قال أبو الفرج الأصبهاني في كتابه: أخبرني أحمد بن عبيد الله ابن عمار قال: حدثنا سليمان بن ابي شيخ قال: حدثنا محمد بن الحكم عن عوانة أن عبيد الله بن أبي بكرة كتب إلى يزيد بن أبي ربيعة بن مفرغ أني قد توجهت إلى سجستان فالحق بي لعلك إن أقدمت على ألا تندم ولا تذم رأيك، فتجهز ابن مفرغ وخرج حتى أتى إلى سجستان ممسيًا فدخل عليه فشغله بالحديث، وأمر له بمنزل وفرش وخدم، وجعل يطاوله حتى علم أنه قد استتم ما أمر له به، ثم صرفه إلى المنزل الذي هيئ له، ثم دعا به في اليوم الثاني فقال له: يا ابن مفرغ انك قد تجشمت إلي شقة بعيدة، وقم أتسع لك الأمل، فرحلت إلي لأقضي عنك دينك، ولأغنيك عن الناس، وقلت: أبو حاتم بسجستان قمن لي بالغنى بعده فقال: والله ما أخطأت أيها الأمير مما كان في نفسي شيئًا فقال عبيد الله: أما والله لأفعلن ذلك، ولأقلن لبثك عندي، ولأحسنن صلتك، فأمر له بمائة ألف درهم ومائة وصيفة ومائة نجيبة، وأمر له بما ينفقه إلى أن يبلغ بلده سوى المائة ألف، وبمن يكفيه الخدمة من غلمانه ومواليه، وقال له: إن من خفة السفر أن لا تهتم بخف ولا حافر، فكان مقامه عنده سبعة أيام، ثم ارتحل وشيعه عبيد الله بن أبي بكرة إلى قرية على أربعة فراسخ يقال لها زالق، ثم قال له: يا ابن مفرغ أنه ينبغي للمودع أن ينصرف وللمتكلم أن يسكت، وأنا من قد عرفت، فانفق على الأمل، وحسن ظنك بي ورجاءك في وإذا بدا لك أن تعود فعد والسلام ثم صار ابن مفرغ حتى الأهواز فرجعت عنه رسل عبيد الله، وقالوا: قد بلغنا حيث أمرنا قال: أجل، ثم أمر أناهيد بنت أعنق، امرأة كان يهواها، أن تفتح الباب، وقال لها كل ما دخل دارك فهو لك، وأقام بالأهواز ودعا ندماء كانوا له من فتيان العرب، فلم يبق ظريف ولا مغن إلا أتاه، واستماحه جماعة قصدوه من أهل البصرة والكوفة والشام فأعطاهم، ولم يفارق اناهيد ومعه شيء من المال، وجعل القوم يسألونه عن عبيد الله بن أبي بكرة وكيف هو وأخلاقه " وجوده " فقال:
يسائلني أهل العراق عن الندى فقلت عبيد الله حلف المكارم
فتى حاتمي في سجستان رحله وحسبك جودًا أن يكون كحاتم
سما لينال المكرمات فنالها بشدة ضرغام وبذل الدراهم
وحلم إذا ماسورة الحرب أطلقت حبا القوم عند الفادح المتفاقم
وإن له في كل حي صنيعة يحدثها الركبان أهل المواسم
دعاني إليه جوده ووفاؤه ومن دون مسراه عداة الأعاجم
فلم أثو إلا جمعة في جواره ويومين حلا من ألية آثم
إلى أن دعاني زانة الله بالعلى فأنبت من راشي مهيض القوادم
وقال إذا ما شئت يا ابن مفرغ فعد عودة ليست كأضغاث حالم
فقلت له: لا يبعد الله داره، أعود إذا ما جئتكم غير حاشم
وأحمدت وردي إذ وردت حياضه وكل كريم نهزة للأكارم
" فأصبح لا يرجو العراق وأهله سواء لنفع أو لدفع العظائم "
وإن عبيد الله هيأ رفده سراحًا وأعطى خيره غير عاقم
حكاية
[ ٢٦ ]
وقال أبو الفرج أيضًا: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب ابن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا القخذمي وقال: لزم يزيد بن مفرغ غرماؤه بدين فقال لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير عيسى إلى أن يخرج الأشراف فيروني، فيقضوا عني ديني، فانطلقوا به، فكان أول من خرج اما عمر بن عبيد الله بن معمر، واما طلحة الطلحات، فلما رآه قال: أبا عثمان ما أقعدك ههنا؟ قال: غرمائي هؤلاء لزموني بدين لهم علي قال: وكم هو؟ قال سبعون ألفًا قال: علي منها عشرة آلاف درهم، ثم خرج الآخر على الأثر فسأله عما سأله صاحبه فقال: هل خرج أحد قبلي؟ قالوا: نعم فلان، قال: فما صنع؟ قال: ضمن عشرة آلاف درهم فقال علي مثلها، وجعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك، حتى ضمنوا أربعين ألفًا وكان يأمل عبيد الله بن أبي بكرة فلم يخرج حتى غربت الشمس فخرج مبادرًا فلم يره حتى كاد يبلغ بيته فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ملزومًا، وقد مر به الأشراف فضمنوا عنه، قال: واسوأتاه إني لخائف أن يظن بي أني تغافلت عنه، فكر راجعًا فوجده قاعدًا فقال له: أبا عثمان ما يجلسك ها هنا؟ قال: غرمائي هؤلاء يلزمونني قال: وكم عليك؟ قال: سبعون ألفًا، قال: وكم ضمن عنك قال: أربعون ألفًا. قال: فاستمتع بها وعلي دينك أجمع فقال فيه:
لو شئت لم تعني ولم تنصب عشت بأسباب أبي حاتم
عشت بأسباب الجواد الذي لا يختم الأموال بالخاتم
من كف بهلول له عدة ما ان لمن عاداه من عاصم
المطعم الناس إذا حاردت نكباؤها في الزمن العارم
والفاصل الخطة يوم اللحا للأمر عند الكربة اللازم
جاورته حينًا فأحمدته أثني وما الحامد كاللائم
كم من عدو كاشح شامت أخزيته يومًا ومن ظالم
أذقته الموت على غرة بأبيض ذي رونق صارم