وقال أيضًا: حدثني محمد بن جرير الطبري عن شيوخه إلى أن بلغ به يحيى بن عروة بن أذينة قال: أتى أبي وجماعة من الشعراء هشام ابن عبد الملك، فنسبهم فانتسبوا، فلما عرف أبي قال له أنت القائل:
لقدعلمت، وما الأشراف من خلفي
إن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعينني تطلبه ولو قعدت أتاني لا يعنيني
وإن حظ امرئ غيري سيبلغه لا بد لا بد أن يحتازه دوني
لا خير في طمع يدني لمنقصة وغبر من كفاف العيش يكفيني
لا أركب الأمر تزري به عواقبه ولا يعاب به عرضي ولا ديني
كم من فقير غني النفس تعرفه ومن غني فقير النفس مسكين
ومن عدو رماني لو قعدت له لم يأخذ النصف مني حين يرميني
ومن أخ لي طوى كشحًا فقلت له إن انطواءك عني سوف يطويني
إني لأنطق فيما كان من أربي وأكثر الصمت فيما ليس يعنيني
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي ولا ألين لمن لا يشتهي ليني
فقال له ابن أذينة: نعم أنا قائلها، قال: أفلا قعدت في بيتك حتى يأتيك رزقك؟ وغفل عنه هشام، فخرج من وقته وركب راحلته ومضى منصرفًا، فافتقده هشام فعرف خبره فأتبعه بجائزة، وقال للرسول: قل له: أردت أن تكذبنا وتصدق نفسك، فمضى الرسول فلحقه وقد نزل على ماء يتغدى عليه، فأبلغه رسالته ودفع إليه الجائزة فقال: قل له صدقني ربي وكذبك قال يحيى بن عروة: وفرض له فريضتين كنت أنا في إحداهما.
حكاية
وقال أبو الفرج أيضًا أخبرني محمد بن عمران الصيرفي والحسن بن علي الخفاف عن شيوخهم قالوا: دخل يزيد بن مزيد على الرشيد فقال له: يا بن مزيد من الذي يقول فيك:
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ولا يمسح عينيه من الكحل
قد عود الطير عادات وثقن بها فهن يتبعنه في كل مرتحل
فقال: لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين فقال له هارون: أيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله؟ فخرج من عنده خجلًا. فلما صار إلى منزله دعا حاجبه فقال: من بالباب من الشعراء؟ قال مسلم بن الوليد قال: وكيف حجبته عني ولم تعلمني بمكانه، قال: أخبرته أنك مضيق وأنه ليس في يدك شيء تعطيه، وسألته الإمساك والمقام أيامًا إلى أن تتسع قال: فأنكر ذلك عليه وقال: أدخله إلي فأدخله إليه فأنشد قوله فيه:
[ ٢٧ ]
أجررت حبل خليع في الصبا غزل وقصرت همم العذال عن عذلي
رد البكاء من العين الطموح هوى مفرق بين توديع ومرتحل
أما كفى البين أن أرمى بأسهمه حتى رماني بلحظ الأعين النجل
مما جنت لي وإن كانت مني صدقت صبابة خلس التسليم بالمقل
إلى أن يقول فيها:
موف على مهج في يوم ذي رهج كأنه أجل يسعى إلى أمل
تراه في الأمن في درع مضاعفة لا يأمن الدهر أن يدعي على عجل
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ولا يمسح عينيه من الكحل
إذا انتضى سيفه كانت مسالكه مسالك الموت في الأحشاء والمقل
وإن خلت بحديث النفس نظرته حي الرجاء ومات الخوف من وجل
كالليث إن هجته فالموت راحته لا يستريح إلى الأيام والدول
قد عود الطير عادات وثقن بها فهن يتبعنه في كل مرتحل
لله من هاشم في أرضه جبل وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
صدقت ظني وصدقت الظنون به وحط جودك عقد الرحل عن جملي
فقال له قد أمرنا لك بخمسين ألف درهم فاقبضها واعذر فخرج الحاجب فقال: قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه على مائة ألف درهم خمسون ألفًا منها لك وخمسون ألفًا لنفقته فأعطاه إياها، وكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرشيد فأمر له بمائتي ألف درهم وقال اقض الخمسين الألف التي أخذها الشاعر وزده مثلها وخذ مائة ألف لنفسك. فأفتك ضيعته، وأعطى مسلمًا خمسين ألفًا أخرى.