عن الفلك، وضل في ذلك الحلك! وما هي خطرة الفكر حتى لاح في مرآة نفسها خيال ذلك الشاب اختلبها أياما بالهوى، وكان لها منه الداء وكان له منها الدواء، وأغواها في عرف الناس ولكنه هو ما ضل وما غوى. وكان هذا الفتى فرويا فحلا، ظريف الهيئة، مستوي القامة! عريض الصدر، تام الخلقة وثيق التركيب قد ارتوت مفاصله واستحكم نسجه، وله مع ذلك خلابة، وفي لسانه دعابة، فما أطلى حديثه وأنداه. وما أحلى خبره إذا كان من الغزل مبتداه.
[ ٤١ ]
وقد أحب الفتاة أكثر مما أحبته، ولكنها كانت غريرة لا تتبين منزلة ما بين الحب والاستسلام، وبين ما يعده الرجل وعدا بالفعل وما يراه وعدا بالكلام، ولم تعرف أن هذا الحب سلاح ذو حدين، فالمرأة تقتل به من ناحية الرجل، فإن غفلت مرة عن نفسها قتلت هي به أيضا من ناحيتها، وأن حب الرجل حب مجنون بطبيعته، فإذا لم يكن حب المرأة عاقلا انقلب كلاهما حيوانا طامس القلب لا يبالي ما جنى على نفسه، وأن الرجل يقاد من رغبته ما دامت أملا في قلبه، فهو يعد المرأة ما شاءت وشاء لها الهوى، حتى إذا انقطع هذا الزمام انقطع ما بين لفظ الوعد ومعناه، فأخذ منها ما أخذ وترك في يدها ما أعطى، وما عسى أن يكون قد أعطاها إلا آمالًا ومواعيد وغرورًا من زخرف القول؟ وكذلك أمر الرجل والمرأة: تحسب الفتاة إذا هي أحبت فاستأثرت لصاحبها أنها تبذل في مرضاته أعز ما تملك، وتنوله خير ما استؤمنت عليه، وتعطيه ما لا تستعيض منه آخر الدهر، وأن ذلك أحرى أن يؤدم بينهما، وأن يكون ميثاقًا للحب غير منقوض، ويحسب الرجل أنها لم تنله إلا شيئًا هينًا قريب المنالة، هو عندها وعند كل امرأة، فإن كان سري الخلق نبيل النفس رثى لها مما صارت إليه، وندم كما يندم على الإثم، ولا يكون همه إلا أن يلتمس المخرج من أمرها، فإن طارحته حديث الزواج رأى أن من فرطت له حرية أن تفرط فيه، وهتها بهذه الكلمة وسلم وقد مات الذي بينهما، وإن كان لئيم الطبع خسيس النفس شد على رقها واتخذ من ضعفها قوة ومن خوفها أمنًا حتى إذ ملها تنكر لها ثم أنكرها، فإن استقضته ما وعد من زواجها رأى أن الزواج قد سبق أوانه فلم تعد تصلح له ولا يصلح لها، وكلا الرجلين سافل دنيء زمر المروءة وإن قال الناس فيهما سري ولئيم.
فالسحابة تنهل بمائها، ثم تجمع مرة أخرى في سمائها، والزهرة تقطف لحسنها ثم تنبت مرة أخرى في غصنها، ولكن العذراء حين تفرط في خدرها، وتضع نفسها دون قدرها، لا تبرح شقية حتى تنزل في قبرها.
وهكذا لا يزال الرجل في عتوه وظلمه كالساحل، ولا تزال المرأة في ضعفها ولينها كالموجة، فلو أن ألف موجة عاتية يصدمن الساحل لاستباحهن وما سلبنه مقدار شبر من الرمل! وما اعترض رجل وامرأة في خلق العفة، إلا كانت هي الساقطة وحدها في الاعتبار، لأن العفة إنما عرفت بالمرأة من أصل الخلقة، وإنما يتصاون الرجل تشبها وتقليدًا، فإن هو زل مرة وقارف الإثم فقد أخطأ في التقليد ولم يفقد شيئًا من طبيعته، ولكن المرأة متى فعلت ذلك فقدت من نفسها وغيرت تكوينها وأخطأت في الأصل الذي بنيت عليه طبيعتها وقامت به شرائع الله وهي فيه نظام الأمم فلا جرم كان عقابها على الخطأ عقابًا نفسيًا يجمع من شدة الطبيعة إلى عنت الشرائع إلى قسوة الاجتماع، ولهذا كان شر عيوب المرأة ما عاب فضيلتها الخصيصة بها.
قال "الشيخ علي": وانطلقت نفس "لويز" لمسرى خيال حبيبها، وكانت تبغضه دون البغض إذ هو مسعدها ومشقيها، فصارت بعد زواجها تحبه فوق الحب، إذ لا ترى لها مسعدًا غير ذكراه، ولا تعرف على ظهر الأرض من أشقاها غير الكونت.
ولما ذكرته انهملت دموعها فجعلت تبكي حتى انحلت سحائب همها، ثم أشرقت كما تصحو السماء في أعقاب المطر فلو رآها أشعر الناس في ذلك الجمال المشرق الحزين الذي تورد حتى التهب، لوقف عندها وقفة العابد في المحراب يشعر بالقوة الأزلية ولا يحسن أن يصفها. وأي شاعر تحيط نفسه بهذا الشقاء الذي رفعه جمالها الساحر من بين آلام الأرض وألحقه بذلك الألم المنفصل من السماء الذي لم تشهده الأرض إلا مرة واحدة يوم جلست حواء تبكي أول بكائها بعد خرجها من الجنة ؟ ويالله ما أروع الجمال حين يتألم ويحزن ويحضر الجميلة همها! إن مثل من يحاول أن يصف دموع هذه الجميلة وحسراتها وصفا ناطقا يتنفس به القلب، كمثل من يريد أن يخلق من سحر البيان زلزلة ترجف بها الأرض حين يبالغ في وصف الزلزلة، وما اللغة إلا أداة، فكيف ويحك تستعمل هذه الأداة في صفة قوة تعجز عندها كل وسيلة حتى الشعور الذي أبدع اللغة؟
[ ٤٢ ]
لقد أجمعت المقاييس بين أقطار الأرض، وطوت ما بين الأرض والسماء، وداخلت ما بين أنجم السماء بعضها من بعض، ولكن أية أداة تعين لنا درجة الإحساس بين نفس عاشقة مدنفة تشهد آلام نفس معشوقة، وبين عيني شاعر غزل وثاب الخيال تنظران في عيني امرأة جميلة باكية، وبين ألم جامد جاف يضطرب في نفس الرجل، وألم سائل متدفق تضطرب فيه نفس المرأة ؟ إن هذه الأنفس إنما تشعر بمقدار ما فيها من الإحساس لا بمقدار ما في الحقيقة من مادة الشعور، وكأي من رجل أبله متغفل يدور مع الآلام والأوجاع دوران الغبار في العاصفة، فإذا رأيته توجعت له وداخلتك الرقة عيه وثارت نفسك من أجله ثورة السخط على هذا الاجتماع الإنساني وتمر بالرجل ثم تنساه، ولكن هنا طفلة صغيرة قريبة العهد بالغيب قد عينيها كما تتحير الألفاظ بين شفتيها، وقد ساورها الخوف، وتوثبت نفسها فزعًا لهول ما هي فيه، وجعلت عيناها تتوسلان إلى الناس بالبكاء، ولسانها يتلجلج بالألفاظ مرتعدة كأنما ينتفض عليهن قلبها الصغير. وهي في ذلك لا تبرح تتمثل أبويها فتضطرب اضطراب الفرخ إذا سقط من وكره ولم ينتهض، وترى أن المصيبة قد انحصرت فيها وحدها من دون الناس، فتبكي بكاء تنشق له، ثم تعود إلى التوسل بعينيها الدامعتين وبألفاظها المتلجلجة فانظر وأنت أبو مثلها ما عسى أن تنزل بك من الحسرة ويتغشاك من الهم إذا رنت إليك هذه الطفلة من وراء دموعها تسألك أن تدلها على بيت أبويها الماثل في رأسها الصغير، وهي تحاول بذلة ومسكنة أن تنقله إلى نفسك وتبنيه فيها بألفاظها وإشارتها الضعيفة لتهدي أنت إليه؟ فالمصيبة ليست مصيبة بمادتها ولكن بما يقابل هذه المادة من نفوسنا، ومن ثم فهي لا تؤثر فينا بنفسها ولكن بالكيفية التي نقابلها بها.
قال "الشيخ علي": ثم سكنت "لويز" هنيهة لذكرى أيامها الأولى وهي تعلم أن لا رجعى لها، فقد استيقنت أن هذا الغنى ضرب بينها وبين الفقر حجابًا ولكنه رفع بينها وبين الشقاء حجابًا آخر كان ذلك الفقر وحده هو الذي يمنعها منه، وكأن القدر لما اختط لها التعسة رسم هذه الخطة بقلم من ذهب
واستشرقت نفسها لخاطر غريب ألم بها فأضحكها على ما بها من الهم، فقد أحضرت خيالها ذلك الحبيب الأول في شبابه الغض، وقوته الثائرة، وفورته العنيفة، ونشاطه المهزوز، وإرادته على حب امرأة في أرذل العمر- وهو عمر "الكونت"- يلوح وجهها في العين كما تلوح القفار، ويمتد أنفها بين الوجنتين كأنه حجر في أحجار، ويضحك ثغرها الأدرد فلا تشك أنه في تلك الصحراء"غار" وقد ثابرت عليها الأوجاع والأمراض، حتى أصبح جسمها بين يدي الموت كالخيط بين شقي المقراض!..
ثم جعلت ذلك الحبيب يتزوج منها لمالها وغناها وقد أصاب ع عندها ملء أطماعه ذهبًا وفضة، ثم وصلت بين شعلة فؤاده الملتهب هوى وشبابًا وبين هذا الجسم الفاني الذي يشبه حطام اليبيس، ثم أرادته على أن يعتقد أنها "السكرة" التي وضعت في كأس حياته لتحليها، ثم نظرت لترى ما يكون من أمره وأمرها في الحب حين لا يكون الحب إلا مراغمة وإكراهًا، فإذا الحلم قد انهال، وإذا الوهم قد استحال، وإذا الشاب لا يحب تلك المرأة ولا في الخيال، فجهدت أن تذكر في تاريخ الناس من يكون قد امتحن بمثل هذه المصيبة وصبر لها كما يصبر من ذات نفسه على آفة أو عاهة أو مثله، فأبى عليها الواقع أن يخرج لها مثالًا واحدًا
فكدت ذهنها في تصور هذا الحال وتقليبها على وجوه مختلفة، فلم تستقم لها صورة صحيحة، وشبت عندها أن حب شاب قوي في الثلاثين لعجوز هالكة سبعين هلكة.. أمر يكاد يكون في استحالة الجمع، كطرح السبعين من الثلاثين في حساب العدد!.
[ ٤٣ ]
وعجبت أن يستأثر الرجل وحده بهذه الأنفة ويلتمس لنفسه في هذا الباب ما ينكر على المرأة أن تستنكره، كأن هذه المرأة عجماء لا تبالي من صاحبها إلا العلف، ولو انتهى بها إلى التلف، وكأن كل امرأة إنما هي اسم، على جسم، فليس على الرجل إلا أن يختار اسمًا ثم يثبته في وثيقة الزواج بعد أن يساوم عليه، أو كأن المرأة بلغت من الجفاء وضعف التمييز بحيث لا تأبى أن تتخذ أعواد فرشها، من أعواد نعشها، وأن تقيم لها قبرًا في البيت، وتنظر كل صباح في وجه ميت، وإلا كم من فتاة كالقمر أخفاها نهار المشيب، وكم من عروس للحب زفت إلى غير حبيب، وكم من وجه صبيح، يقبله ثغر قبيح، وكم من كعاب، سال عليها اللعاب وكم من حسن هو رمز الحياة قرن به الموت رمزه، وكم من قد أهيف كالألف لا يرى إلا شيخًا أعجف كالهمزة
وهنا انتبهت "لويز" إلى زوجها المتهدم الذي هو همزة القطع، وإلى تصابيه المضحك وحماقته العمياء وحبه الأخرق، فانتفضت من الغيظ وكاد بعضها يحطم بعضًا، وجعلت خواطرها تنبض في رأسها كلمع البرق وأخذت تلتمس الوسيلة لرد هذا البلاء عنها أو مدافعته، بيد أنها كلنا ابتدأت فكرًا انتهى بها إلى قولها: ما عسى أن أصنع؟! هي لا تفكر إلا فيما ينبغي أن تصنعه، ولكن الفكر يفضي بها إلى هذا السؤال بعينه، فكأنها من الهم والحيرة منعزلة عن نفسها، وقد نفر منها فكرها وقلبها وحظها ولم يبق معها غلا روحها المعذبة، وهي كذلك بينها وبين زوجها وبين القدر!.
ولبثت زمنًا لا تجد من رأيها إلا قطعًا وأشلاءً، حتى لمحت من نافذة القصر مركبة تدرج في الطريق، ورأت سوط الحوذي يتلقى الأمر منه إلى الجوادين فلا ينزل عليهما إلا انطلقا ملء العنان، كأنما يحاولان الهرب منه ولا يعلمان أنهما يهربان به؛ فرثت المسكينة للبهيمتين، ثم كأنما حشرت لها كل مركبة على الأرض في صعيد واحد، فلم تذكر أنها رأت قط سائقًا ليس في يده سوط ما دام بين يديه حيوان ! وظلت واجمة عند هذا الخاطر هنية، لأنها ما برحت تتلقى من ضربات القدر وهي تعدو في الحياة عدوًا فيه من السرعة بمقدار ما في هذه اللذعات من الألم! ثم قالت: ترى أي حيوان في مسلاخ هذا الهرم؟ وما كذبت أن قلبت الخاطر على وجهه الآخر، فتناولت السوط واستولت على مركبة الأقدار ولم يبق أمام عينيها إلا سبيل الحياة وظهر الكونت!..
وكذلك فاءت من غضبها إلى رضا أقبح من الغضب، ورأت أن هذا الشيخ المأفون الذي يتطاوع للصبا وقد جاوز السبعين وهلك في الدهر، ثم لا يستحي أن يجعلها مثلة على أعين الناس، وأن يكون لها مخزية ولا كالمخزيات جدير به أن يجد منها كفاء ما وجدت منه، وجدير بها أن تبدله من شهر العسل شهرًا هو أحق به وأهله، وهو على ذلك أقرب الأشياء من العسل لأنه "شهر النحل" ! قال "الشيخ علي": هكذا يفسد الرجل المرأة وهو يدري أو لا يدري، فهو يبتغيها متاعًا ويريدها ملهاة، ثم لا يقدر فيها غير الطاعة لما ابتغى وأراد، كأن الطينة الإلهية التي جبل منها الرجل شديدًا متماسكًا، بقيت منها بعده هنة ضعيفة فتركت حتى ركت وانسحقت ثم خلقت منها المرأة ذليلة طائعة وإن أقدر خلق الله ليكون معه الدرهم فاضلًا عن حاجته فلا يجد ما يمنعه أن يبتاع به الزهرة الناضرة، ولكن العجيب من أمره أنه إذا احتازها لا يلويها بين أصابعه ولا يدنيها من أنفه إلا بعيدًا بعيدًا وقليلًا قليلًا، بل إنه ليستحي لقذره من طهرها، ولنتنه من عطرها، فلا يحملها حتى يتجمل لها، ولا يظهر بها حتى يكون في الجمال أهلها، وما أدري كيف أدبته الطبيعة هذا الأدب مع شبه الجمال، ولا تؤدب مثل ذلك الهرم الأحمق مع الجمال نفسه؟.
ويعمد الرجل متى أصاب مالًا إلى الطيبات من صنوف الطعام وملذات الشراب فيتضلع ويتملأ، وليس في ذلك من حرج، إذ هو ماله ينمو في باطنه، فإن ربح أو خسر فإنما "المضاربة" في معدته..، ثم يعمد أقبح خلق الله وجهًا وأظلمهم سنة وأشأمهم طلعة، بذلك المال نفسه إلى أجمل النساء فيرخي عليها أستار بيته، ويساهمها قبحه وجمالها، وإنما هي في رأيه بعض الطيبات وصنف شهي من طعام القلب، فترى في أي جهة ينمو هذا المال الذي بذله وتندى به، فإني لا أرى له نموًا في قلبه ولا في قلب تلك الحسناء؟.
[ ٤٤ ]
أما هو فما إن يزال يعرف منها البغض، وأما هي فما إن تزال ترى فيه القبح، وأحسب لو أنفقت ما في خزائن الأرض كلها على التأليف بين الحسن المبغض وبين القبح المحب ما ألفت ذات بينهما ولا زدت كل واحد إلا من طبعه.
وكيف يرى هذا الدميم أن مرآة بيته التي اشتراها وبذل فيها واختارها على عينه لا تظهره أبدًا إلا دميمًا، وهو كلما بالغ في رونقها وصقلها بالغت هي في إظهار قبحه ودمامته، ثم يريد أن لا تراه امرأته الحسناء الفاتنة إلا جميلًا فاتنًا ولا تكلمه إلا في الحب، ولا تقبله إلا قبلة الهوى، كأنه هو الذي خلق لها عينين ولسانًا وشفتين ؟ ولعمر الله لو أن في أضلاع هذه المرأة قلب رجل من صيارفة اليهود قد جثم على منكب الطريق وسرح الذمة والدين والظن واليقين وجنود إبليس أجمعين في طلب الدرهم يأكله سحتًا، وينحته من أيدي الفقراء نحتًا، لما رأته على ذلك المال وذلك إلا كالخرقة فيها دينار، فهي هي لم تخرجها قيمة الذهب الغالية، عن كونها في اليد والعين خرقة بالية! أيريد الرجل لسعادته امرأة لا نفس لها ولا قلب؟ لعله يحول ذلك، ولكن كيف تسعده إذن؟ إني رأيت في معاشرة الحزين للحزين شيئًا من الفرح يتنفس به الحزن على الحزن، فليت شعري أي مهنأ أكثر لذة وأحسن إمتاعًا من معاشرة اثنين كلاهما يهنأ الآخر؟ أيها الهرم الأحمق الذي يستبد بالجميلة الفاتنة! إنك تعبث بذنب السفينة فإذا انحرفت هنا وهنا زعمت أنها تضل الطريق لسوء تركيبها..، ألا فاعلم (ويحك) أنك لا تصلح أن تكون ربان هذه السفينة، وإذا كنت تستطيع أن ترفع شراعًا أو تحرك مجذافًا فما أنت وهذه الباخرة؟ ماذا تصنع (ويلك) في آلات هذا القلب الذي صنعته يد الله ليخوض لجج الحب في بحر الشباب إلى ساحل السعادة؛ وليس بينه وبين الهلاك إلا أن يرتطم في ذلك البحر بصخرة الموت التي لا تكون أكثر ما تكون إلا من رأس رجل هرم!.
عسيت تقول إنك غني ملء الأمل الواسع، وإن هذه الحسناء ستفضي من طريق مالك إلى طريق حبك، لأن المال- زعمت- أوسع طرق الحياة وأطولها، وفيه منفذ إلى كل طريق شئت أو شاء الهوى.. فلعمري إن هذا المال كما تزعم، ولكن لا يذهبن عنك أنك لا تعرف إلا فاتحة الطريق إلى هذه الحسناء، وأن خطط الآمال ليست من شوارع التنظيم، أو الطرق السلطانية التي يفضي كل إلى جهة بعينها أو جهات لا يخطئها من انطلق بسبيلها، فقد تبدأ تلك الحسناء من طريق هذا الغنى الذي تفتحه لها، ثم لا تلبث أن تنعطف إلى مذهب من مذاهب قلبها، ثم تأخذ من هناك في ناحية من نواحي مصائبك، لأن سبيل حبها وسعادتها من تلك الناحية، ثم تفضي من كل ذلك إلى طريق من الحياة إذا هي أبصرتك فيها رأتك وليس من وراءك للبغض مذهب. ورأت وجهك ثمة كأنه صفيحة مما تكتب عليه أسماء الطرق، وقد كتب عليها شارع المقبرة
أنت أيها الأحمق استنقذت هذه الحسناء من الفقر، ثم جعلت تباعد ما بينك وبينها، فأخذن خادمة وجعلتها سيدة، وبصرتها بما كانت تجهل من فنون الجمال وأساليب الهوى، ثم جعلت غاية كل ذلك إمتاع جسمك الفاني ولذة قلبك الخرب، فنسيت نفسك بادئ الرأي ولم تذكر إلا الفتاة فاتخذتك صديقا، ثم نسيت الفتاة آخرا ولم تذكر إلا نفسك فاتخذتك عدوا ، فلولا تركتها على جهلها وغرارتها ما دام العلم بالحب لا يكشف منك للحب إلا عن خرافة ؟ ويا عجبا من غرام الشيوخ بالفتيات! فإن أكثر من أنت واجد من المحبين وأهل العشق متى أصابه الكبر وذكر حوادث حبه، رأى فيها ما يسميه جهلا وما يسميه حماقة وما يسميه غفلة وما يسميه خطيئة، كأن الهرم يجعل الأشياء نفسها هرمة، إذ ينزع عنها أوهام الشباب وغروره فلا تظهر من ثم إلا حقائق مخلصة فما عسى لأن يرى الشيوخ فيما يسمونه غرامًا؟ بل ما عسى أن يرى الحب في هؤلاء الشيوخ "المتطفلين" إلا ما يسمى حماقة وجهلًا وغفلة وخطيئة؟.
يحب الفتى الناشئ حبًا طاهرًا يستوجف قلبه فيقول أكثر الناس: أحب قبل زمن الحب! ويعشق الرجل الهرم عشقًا فاسدًا يستوقد ضلوعه فلا يرضى أن يقول مرة واحدة ولا أن يقول عنه أحد إنه أحب بعد زمن الحب، مع أن الفتى رجل يبنى، والهرم رجل يهدم؟
[ ٤٥ ]
ولو لم يضرب الله على بصره لعلم مما تشرع الطبيعة أن أحق الناس بالخيبة رجلان: رجل وجد قبل زمنه فلا يحسن أن ينفع أو ينتفع، ورجل أتى بعد ومنه فلا يحسن أن ينتفع أو ينفع! متى كان الرجل حقوقًا وكانت المرأة واجبات لا غير، فقد خلا الرجل من العقل وخلت المرأة من القلب وخلا الاثنان من هذا المعنى الروحي الذي يسمى الحب، فإن لم يستطع ذلك العاشق الهرم أن يسترد لنفسه الصبا الذاهب حتى تحبه تلك الحسناء طائعة، فليسترجع لتاريخ الأرض وحشيته الأولى حتى تلوذ به تلك المرأة كارهة! ويل للإنسان من هوى نفسه فلولا هذه الحماقة فيه لما وجد على الأرض خطأ، لأن كل إنسان حين يخطئ فإنما يريد حقيقة من الحقائق غير أنه يجعل مركزها في رأسه ولا يعتبرها إلا من هناك، مع أن مركزها في العالم.