الشيباني قال: نظر زياد إلى رجل من ضبة يأكل أكلًا قبيحًا، وهو أقبح الناس وجهًا. فقال له: يا أخا ضبة كم عيالك؟ قال: سبع بنات أنا أجمل منهن وهن آكل مني. فقال زياد: لله دره ما ألطف سؤاله. افرضوا لكل واحدة منهن مائة وخادمًا، وعجلوا له ولهن بأرزاقهم. فخرج الضبي وهو يقول:
إذا كنت مرتاد السماحة والندى فبادر زيادًا أو أخًا لزياد
يجيبك امرؤ يعطي على الحمد ماله إذا ظن بالمعروف كل جواد
وما لي لا أثني عليه وإنما طريقي من معروفه وتلادي
حكاية
أتى رجل معن بن زائدة يستحمله فقال: يا غلام أعطه فرسًا وبرذونًا وبغلًا وعيرًا وبعريًا وجارية ولو عرفت مركوبًا غير هؤلاء أعطيتك.
حكاية
كتب رجل من العلماء إلى يزيد بن حاتم يستوصله فبعث إليه بثلاثين ألفًا وكتب إليه: أما بعد فقد بعثت إليك بثلاثين ألفًا ولا أكثرها امتنانًا ولا أقللها تجبرًا ولا أستثنيك عليها ثناءً ولا أقطع لك بها رجاءً والسلام.
حكاية
بينما خالد بن عبد الله القسري في مطلة له إذ نظر إلى أعرابي يخب به بعيره فقال لحاجبه: إذا قدم فلا تجبه. فلما قدم أدخله عليه فسلم وقال:
أصلحك الله قلَّ ما بيدي فما أطيق العيال إذ كثروا
ألحَّ دهرٌ رمى بكلكله فأرسلوني إليك وانتظروا
فقال خالد: أرسلوك وانتظروا والله لأسيرك حتى تنصرف إليهم بما يسرهم وأمر له بجائزة عظيمة وكسوة شريفة.
حكاية
قال أبو عبيدة اجتمعت وفود العرب عند النعمان بن المنذر فأخرج إليهم بُردي محرق. وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليلبسها فقام عامر ابن أحيم السعدي فاتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له النعمان: لم أنت أعز العرب؟ فقال: العز والعد من العرب في معد ثم في نزار ثم في تميم ثم في كعب ثم في عوف ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني. فسكت الناس فقال النعمان: هذه حالتك في قومك فكيف أنت في نفسك وأهل بيتك؟ فقال أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة وأما في نفسي فهذا شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض وقال: أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل فلم يقم إليه أحد فذهب بالبردين.
حكاية
وذكر القخذمي وابن عائشة وخالد بن جمل أن ابن أبي عتيق صار إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ﵃ وعبد الله بن جعفر وجماعة من قريش فقال لهم: إن لي حاجة إلى رجل أخشى أن يردني فيها وإني أستعين بجاهكم وأموالكم فيها عليه فقالوا له: ذلك مبذول لك منا، فاجتمعوا ليوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى روج لبنى. فلما رآهم أعظم مصيرهم إليه وأكبرهم فقالوا: قد جئناك بأجمعنا في حاجة ابن أبي عتيق فقال: هي مقضية كائنة ما كانت. فقال ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت كم أهل أو مال أو ملك؟ قال: نعم. قال: تهب لهم ولي روجتك لبنى وتطلقها. قال فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثًا، فاستحى القوم واعتذروا وقالوا: والله ما عرفنا حاجته ولو عرفنا أنها هذه ما سألناك إياها. فعوضه الحسن من ذلك مائة ألف درهم وحملها ابن أبي عتيق إليه. فلم تزل عنده حتى انقضت عدتها فتسأل القوم أباها وزوجها قيسًا ولم تزل معه حتى مات. فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق:
جزى الرحمن أفضل ما يجازي على الإحسان خيرًا من صديق
فقد جربت إخواني جميعًا فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع ورأي حدث فيه عن الطريق
وأطفى لوعة كانت بقلبي أغصتني حرارتها بريقي
فقال له ابن أبي عتيق: يا حبيبي أمسك عن هذا المديح فما يسمعه أحد إلا ظنني قوّادًا.
حكاية
وذكر حماد بن إسحاق قال: حدثني أبي قال: صرت إلى سُرَّ من رأى بعد قدومي من الحج فدخلت إلى الواثق فقال: بأي شيء أطرفتني من حديث الأعراب وأشعارهم. فقلت: يا أمير المؤمنين جلس إلي فتى من الأعراب في بعض المنازل فرأيت منه أحلى ما رأيت من القتيان منظرًا وحديثًا وظرفًا وأدبًا فاستنشدته فأنشدني:
سقى العلم الفرد الذي في ظلاله غزالان مكتنان مؤتلفان
إذا أنما التفا بجيدي تواصل وطرفاهما للريب مسترقان
أرعتهما ختلًا فلم أستطعهما ورميًا ففاتاني وقد قتلاني
[ ٦٧ ]
ثم تنفس تنفسًا ظننت أنه قد تقطعت حيازمه فقلت ما لك بأبي أنت؟ فقال: إن وراء هذين الجبلين " شجىً لي " وقد حيل بيني وبين المرور بهذه البلاد وهدروا دمي وإنما أتمتع بالنظر إلى الجبلين تعللًا بهما إذا قدم الحجاج ثم يحال بيني وبين ذلك. فقلت له: زدني مما قلت في ذلك، فأنشدني:
إذا ما وردت الماء في بعض أهله حضور فعرض بي كأنك مازح
فإن سألت عني حضور فقل لها به غير من دائه وهو صالح
فأمر الواثق فكتبت له الشعرين فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا في أحد الشعرين لحنًا فاسمعه فإن ارتضيته أظهرناه وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحته. فغني لنا " فيه " من وراء الستارة. فكان في نهاية الجودة وكذلك كان يفعل إذا صنع شيئًا. فقلت له: أحسن والله صانعه يا أمير المؤمنين ما شاء الله. فقال: بحياتي، فقلت: وحياتك، وحلفت له بما وثق به، فأمر لي برطل فشربته. ثم أخذ العود وتغناه ثلاث مرات وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم. فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع أيضًا عندنا في الشعر الآخر وأمر فغني به، فكانت حالي فيه مثل الحال في الأول. ثم غناه لما استحسنه وحلفت له على جودته ثلاث مرات وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم. ثم قال: هل قضيت حق هديتك فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأطال الله بقاك، وتمم نعمتك، ولا أفقدنيها منك ربك. ثم قال: لكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي ولا سألتني معرفته، وقد سبقت " منه " مسألتك، وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز، وأمرته بإحضاره وخطبه المرأة، وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالنا، فقبلت يده وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولى بها من غيرك.