ودخل رجل على سالم بن قتيبة الباهلي يكلمه في حاجة فوضع نصل سيفه على إصبع سالم واتكأ عليه. وجعل يكلمه في حاجته وقد أدماه، وسالم صابر فلما فرغ الرجل من حاجته وخرج دعا سالم بمنديل فمسح الدم عن إصبعه وغسله، فقيل له: هلا نحّيت رجلك أصلحك الله أو أمرته برفع سيفه عنه؟ فقال: خشيت أن أقطعه عن حاجته.
حكاية
وذكر خزيم بن أبي يحيى المزني أن الرشيد دعاه يومًا ليأكل معه فلما توسط الأكل رفع رأسه إلى رجل يكلمه بالفارسية. قال فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد أن تسر إليه فإني أفهم الفارسية، فأمرني أن أتنحى ليتقدم إليه بما يريد، فأعجب الرشيد كرم أخلاقه وصدقه وخاطب ذلك الرجل سرًا بما أراد وأمر لخزيم بصلة سنية.
حكاية
ذكر أن عبيد الله بن العباس أتاه سائل وهو لا يعرفه فقال له. تصدق علي بشيء فإني نُبئت أن عبيد الله بن العباس أعطى سائلًا ألف درهم واعتذر إليه فقال: وأين أنا من عبيد الله فقال: أين أنت منه في الحسب أم في الكرم؟ قال: فيهما جميعًا، قال: أما الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت " وإذا فعلت " كنت حسيبًا. فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته. فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله بن العباس فأنت خير منه، وإن كنت إياه فأَنت اليوم خير منك أمس فأعطاه ألفًا أخرى فقال له السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبة قلبي فأفرغتها في قلبك، فما أخطأت إلا باعتراض السر من جوانحي.
حكاية
" من ملح ما ذكر في حفظ السر وكتمانه ما " حدث " به " أبو سفيان الحميري وصالح بن سليمان قللا: أراد الوليد بن يزيد الحج فاتّعد قوم من وجوه الشام أن يثبوا به فأتوا خالد بن عبد الله القسري ليكون معهم فأبى عليهم قالوا: فتكتم علينا، قال: أما هذا فنعم. فمشى خالد القسري إلى خالد بن الوليد ين يزيد فقال له: قل لأمير المؤمنين يدع الحج في عامه هذا، فقال: ولم؟ قال: أخاف عليه، فأعلم خالد أباه فأحضره. وقال: أحقًا ما يقول خالد عنك يا خالد؟ قال نعم قال: أعده علي فأعاد قوله. فقال: ومن هؤلاء الذين تخافهم عليّ فسمِّهم؟ قال: لا أفعل قال: لتقولن قال: لا أقول قال: إذًا أبعث بك إلى يوسف بن عمر قال: وإن فعلت. فبعث به إلى يوسف فعذَّبه إلى أن مات، ولم يسم القوم ولا أحدًا منهم.
حكاية
قيل لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب إلى والي البصرة أن يحضر إياس بن معاوية المزني والقاسم بن ربيعة الجوشني ولينظر أنفذهما في الحكم فليقلده إياه فلما وقف على الكتاب استدعاهما وقرأه عليهما فقال له إياس اسأل عني وعنه فقيهي المصر الحسن وابن سيرين، وكان القاسم صديقًا لهما، ففطن لما قصد إياس. فقال: أيها الأمير لا تسأل عني وعنه أحدًا، واسمع مني ومنه، قال: قل، قال: والله الذي لا إله إلا هو، وحلف يمينًا مستوفاة جامعة لمعاني الحلف، إن إياس بن معاوية لأصلح للحكم مني وأنفذ فيه، فإن كنت عندك صادقًا فقلده " بيميني " وإن كنت عندك كاذبًا فما يحل لك أن تقلد الحكم بين المسلمين من يبارز الله بمثل هذه اليمين كاذبًا. فقال إياس: لا تسمع منه أيها الأمير فإنك جئت به إلى شفير جهنم، فافتدى نفسه أن يقع فيها بيمين حلفها كاذبًا يكفر عنها ويستغفر الله منها وينجو " مما كان " فقال له الأمير: أوليس قد فطنت أنت لها يا إياس؟ وقلده الحكم بين الناس.
حكاية
[ ٥٢ ]
لما حضرت عمر بن عبد العزيز ﵁ الوفاة دعا بنيه، وكانوا أحد عشر ابنًا وكان عنده مَسلمة بن عبد الملك، ولم يخلِّف غير بضعة عشر دينارًا فأمر أن يكفن ويشرى له موضع يدفن فيه بخمسة دنانير ويفض الباقي على ورثته. فأصاب كل ابن نصفًا وربع دينار. فقال: يا بني ليس لي مال فأوصي فيه، ولكني قد تركتكم وما لأحدٍ قِبَلكم تَبعة، فلا تقع عين أحد منكم على أحد إلا ويرى له عليكم حقًا. قال له مسلمة: أَوَ خير من ذلك يا أمير المؤمنين. قال: وما هو، قال: هذه ثلاثمائة ألف دينار فرِّقها فيهم، وإن شئت فتصدق بها. قال: أَوَ خير من ذلك يا مسلمة قال: وما هو؟ قال تردها إلى من أخذتها منه، فإنها ليست لك بحق، فقال له مسلمة: رحمك الله يا أمير المؤمنين حيًا وميتًا، فقد ألنت منا قلوبًا قاسية، وذكرتها وإن كانت ناسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرًا، فيقال أنه ما روئي قط أحد من أولاد عمر بن عبد العزيز إلا وهو غني. ولقد شوهد أحدهم وقد جهز من خالص ماله مائة فارس على مائة فرس في سبيل الله.
ولما حضر هشام بن عبد الملك الوفاة خلف أحد عشر ابنًا كما خلف عمر فأَوصى فأصاب كل واحد من البنين ألف ألفِ دينار. فيقال أنه لم يُرَ أحد منهم قط إلا وهو فقير، وقد شوهد أحدهم وهو يوقد في أتون الحمام على ملء بطنه.