قال أبو الفرج الأصفهاني يرفعه إلى علي بن عمر قال: حدثني مسلم ابن الوليد المعروف بصريع الغواني قال: كنت جالسًا يومًا في دكان خياط بازاء منزلي، إذ رأيت طارقًا ببابي، فقمت إليه فإذا هو صديق لي من أهل الكوفة قد قدم من قم فسررت به، وكان إنسانًا لطم وجهي لأنه لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه، فقمت فسلمت عليه وأدخلته منزلي وأخذت خفين كانا لي أتجمل بهما فدفعتهما إلى جاريتي وكتبت معها رقعة إلى بعض معارفي في السوق أسأله أن يبيع الخفين ويشتري لي لحمًا وخبزًا بشيء سميته له، فمضت الجارية وعادت إلي وقد اشترى كل ما حددته له وقد باع الخف بتسعة دراهم، فكأنها إنما جاءتني بخفين جديدين، فقعدت أنا وضيفي نطبخ، وسألت جارًا لي أن يسقينا قارورة نبيذ. فوجه بها إلي، وأمرت الجارية أن تغلق الباب مخافة طارق يجيء فيشركنا فيما نحن فيه، ورجاء أن يبقى لي وله ما نأكله إلى أن ينصرف. فانا لجالسنا نطبخ حتى طرق الباب فقلت للجارية: أنظري من هذا، فنظرت من شق الباب فإذا هو رجل عليه سواد وشاشية ومنطقة ومعه شاكري، فخبرتني بموضعه فأنكرت أمري، ثم رجعت إلى نفسي وقلت: لست بصاحب دعارة، ولا للسلطان علي سبيل، ففتحت الباب وخرجت إليه فنزل عن دابته وقال: أأنت مسلم بن الوليد؟ قلت: نعم، قال: كيف لي بمعرفتك؟ قلت الذي دلك على منزلي يصحح لك معرفتي، فقال لغلامه: امض إلى الخياط فسله عنه، فمضى فسأله عني فقال: نعم هو مسلم بن الوليد، فأخرج إلي كتابًا من خفه وقال: هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إلي يأمرني ألا لأفضه إلا عند لقائك، وفضه فإذا فيه: إذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع إليه هذه العشرة آلاف درهم التي أنفذتها، تكون له في منزله، وادفع إليه ثلاثة آلاف درهم لنفقته ليتحمل بها إلينا فأخذت الثلاثة والعشرة ودخلت إلى منزلي، والرجل معي، فأكلنا ذلك الطعام، وازددت فيه وفي الشراب، واشتريت فاكهة واتسعت، ووهبت لضيفي من الدراهم ما يهدي به هدية لعياله، وأخذت في الجهاز ثم ما زلت معه حتى صرنا إلى الرقة إلى باب يزيد بن مزيد فدخل الرجل فإذا هو أحد حجابه، فوجده في الحمام، فخرج إلي فجلس معي قليلًا، ثم خبرني الحاجب بأنه خرج من الحمام فأدخلني فإذا هو على كرسي جالس، وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة، وبيده هو مرآة ومشط يسرح به لحيته، فقال لي: يا مسلم ما الذي أبطأ بك عنا؟ فقلت: أيها الأمير قلة ذات اليد، قال: فأنشدني فأنشدته قصيدتي التي جئته بها:
أجررت حبل خليع في الصبا غزل وقصرت همم العذال عن عذلي
فلما صرت إلى قولي:
[ ٢٩ ]
لا يعبق الطيب خديه ومفرقته ولا يمسح عينيه من الكحل
وضع المرآة في غلافها، وقال للجارية: انصرفي فقد حرم مسلم علينا الطيب. فلما فرغت من القصيدة قال لي: يا مسلم أتدري ما الذي حداني على أن وجهت إليك؟ فقلت: لا والله لا أدري، فقال: كنت عند الرشيد منذ ليال أغمز رجليه إذ قال لي: يا يزيد أتدري من القائل فيك؟
سل الخليفة سيفًا من بني مطر يمضي فيتخرم الأحشاء وإلهاما
كالدهر لا ينثني عما يهم به قد أوسع الناس إنعامًا وإرغاما
فقلت: لا والله ما أدري. فقال الرشيد: يا سبحان الله إنك مقيم على أعرابيتك، يقال فيك مثل هذا الشعر، ولا تدري من قائله؟ فسألت عن قائله، فأخبرت إنك أنت هو، فقم حتى أدخلك على أمير المؤمنين، ثم قام فدخل إلى الرشيد فما لبثت حتى خرج علي الآذن، فدخلت على الرشيد، وأنشدته ما لي فيه من الشعر، فأمر لي بمائة ألف درهم، ويزيد بتسعين ألفًا وقال: لا يجوز أن أعطيك مثلما أعطاك أمير المؤمنين، وأقطعني اقطاعات تبلغ غلتها مائتي ألف درهم. قال مسلم: ثم أفضت الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني فهجوته فشكاني إلى الرشيد فدعاني وقال: أتبيعني عرض يزيد؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين فقال: بكم فقلت: برغيف خبز، فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كنت أرى أن أشتريه منك بمال جسيم، ولست أفعل ولا كرامة، فقد علمت إحسانه إليك " أنا نفي عن أبي والله " والله لئن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من بين فكيك، فأمسكت عنه بعد ذلك، وما ذكرته بخير ولا شر.