أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: قال الهيثم بن عديّ: قال لنا صالح بن حّسان: أنشدوني أحسن شيء قيل في الثُّريّا. قلنا: بيت امرئ القيس:
إذا ما الثُريّا في السماء تعرَّضَتْ تعرُّض أثناءِ الوشاح المفصَّلِ
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: بيت عبد الله بن الزَّبير:
وقد حزنَ الغورُ الثُّريّا كأنّها يدا رايةٍ بيضاءَ تخفق للطَّعنِ
[ ٢٦ ]
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: بيتُ ذي الرمّة:
وردت اعتسافًا والثُّريا كأنّها على قمّة الرأْس ابن ماء محلِّقُ
يدفُّ على آثارها دبرانُها فلا هو مسبوقٌ ولا هو يلحق
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا بيت يزيد بن الطَّثرية:
إذا ما الثُّريا في السماءِ كأنها جمانٌ وهي من سلكه فتبدّدا
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: قولُ الآخر:
نظرتُ والثُّريا كأنّها قلادةُ سلكٍ سلَّ منها نظامها
[ ٢٧ ]
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: ما عندنا. قال: بيت أبي قيس بن الأسلت:
وقد لاحَ في الصُّبح الثُّريا لمن رأى كعنقود ملاّحيّة حين نورا
ومّما جاء في صفة الثريا:
ولاحت لساريها الثُّريا كأنّها لدى الجانب الغربيّ قرطٌ مسلسل
فأخذه ابن الروميّ فقال:
طيّب ريقُه إذا ذقتَ فاه والثُّريا لجانب الغربِ قرطُ
وممن أحسن وصف الثُّريا عبد الله بن المعتزّ في قوله:
ألا سقِّنيها والظَّلامُ مقوَّضُ وخيلُ الدُّجى في حلبة الليل تركضُ
[ ٢٨ ]
كأن الثّريّا في أواخر ليلها تفتُّحُ نورٍ أو لجامٌ مفضَّض
وقال أيضًا فلم يقع له جيِّدًا:
فناولنيها والثريا كأنَّها جنى نرجسٍ حيّا النّدامى به الساقي
فلم يستو، قوله كأنّها جنى نرجس. ولو وقع له وزنٌ يقول فيه باقة أو طاقات نرجس، على أنّه جنى نرجس بمعنى مجتنى نرجس، كما يروى عن أمير المؤمنين ﵇: هذا جناى وخياره فيه وقال فأحسن وشبّه طلوعها في الليالي المظلمة:
قم يا نديمي نصطبح بسوادِ قد كاد يبدو الفجر أو هو بادِ
وأرى الثريا في السَّماءِ كأنّها قدمٌ تبدَّت من ثياب حداد
[ ٢٩ ]
وقال عبد الله بن المعتز:
وترى الثُّريا في السَّماءِ كأَنها بيضاتُ أدحىّ يلحنَ بفَدفدِ
وقال غيره:
وترى النجومَ المشرِقا ت كأنّها دورُ العصابةْ
وترى الثريّا وسطها وكأنّها زردُ الذُّؤابة
أنشدني أبو نضلة مهلهل بن يموت بن المزرّع لنفسه:
تأمَّلتُ الثريّا في طلوع ومغيبِ
فتخيّرتُ لها التَّش بيه بالمعنى المُصيبِ
[ ٣٠ ]
هي كأسٌ في شروقٍ وهي قرطٌ في غروبِ
وقال عبد الله:
قد سقاني المدامَ وال لَّيلُ بالصبح مؤتزِرْ
والثريّا كنور غص نٍ على الغرب قد نثر
وقال ابن طباطبا:
كأنّ الثريا لؤلؤٌ متراصفٌ يرى أبدًا حليًا لظلماءَ عاطلِ
ومّما وصف به الجوزاء والشعرى، قال ابن طباطبا:
إذا ما الثُّريا والهلالُ جلتهُما لي الشمَّس إذ ودّعت كرهًا نهارَها
كأسماء إذ نابت عشاءً وغادرت لدينا دلالًا قرطها وسوارَها
[ ٣١ ]
ومنقلبِ الجوزاء يحكى وشاحُها لآلئ فيها لا تخاف انتثارها
وأنسىَ بالشعرى العبور كدمعةٍ بعينِ محبٍّ لا يحبُّ انحدارها
ورّعيى سهيلا مثل نارٍ بربوةٍ يحرّك منها المواقدُ استعارَها
ونهج ابيضاضٍ للمجرّة لا حبٍ إذا شقَّ من روض البنات استتارها
وقال:
كأنّ سنا خطِّ المجرّة بينها ترقرقُ ماءٍ بين نوّاره جارِ
كأنّ يد الجوزاء مع لمع برقها تهزُّ صفيحًا أو تشبّ سنا نارِ
وقال عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر:
أقول لمّا هاج شوقي الذّكرى واعترضت بطن السماءِ الشّعرى
[ ٣٢ ]
كأنها ياقوتة في مدرَى ما أطول الليل بسُرَّ من را
وقال عبد الله يصف الجوزاء:
وقد هوى النجمُ والجوزاءُ تتبعه كذات قرط أرادته وقد سقطا
وقال يصف العقرب:
حتّى تهاوتْ زهر الكواكبِ وأصغت العقربُ للمَغاربِ
بذنبٍ كصولجانِ اللاعبِ وقال ابن طباطبا:
وليلٍ أرى الجوزاءَ فيه مطلّةً علىّ تحاكي شخصَ نشوانَ مائلِ
وقد أتلعت منها نجومٌ وشاحها كأنّ سناها فضةٌ من حمائل
[ ٣٣ ]
وقال عبد الله:
ولاحت الشعرى وجوزاؤها كمثل رمحٍ جرَّه رامحُ
وقال في سهيل:
وقد لاح للساري سهيلٌ كأنه على كل نجمٍ في السماءِ رقيب
وقال ابن طباطبا:
ها إنها الجوزاء في غربها ناعسةٌ أنجمُها تسحبُ
نطاقها واهٍ لتغريبها ينسلُّ منها كوكبٌ كوكبُ
كأنما الشِّعرى سنانٌ له نيطَ به ديباجُه الغيهبُ
كأنما لمع سهيلٍ سنا نارٍ على رابية يثقبُ
[ ٣٤ ]
ومما استحسن في وصف القمر والهلال قال عبد الله بن المعتز:
ومصباحنا قمرٌ مشرقٌ كترسِ لجينٍ يشقُّ الدٌّجى
وقال محمد بن أحمد العلوى:
ما للهلالِ ناحلًا في المغربِ كالنُّون قد حطَّت بماءٍ مذهبِ
وقال:
أهلًا يفطرٍ قد أنارَ هلاله فالآن فاغدُ على المدام وبكِّر
وانظر إليه كزورقٍ من فضةٍ قد أثقلته حمولةٌ من عنبرِ
وقال أبو نواس:
يا قمرًا للنِّصف من شهرهِ أبدى ضياءً لثمانٍ بقينْ
[ ٣٥ ]
يقول: أنت كامل الحسن وإنّما جدت لنا ببعض وصلك! أخذه من قول قيس بن الخطيم:
تبدّتْ لنا كالشمس تحت غمامةٍ بدا حاجبٌ منها وضنّت بحاجب
وقال:
في قمر مشرقٍ نصفه كأنّه مجرفةُ العطر
وقال عبد الله بن المعتز:
وجاءني في قميص الليلِ مستترًا يستعجل الخطوَ من خوفٍ ومن حذرِ
ولاحَ ضوءُ هلالِ كاد يفضحه مثلَ القلامة قد قصَّت من الظُّفُر
[ ٣٦ ]
وقال أيضًا يصف الهلال:
قد انقضتْ دولةُ الصِّيام وقد بشَّرَ سقم الهلالِ بالعيد
يتلو الثريا كفاغرٍ شره يفتح فاه لأكل عنقود
وقال أيضًا:
في ليلة أكل المحاقُ هلالها حتّى تبدّى مثل وقف العاج
وقال ابن طباطبا:
وقد غمَّضَ العربُ الهلالَ كأنّما يلاحظُ منه ناظر ذات أشفارِ
كأن الذي بقَّى لنا منه أفقهُ فضيضُ سوارٍ أو قراضة دينار
[ ٣٧ ]
وقال عبد الله بن المعتز:
وقد بدت فوق الهلال كرتُه كهامة الأسود شابت لحيتَه
وقال عبد الله يهجو القمر:
يا سارقَ الأنوار من شمس الضُّحى يا مثكلى طيبَ الكرى ومنغِّصى
أمّا ضياءُ الشمس فيك فناقصٌ وأرى حرارة نارها لم تنقُضِ
لم يَظفر التشبيهُ منك بطائل متسلِّخٌ بهقًا كلون الأبرص
[ ٣٨ ]