أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: أخبرنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا حيان بن بشر عن أبي بكر بن عيّاش قال: أوّل من وضع العربية أبو الأسود. جاء إلى زياد بالبصرة فقال: إنيّ أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وقد تغيرتْ ألسنتها، أفتأذن إلى أن أضع كلامًا يعرفون أو يقوِّمون به كلامهم: قال: لا. فجاء رجلٌ إلى زيادٍ فقال: أصلح الله الأمير، توفّي أبانا وترك بنونًا. فقال زياد: توفّي أبنانا وترك بنونا؟ ادعوا لي أبا الأسود. فقال له: ضع للناس ما أردت أن تضع لهم.
سمعت أبا بكر محمد بن علي بن إسماعيل المبرمان يحكي عن إبراهيم بن السرىّ قال: أوّل من تكلَّم في النحو أبو الأسود، وزعم أن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أمرَه بذلك.
[ ١١٨ ]
وبرع بعد أبي الأسود ميمونٌ الأقرن، وبعد ميمونٍ عنْبسة الفيلُ، وبعده عبد الله بن أبي إسحاق، فقاس وأكثر، ثم برع بعده أبو عمرو بن العلاء، ولحقه الخليل بن أحمد، إلاّ أنّ نظر أبي عمرو أقدمُ من نظر الخليل.
ثم أتى الخليلُ في النحو بما لم يأت بمثله أحدٌ قبله في تصحيح القياس، واللّطافة، والتصريف.
وكان يونس في عصر الخليل، وبقي بعده مدّة طويلة. ويقال إنّ سيبويه مات قبل يونس.
وكان عيسى بن عمر في عهد أبي عمرو وعهد الخليل، وكان بارعًا أيضًا.
ثم جمع سيبويه علم البرعاء من النحويين القدماء كلّهم، فذكر في كتابه مذهب الخليل، ومذهب يونس، ومذهب أبي عمر، ومذهب ابن أبي إسحاق، وذكر مذاهبَ قوم غير هؤلاء، على أنّه لم يرتضها فدفعها، وصحّح علم النحويّين القدماء كلّهم، وجمع الأبنية كلّها. فزعموا أنه لم يذهب عليه من كلام العرب إلاّ ثلاثة أشياء، منها
[ ١١٩ ]
شمنصير وهو اسم موضع، وهندلع وهي بقلة، ودرداقس وهو عظم الرأس في مؤخرّه مما يلي القفا.
ثم كان من بعد سيبويه الأخفش، وله نحوٌ كثير ليس كثير من النحويين من ينظر في النحو يدرس كثرة علمه. وله كتبٌ كثيرة.
ثم كان بعد هذه الطبقة أبو عمر الجرمي وأبو عثمان، فهذان بارعا هذه الطبقة، وكان فيها من هو دون هذين: الزياديّ والرّياشي. أعني دونهما في النحو فقط.
فأما أبو عبيدة والأصمعي وأبو زيد فليسوا بنحويين حذّاق، ولكنّ أبا زيد من أحذقهم بالنّحو. ولا يدخل هؤلاء في جملة النحويّين.
ثم الذي برع بعد هذه الطبقة محمد بن يزيد الأزدي، وأبو يعلى بن أبي زرعة، إلاّ أن محمد بن يزيد تناهي في البراعة حتّى لحقَ بطبقةِ من كان قبله.
والذين برعوا من الكوفيين على مذاهبهم عندهم: الكسائيّ، وأستاذه من أهل البصرة عيسى بن عمر. ولم
[ ١٢٠ ]
يكن عيسى من الخليل في شيء. والكسائيّ أستاذ الفرّاء وأستاذ هشام بن معاوية الضّرير.
ثم برعَ بعد هذين في نحو الكوفيّين أبو عبد الله الطّوال، وابن قادم، وسلمة بن عاصم.
ثم برع بعد هذين وجاوزهم على مذاهبهم أحمد بن يحيى الشيباني.
[ ١٢١ ]