قيل كان مخارق يهوى جارية لأم جعفر يقال لها نهار وكان بها كلفًا، ويستر ذلك عن أم جعفر حتى بلغها، فأقصته ومنعته من المرور ببابها فلما علم أن الخبر قد بلغ إلى أم جعفر قطعها وتحاماها إجلالًا لأم جعفر وطمعًا في السلو عنها فضاق ذرعه بذلك فبينا هو ذات ليلة في زلال وقد انصرف من دار المأمون، وأم جعفر تشرف على دجلة إذ حاذى دارها، فرآى الشمع يزهر فيها؛ فلما صار بمسمع منها ومرأى اندفع فغنى بشعر العباس الأحنف:
إن يمنعوني ممري قرب دارهم فسوف أنظر من بعد إلى الدار
لا يقدرون على منعي ولو جهدوا إذا مررت وتسليمي بإضمار
ما ضر جيرانكم والله يصلحهم لولا شقائي إقبالي وإدباري
سيما الهوى شهرت حتى عرفت بها إني محب وما بالحب من عار
فقالت أم جعفر: مخارق والله ردوه فصاحوا به فقدم، وأمره الخدم بالصعود فصعد، وأمرت له أم جعفر بكرسي وصينية فيها نيبذ فشرب وخلعت عليه وأمرت الجواري فغنين ثم ضربن عليه فغنى فكان أول ما غنى بشعر العباس أيضًا:
أغيب عنك بود ما يغيره نأي المحل ولا صرف من الزمن
فإن أعش فلعل الدهر يجمعنا وإن أمت فقتيل الهم والحزن
قد حسن الله في عيني ما صنعت حتى أرى حسنًا ما ليس بالحسن
قال: فاندفعت نهار وتغنت كأنها تتابعه وإنما أجابته عن معنى ما عرض لها به.
تعتل بالشغل عنا ما تلم بنا الشغل للقبل ليس الشغل للبدن
فظنت أمر جعفر أنها خاطبته بما في نفسها فضحكت وقالت: ما سمعنا بأحسن مما صنعتما ووهبتها له.
حكاية
قال أبو زيد: أغار قوم من العرب على نعم لأحمد بن عنقاء الفزاري فاستاقوها حتى لم يبق له منها شيء، فأتى ابن أخيه فقال له: يا ابن أخي إنه قد نزل بعمك ما ترى فهل من حلوبة قال: نعم يا عم يروح المال فأبلغ مزادك، فلما راح ماله قسمه إياه وأعطاه شطره فقال ابن عنقاء:
رآني على ما بي عميلة فاشتكى إلى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فواساني ولو ضمن لم ألم على حين لا بادٍ يرجى ولا حضر
فقلت له خيرًا أو أثنيت فعله وأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر
غلام رماه الله بالخير يافعًا له سيمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت في جبينه وفي خده الشعرى وفي وجهه القمر
ولما رأى المجد استردت ثيابه تردى رداء واسع الذيل واتزر
إذا قبلت العوراء ولى كأنه ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
حكاية
[ ٢٨ ]
عن ابن عمر قال: رأى إسحاق بن إبراهيم " الظاهري في منامه النبي ﷺ وهو يقول له: أطلق القائل، فاستيقظ مرتاعًا، ودعا بشمعة وأحضر الكتب الواردة من أصحاب الحبوس، فلم ير فيها ذكر قاتل، فأمر بإحضار السندي وعباس وسألا لهما عن الخبر فقال له عباس: نعم قد كتبنا بخير قائل، فأعاد النظر فيها، فوجد الكتاب في أضعاف القراطيس، وإذا رجل قد شهد عليه بالقتل وأقر به فأمر بإحضاره. فلما مثل بين يديه ورأى ما به من الارتياع قال له: إن صدقتني اطلقتك فانبرى يخبره. فذكر أنه كان هو وعدة معه يرتكبون كل عظيمة، ويستحلون كل محرم، وكان اجتماعهم بمدينة أبى جعفر يعتكفون على كل بلية. فلما كان في بعض الأيام جاءتهم عجوز كانت تختلف إليهم للفساد، ومعها جارية بارعة الجمال، قال: فلما توسطت الجارية الدار ورأتنا صرخت صرخة ثم غمي عليها، فلما أفاقت قالت: الله الله في، فإن هذه العجوز قد خدعتني وأعلمتني أن في جيرانها قومًا لهم حق لم ير مثله، وشوقتني إلى النظر فيه، فخرجت معها واثقة بقولها، فهجمت بي عليكم، وجدي رسول الله وأمي فاطمة وأبي الحسين بن علي فاحفظوهم في، فكأنها والله إنما أغرتهم بنفسها. فقمت دونها ومنعت منها، وقاتلت من أرادها فنالني جراحات، فعمدت إلى أشدهم " كان في أمرها كلبهم " فقتلته وتخلصت الجارية منه آمنة وأخرجتها سالمة، فسمعتها تقول مخاطبة لي: يسترك الله كما سترتني، وكان لك كما كنت لي، وسمع الجيران ضجة فدخلوا إلينا، والسكين في يدي، والرجل يتشحط في دمه، فرفعت على تلك الحالة فقال إسحاق: قد عرفت لك ما كان منك ووهبتك لله ولرسوله. قال الرجل: فوحق من وهبتني له لا عدت إلى معصية أبدًا.