وموقدات بتنَ يضرمن اللهبْ يشعنَه من فحم ومن حطب رفعنَ نيرانًا كأشجار اللَّهبْ
وقال يصف سيفًا:
لنا صارمٌ فيه المنايا كوامنٌ فما ينتضى إلاّ لسفكِ دماءِ
ترى فوق متنيه الفرندَ كأنّه بقيةُ غيمٍ رقَّ دون سماءِ
وقال يصف بئرًا ودلويها:
حفرتُها جوفاءَ منقورةً في دمثِ سهل وطئ التُّرابْ
تضمنُ ريّ الجحفلِ المستقِى كأنّ دلوَيها جناحا عُقابْ
[ ٤٤ ]
وقال وقد أحرقَ كورَ الزَّنابير:
وجنود أبرتُهم بحريقٍ يتلظَّى إذا أحسَّ بريحِ
قرّت العينُ إذ رأتهم سقوطًا كنثار من الصبيحِ المليحِ
طال ما قد حموا أعاليَ داري ونفّوني عن طيبِ ريح السُّطوحِ
كم صريعٍ منهم لنا مستغيث مثل زقّ بين الندامى طريحِ
وقال في الثلج:
غدتْ مبكّرةٌ للمزْن فاحتجبت شمسُ فلم نعرف لها خبرا
واغرورقت لانسكاب الماءِ دمعتُها فجاءَ ثلجٌ كوردٍ أبيضٍ نثَرا
[ ٤٥ ]
وقال البحتريّ في الثلج:
كيف المقامُ بآمدٍ وبلادها من بعد ما شابت ذوائبُ آمدِ
فقرٌ كفقر الأنبياءِ وغربةٌ وصبابةٌ ليس البلاءُ بواحدِ
وقال ابن المعتزّ في الجرجس:
بتّ بليلٍ كلّه لم أطرفِ جرجسُه كالزِّئبرِ المنتَّفِ
فمن ملاءٍ علقًا ونصَّفِ برَّحن بالعريان والملفَّفِ
وتثقب الجلدَ وراءَ المطرفِ حتّى ترى فيه كنقْط المصحفِ أو مثل رشِّ العصفُر المدوَّفِ
[ ٤٦ ]
ويستحسن قوله يصف فرسًا:
ولقد غدوتُ على طمرٍّ قارحٍ رفعتْ حوافرهُ غمامةَ قسطلِ
متلهِّمٍ لجمَ الحديد يلوكها لوك الفتاة مساوكًا من إسحل
ومحجّل غيرَ اليمين كأنه متبخترٌ يمشى بكمٍّ مسبلِ
وقوله في الحيّة:
أنعتُ رقشاءَ لا تحيا لديغتها لو قدَّها السَّيف لم يعلقْ به بللُ
تلقَى إذا انسلخت في الأرض جلدتها كأنَّها كمُّ درعٍ قدَّه بطلُ
ومن مليح تشبيهه قوله:
وكأنما حصباءُ أرضك جوهرٌ وكأنّ ماءَ الورد دمعُ نداكِ
[ ٤٧ ]
وكأنما أيدي الربيع ضحيَّةً نشرتْ ثيابَ الوشيِ فوق رباكِ
وكأنّ درعًا مُفْرغًا من فضّةٍ ماءُ الغدير جرت عليه صباكِ
والآل تنزو بينه أمواجه نزْوَ القطا الكدرىّ في الأشراك
ومنها قوله:
خليلي قد طاب الشرابُ المبرَّدُ وقد عدتُ بعد النُّسك والعود أحمدُ
فهاتِ عقارًا في قميص زجاجة كياقوتةٍ في درّةٍ تتوقَّدُ
يصوغُ عليها الماءُ شبّاكَ فضّةٍ له حلقٌ بيضٌ تحلُّ وتعقدُ
فظاهرها حلمٌ وقورٌ على الأذى وباطنها جهلٌ يقوم ويقعُد
[ ٤٨ ]
ومنها قوله:
ومستكبرٍ يزهى بخضرة شارب وفترة أجفان وخدٍّ مورّد
تبسَّمَ إذْ مازحته فكأنّما تكشف عن دُرٍّ حجابُ زبرجدِ
وقوله في البرق:
إذا تفرَّى البرقُ فيها خلتَه أبلقَ مالَ جلُّهُ حينَ وثّبْ
وتارةً تخاله إذا بدا سلاسلًا مصقولةً من الذَّهبْ
ومن جيد تشبيهاته:
يضاحكُ الشمسَ أنوارُ الرياض بها كأنّما نثرت فيها الدنانيرُ
[ ٤٩ ]
وفيها:
تجذبُ كفّيه أسباهٌ معرقةٌ كأنَّ أفواهها فيها المناشيرُ
ومهمهِ فيه بيضات القطا كسرٌ كأَنَّها في الأفاحيص القواريرٌ
كأنّ حرباءها والشمسُ تصهره صال دنا من لهيب النار مقرورُ
وفيها:
ينفى خفافَ الحصى والنقعُ منتشرٌ كأنّها بين رجليه الزّنابيرُ
وقد يُباكرني الساقي بصافية كأنّها قبسٌ بالكفّ مشهورُ
هريقَ في كأْسها من صوب غادية فالخمر ياقوتةٌ والماء بلُّور
[ ٥٠ ]
وقوله:
وكم عناقٍ لنا وكم قبلٍ مختلساتِ حذارَ مرتقبِ
نقْرَ العصافير، وهي خائفةٌ من النَّواطير، يانعَ الرُّطبِ
[ ٥١ ]