قوله:
لعينُك يوم البين أسرعُ واكفًا من الغصُن الممطور وهو مروحُ
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يقول: إنكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى. وإنّ أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول: كأنه الأسد؛ ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنّها الشمس، لم تجعلون هذه الأشياءَ بهم أشبه؟ ثم قال: لأنشدنّك شعرًا يكون لك إمامًا: ثم أنشدني:
إذا سألت الورى عن كلِّ مكرمةٍ لم تلف نسبتَها إلاّ إلى الهَوْلِ
فتى جوادًا أنال النَّيْل نائله فالنَّيْل يشكر منه كثرةَ النَّيْلِ
[ ٦١ ]
والموت يرهب أن يلقى منيّتَه في شدَّة عند لفّ الخيل بالخيل
لو بارز الليلَ غطّتهُ قوادمُه دون الخوافي كمثل الليل في الليل
أمضى من النَّجم إن نابتْه نائبة وعند أعدائه أجرى من السَّيل
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا عبد الأول بن مرثد، أحد بنى أنف الناقة، عن ابن عائشة عن أبيه قال: قال عبد الملك يومًا وقد اجتمع الشعراءُ عنده: تشبّهوننا بالأسد والأسد أبْخر، وبالبحر والبحر أجاج، وبالجبل مرّةً والجبلُ أوعر، ألاَّ قلتم كما قال أيمن بن خريم ابن فاتك لبنى هاشم:
نهاركُم مكابدةٌ وصومٌ وليلكمُ صلاةٌ واقتراءُ
[ ٦٢ ]
أأجعلكم سواءً وبينكمُ وبينهمُ هواءُ
وهم أرضٌ أرجلكمْ وأنتمْ لأعينهم وأرؤسهم سماءُ
قال: أخبرني أبي قال: أخبرني محمد بن الوليد العقيلي قال: أخبرنا أبو بكر البصري عن الهيثم بن عدى قال: دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، قد امتدحتك فاستمع منّي. فقال عبد الملك: إن كنت إنّما شبهّتني بالصّقر والأسد فلا حاجة لي في مدحتك، وإن كنت قلت كما قالت أختُ بني الشَّريد لأخيها صخر فهات. فقال الأخطل: وما قالت يا أمير المؤمنين؟ قال: هي التي تقول:
وما بلغتْ كفُّ امرئٍ متناولٍ من المجد إلا حيثُ ما نلتَ أطولُ
وما بلغَ المهدونَ في القول مدحةً ولو أطنبوا إلاّ الذي فيك أفضلُ
[ ٦٣ ]
وجارك محفوظٌ منيعٌ بنجوةٍ من الضَّيم لا يبكي ولا يتذلّلُ
قال الأخطل: والله لقد أحسنت القول، ولقد قلت فيك بيتين ما هما بدون قولها. فقال: هات فأنشأ يقول:
إذا مُتَّ مات الجودُ وانقطع الندى من الناس إلا من قليل مصرَّدِ
ورُدّت أكفُّ السائلين وأمسكوا من الدِّين والدنيا بخلْف مجدَّد
وأخبرني أبي قال: أخبرني العقيلي قال: أخبرنا ابن عائشة قال: دخل جرثومة الشاعر على عبد الملك بن مروان، فأنشده والأخطلُ حاضر، فلما بلغ إلى قوله:
إليك أميرَ المؤمنينَ بعثتُها وكلّفتُها خرقًا من الأَرض بلقعا
فما تجدُ الحاجاتُ دونَك منتهىً سواكَ ولا تلقَى وراءَك مطلعا
قال عبد الملك للأخطل: هذا المدحُ ويلك يا ابن النَّصرانية!
[ ٦٤ ]
كتب إسماعيل بن صبيح إلى بعض الرؤساء: " في شكر ما تقدَّم من إحسان الأمير شاغلٌ عن استبطاءِ ما تأخَّر منه ".
فأخذه أحمد بن يوسف فكتب إلى بعضهم: " أحقُّ من أثبت لك العذرَ في حال شغلكَ من لم يخلُ ساعةً من برِّك وقت فراغك ".
ثم أخذه من أحمد بن يوسف سعيدُ بن حميد فكتب: لست مستقلًا بشكر ما مضى من بلائك فأستبطئ درك ما أؤمّل من مزيدك.
ثم أخذه حمد بن مهران فكتب في فصل: " ولئن تعذّرتْ حاجتي قبلك لطال ما تيَّسَر لي أمثالها عندك. ولستُ أجمع إلى العجز عن شكر ما أمكنَ التسُّرع إلى الاستبطاءِ فيما تعذّر ".
أخذ هذا كلُّه من قول علي بن أبي طالب صلى الله عليه: " لا تكوننَّ كمن يعجز عن شكر ما أوتيَ ويبتغي الزيادةَ فيما بقي
[ ٦٥ ]
أول من بدأَ بتشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد امرؤ القيس فقال:
كأنَّ قلوبَ الطّير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العُنَّابُ والحشفُ البالي
وقال منصورٌ النمري:
ليلٌ من النَّقْع لا شمسٌ ولا قمرٌ إلاّ جبينك والمذروبة الشُّرعُ
ثم تبعه بشارٌ فقال:
كأَنَّ مثارَ النقع فوق رؤُسهم وأسيافنا ليلٌ تهاوتْ كواكبه
وقال العتّابي:
تبنى سنابكها من فوق أرؤسِهم سقفًا كواكبُه البيضُ المباتيرُ
وأنشدني أبو الحسن أحمد بن هشام الشاعر، وشبّه
[ ٦٦ ]
ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت يصف شعر امرأة وبياضها ويصف نفسه:
فكأّنني وكأنَّها وكأنّه صبحان باتا تحت ليلٍ مُطبقِ
واستحس الناس قول النابغة:
فإنَّك كالليل الذي هو مدرِكي وإن خلتُ أنّ المنتأَى عنك واسعُ
خطاطيف حجنٌ في حبالِ متينةِ تمَدُّ بها أيدٍ إليك نوازعُ
تبعه سلم الخاسر فقال:
وأنت الدَّهرِ مبثوثًا حبائله والدهرُ لا ملجأُ منه ولا هربُ
ولو ملكتُ عنانَ الرِّيح أصرفه في كلِّ ناحية ما فاتكَ الطَّلَبُ
[ ٦٧ ]
وقال علي بن جبلة يمدح حميدًا الطّوسيّ:
وما لامرئ حاولتَه منك مهرب ولو رفعتْه في السِّماء المطالعُ
بلى هاربٌ لا يهتدي لمكانه ظلامٌ ولا ضوءٌ من الصبح ساطعُ
وسرقاه جميعًا من قول الفرزدق:
ولو حملتني الريحُ ثم طلبتني لكنتُ كشيءٍ أدركته مقادرُه
وقال البحتريّ:
سلبوا وأشرقت الدماءُ عليهمُ محمرَّةً فكأنّهم لم يسلبوا
ولو أنّهم ركبوا الكواكب لم يكن لمجدِّهمْ من أخذ بأْسك مهربُ
[ ٦٨ ]
قول سلم: " وأنت كالدهر " مأخوذ من قول الأخطل:
وإن أمير المؤمنين وفعله كالدهر لا عارٌ بما فعل الدهرُ
أنشد أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أحمد بن يحيى لعديّ بن زيد:
قد يدرِك المبطئ من حظِّه والخير قد يسبق جهد الحريصْ
فسرقه القطاميّ فقال:
قد يدرِك المتأَنِّي بعضَ حاجته وقد يكون مع المستعجل الزّللُ
وأنشد لعلقمة بن عبدة:
تراءتْ وأستارٌ من الليل دونها إلينا وحانتْ غفلةُ المتفقِّدِ
[ ٦٩ ]
بعينَىْ مهاةِ تحدُر الدمعَ منهما برِيمَينِ شتَّى من دموع وإِثمدِ
فسرقه ابن ميّادة فقال:
وما أنس مِ الأشياءِ لا أنسَ قولَها وأدمعُها يُذرين حشو المكاحل
تمتَّعْ بذا اليومِ القصيرِ فإنّه رهينٌ بأَيام البلاءِ الأَطاولِ
فسرقَه بعضُ المحدَثين فقال:
خذِي أُهبةً للبين إنّيَ راحلٌ قرا أمل يُحْييك والله صانعُ
فسحَّتْ بسِمطَيْ لؤلؤٍ خلطَ إِثمد على الخدِّ إلا ما تكفُّ الأصابعُ
قال الشمّاخ:
وتقسِم طرف العين نصفًا أمامَها ونصفًا تراه خشيةَ السَّوط أزورا
[ ٧٠ ]
أخذه مسلم بن الوليد فقال:
تمشِي العِرضْنةَ قد تقسَّمَ طرفها وضحُ الطريق وخوفُ وقْع المحصَدِ
وأنشدنا محمد بن القاسم الأنباري قال: أنشدني أحمد بن يحيى، لزياد بن منقذ أخي المرّار:
لا حبّذا أنتِ يا صنعاءُ من بلد ولا شعُوبُ هوىً منَّا ولا نقُمُ
ولا أحبُّ بلادًا قد رأيتُ بها عَنْسًا ولا بلدًا حلَّتْ به قدَمُ
وحبّذا حينَ تمسِي الريح باردةً وادي أشيٍّ وفتيانٌ به هضُم
مخدَّمون كرامٌ في مجالسهم وفي الرِّحال إذا صاحبتَهم خدَم
كم فيهم من فتىً حلوٍ شمائلُه جمُّ الرَّمادِ إذا ما أّخْمد البرَمُ
[ ٧١ ]
غمرِ الندي لا يبيت الحقّ يثْمُده إلاّ غدَا وهو سامي الطَّرف يبتسم
إلى المكارم يبنيها ويعمُرها حتّى ينالَ أمورًا دونها قحمُ
يا روْقُ إنِّى وما حجَّ الحجيجُ له وما أهَلَّ يجنبىْ نخلةَ الحرُمُ
لم ألقَ بعدهُمُ حيًّا فأخبُرَهم إلاّ يزيدُهم حبًّا إلىّ همُ
أنشدنا أبو بكر محمد بن يحيى، لمحمود بن مروان بن أبي حفصة:
وقد كنتُ أخشى من هواهُنَّ عقربًا فقد لسعتني من هواهُنَّ عقربُ
بخِلْنَ بدرياقٍ على مَن لسعْنَه ألا حبّذا درياقُهنَّ المجرَّبُ
[ ٧٢ ]
أخذه ابن المعتزّ فقال:
وكأنّ عقربَ صدغه وقفتْ لمّا دنتْ من نار وجنتِه
وأنشدني أبو نضلة مهلهل بن يموت لنفسه:
كأن أجفانه من جسم عاشقِهِ قد رُكِّبت فهي في الأَسقام تحكيه
في صدغه عقربٌ للقلب لادغةٌ درياقٌ لدغتها يا قومِ من فيه
أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا أبو حاتم عن الأصمعي:
أطلسُ يخفى شخصَه غُبارُه في شدقه شفرتُه ونارُه هو الخبيثُ عينُه فرارُه
[ ٧٣ ]
وأنشدنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعيّ أن أعرابيا أنشده:
يتعاوران من الغبار مُلاءَةً بيضاءَ مخْملةً هما نسَجاها
تطوى إذا سلَكا مكانًا جاسيًا وإذا السنابكُ أَسهلَت نشراها
وفي وصف الذئب من المشهور أبياتُ الفرزدق التي فيها:
وأطلسَ عسّالٍ وما كان صاحبا دعوتُ لناري مرةً ودعاني
وأبيات حميد بن ثور التي يقول فيها:
ينام بإحدى مُقْلتيه ويتَّقى بأخرى المنايا فهو يقظان هاجعُ
أنشدنا أبو عبد الله إبراهيم بن عرفة قال: أنشدنا أحمد بن يحيى لابن خنشٍ الفزاري:
وذنبي حاضرٌ لاستر عنه لطالبه وعُذري بالمغيبِ
[ ٧٤ ]
ولا عذرٌ يردُّ عليَّ نفعًا وكرُّ العذرِ من فعل المُريبِ
وقد جاهدت حتّى لا جهادٌ وقلّتْ حيلةُ الرجلِ الأريبِ
فلو صدَقَ الهوى أو كنتُ حرًّا لمتُّ مع الندى يومَ القليبِ
وكم من موقف حسنٍ أحيلتْ محاسنه فعدَّ من الذنوبِ
أخذه أبو تمام فقال:
فإن كان ذنبي أنَّ أحسنَ مطلبي أساءَ ففي سوءِ القضاءِ لي العُذرُ
وأخذه البحتريّ فقال:
إذا محاسنيَ اللاتي أُدِلُّ بها كانت عيوبي فقلْ لي كيف أعتذرُ
[ ٧٥ ]
وأخذه بعض المحدثين فقال:
وكيف يكون كما اشتهى حبيبٌ يرى حسناتي ذنوبا
أنشدني أبي قال: أنشدني عسل بن ذكوان قال: أنشدني لإسحاق بن خلف يهجو الحسن بن سهل:
بابُ الأمير عراءٌ ما به أحدٌ إلاّ امرؤ واضعٌ كفًّا على الذَّقنِ
كفيتُكَ الناسَ لا تلقَى أخا طلبٍ بفيْءِ بابك يستعدى على الزمنِ
في الله منه وجدوَى كفِّه خلفٌ ليس النَّدى والسدى في راحة الحسنِ
قال أبو عليّ البصير في ضدِّها:
مالي أرى أبوابهم مهجورةً وكأنّ بابكَ مجمعُ الأسْواقِ
أرجوْك أم خافوك أم شامُوا الحيا بيديك فانتجعوا من الآفاق
[ ٧٦ ]
أخذه من قول أبي نواس:
ترى الناس أفواجًا إلى باب داره كأنَّهُمُ رجلا دبىً وجرادِ
فيومًا لإلحاق الفقير بذي الغنى ويومًا رقابٌ بوكرتْ بحصَادِ
وقال البصير:
يزدحم الناسُ على بابه والمنهلُ العذبُ كثير الزِّحام
سرق الجميع من قول زهير:
قد جعل المبتغون الخيرَ في هرم والسائلون إلى أبوابه طرقا
من يلقَ يومًا على علاّته هرِمًا يلق السماحةً منه والندى خلُقا
الحسينُ بن الضحاك:
فبتُّ في ليلة منَّعمةٍ ألثَمُ دُرًَّا مفلّجًا بفمي
[ ٧٧ ]
أخذه من قول بشر بن أبي خازم:
يفلِّجن الشفاهَ بأُقحوان جلاه غبَّ ساريةٍ قِطارُ
وقال ابن الرُّوميّ:
يا رُبَّ ريقٍ بات بدرُ الدُّجى يمجُّه بين ثناياكا
تروَى ولا ينهاك عن شُربه والماءُ يُرويك وينهاكا
وقال العطوىّ:
ذات خدَّين ناعمين ضَنينَيْ نِ بما فيهما من التُّفّاح
وثنايا، وريقةٍ كغديرٍ من عقارٍ وروضةٍ من أقاح
[ ٧٨ ]
فجمع هذا كلَّه البحتريُّ في بيتٍ وأحسنَ:
كأنّما يضحك عن لؤلؤٍ منضَّد أو برد أو أَقاحْ
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: حدثنا السكّريّ قال: قيل لأبي حاتم: من أشعر المحدثين؟ قال: الذي يقول:
ولها مبْسمٌ كغُرّ الأقاحي وحديثٌ كالوشيِ وشيِ البرودِ
نزلَتْ في السَّواد من حبّة القل ب ونالت زيادةَ المستزيد
عندها الصَّبرُ عن لقائي وعندي زفراتٌ يأْكلن صبرَ الجليدِ
أخذه أبو نواس فقال:
ولو أنِّي استزدتُك من بلاءٍ إلى ما بي لأعوزك المزيدُ
[ ٧٩ ]
ولو عُرضَتْ على الموتى حياتي بعيش مثل عيشي لم يُريدوا
قال: أنشدنا أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا محمد بن يزيد المبرّد:
وليلةِ واكفٍ فتقت همومًا أكابدها إلى الصُّبح الفتيقِ
حمى فيها الكرى عينَيَّ بيتٌ كأن سماءَه عين المشُوق
تجمَّعَتِ السّحائبُ وهو بيتٌ وأجلَتْ وهو قارعةُ الطريقِ
ترقّ قلوب جيرتنا علينا إذا نظروا إلى الغيم الرقيقِ
وهذه الأبيات للعباس المشوق. وسمِّى المشُوقَ بقوله:
كأنَّ سماءَه عينُ المشُوقِ
وأنشد غيره لديك الجنّ:
لا بتُّ إخواني ولا بتُّمُ بليلة بتُّ بها البارحَه
[ ٨٠ ]
لم يبقَ لي في منزلي بقعةٌ إلاّ وفيها لجّة سايحه
وللصنوبريّ:
وبيتٍ طّلْتُ فيه ضجيعَ وكف مبنٍّ ليس يؤذنني ببيْنِ
إذا بكت السماءُ له بعينٍ بكى هو للسَّماءِ بألف عينِ
وقال ابن المعتزّ:
روينا فما نزداد يا ربّ من حيًا وأنت على ما في النفوس شهيدُ
سقوفُ بيتي صرن أرضًا ندوسُها وحِيطان بيتي ركَّعٌ وسجودُ
وقال ابن الروميّ:
يؤرّقُني سقفٌ كأنِّيَ تحته من الوكْف تحت المدْجنات الهواضبِ
[ ٨١ ]
يظلُّ إذا ما الطِّينِ أثقلَ متنه تصرُّ نواحيه صريرَ الجنادبِ
أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي:
إذا ما اجتلى الرّاني إليها بطرفه غروبَ ثناياها أضاءَ وأظلما
يقول: أضاءَ الثغر واسودّ لحم الأسنان وكانوا ربّما جعلوا فيه الكحل ليضيء بياض الأسنان.
سيكفيك ألاّ يرحل الصيفُ ساخطًا عصا العبد والبئرُ التي لا تُميهها
العصا: المفأد الذي يستخرج به اللحم من الحفرة، وهي البئر. يقول: ليس يحفرها ليخرج ماءها، إنما يحفر ليشتوي فيها اللحم. وتسمّى إرةً وتجمع إرون.
[ ٨٢ ]
الأعشى:
الواطئين على صدور نعالهم يمشون في الدَّفئيِّ والأبرادِ
يقال: جاءَ فلان على صدور راحلته، أي على راحلته. فأراد الأعشى: على نعالهم، أي هم ملوكُ لا يمشون حفاة.
ونحوه لطفيل:
وأطنابُه أرسانُ جرْد كأنّها صدور القنا من بادئ ومعقّب
أراد كأنّ هذه الأرسانَ القنا لصلابتها.
وقال ابن أحمر:
أرى ذا شيبة حمّالَ ثقلٍ وأبيضَ مثلَ صدر السَّيف نالا
أراد: مثل السيف، فقال مثل صدر السَّيف. ويريد أنّ هذين من قومه نالا ما يريدان
[ ٨٣ ]
أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا البلعيّ عن أبي حاتم قال: سألت الأصمعيّ عن قوله:
لذي الحلم قبلَ اليوم ما تقرع العصا وما علِّم الإنسانُ إلاّ ليعلما
فقال: يقول: إنّما يقبل التذكرة والموعظةَ ذو العقل. وقال: ألا ترى قول الآخر:
وزعمت أنّا لا حلومَ لنا إنّ العصا قرعت لذي الحلمِ
وقال:
رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي بريئًا ومن جوف الطويّ رماني
يقول: رماني من جوف بئر فرجع عليه عار ذلك. وقال بريئًا وهما اثنان لعلم المخاطب بالمعنى، كما قال الله تعالى: " والله ورسوله أحقُّ أن يرضوه " والرّمى: القذف بالقبيح. قال الله ﷿: " إن الذين
[ ٨٤ ]
يرمونَ المحصنات ". والرّمى: نزوعك من بلدٍ إلى بلد قال ذو الرمة:
وأرمِي إِلى الأرض التي من ورائكم لترجعَنى يومًا إليك الرَّواجعُ
وأنشد لزهير:
عَفا من آلِ ليلى بطنُ ساقٍ فأكثبةُ العجالز فالقصيمُ
عجلز: اسم كثيب، فجمعه بما حوله. وتجمع العرب الشيء وإن كان واحدًا قال أبو ذؤيب:
فالعين بعدهم كأنَّ حداقَها سملتْ بشوكٍ فهي عورٌ تدمعُ
وقال آخر:
تمدُّ للمشْي أوصالًا وأصلابا
فجمعه بما يلفُّه
[ ٨٥ ]
ولأعرابيّ:
وبيتٍ ليس من شعر وقُطنٍ على ظهر المطيّة قد بنيتُ
ولحمٍ لم يذقه الناس قبلي أكلتُ على خلاءٍ واشتويتُ
يعني: عملتُ بيتَ شعرٍ في هجاء ملك لم يهجُه أحدٌ رهبةً منه. فكأنّه أكل لحمه لفكيهة الفزاريّ من قصيدة:
فلم أجبُن ولم أنكل ولكن شددتُ على أبي عمرو بن عمرو
تركتُ الرُّمحَ يبرُق في صَلاة كأنَّ سِنانَه خرطومُ نسرِ
النابغة:
تجلو بقادمتيْ حمامةِ أيكةٍ برَدًا أُسِفَّ لِثاتُه بالإِثمدِ
[ ٨٦ ]
كالأقحوان غداة غبِّ سمائه جفَّت أعاليه وأسفُله ندِى
أراد: تجلو بشفتيها إذا تكلمّت أو ضحكت. وشبّه شفتيها بقادمتي حمامةٍ لرقّتها. وأسفّ لثاته بالإثمد كانوا يجعلون الكحلَ في أصول الأسنان ليشرق السواد مع البياض. وكان ذلك مما يستحسنونه ولا سيما إذا كانت اللِّثةُ بيضاءَ غيرَ حمراء فكرهوا أن تكون اللِّثةُ بيضاءِ كالأسنان، فغيرَّوها بذلك. ثم قال: كالأقحوان، رجع إلى وصف الثَّغر فوصفه بالأقحوان لبياض نوره وطيبه. " جفَّت أعاليه وأسفله ندى " شبّهه بالأقحوان في هذه الحال، وذاك أنّ الأقحوان إذا كان في غبِّ مطر ولم تطلع عليه الشمس فهو ملتفٌّ مجتمعٌ غير منبسط، وكذا كلُّ الأنوار يكره أن يشبّه الثّغر به في هذه الحال فيكون كالمتراكب بعضه على بعض، فشّبهه بالأقحوان إذا أصابته الشمس فقال: " جفّت أعاليه "، يريد انبسطت وذهب تجعّدها. وقال: " وأسفله ندٍ " فاحترز من أن يكون جفّ وذوي كلُّه فقال: " وأسفله ندى ".
[ ٨٧ ]
وأنشد:
وساقيتي كأْس الصبا وسقيتها رقاق الثنايا عذبة المتريَّقِ
وخمصانةٍ تفترُّ عن متنسِّقٍ كنّوْر الأقاحي طيِّبِ المتذوّقِ
إذا مضَغَتْ عد امتتاع من الكرى أنابيبَ من عُودِ الأراك المخلِّقِ
سَقَتْ شَعَثَ المسواك ماءَ غمامة فضيضًا بجاديّ العِراق المروّقِ
بعد امتتاع: بعد ارتفاع. يقال متع النهار وأمتع، إذا ارتفع وطالت من وقت طلوع الشمس مدّته. والمخلّق: الذي قد علق به الخلوق والطّيب من يدها ويكون المخلقَّ المملَّس. والفضيض: أول ما سال من الغمامة. وترك ذكر الشراب لعلم المخاطب به.
أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرني البلعيّ قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي قال:
[ ٨٨ ]
جاء رجلٌ من بني عبْس إلى جماعةٍ وفيها الطّرمّاح، فقال: ما عنى كثيّر بقوله الملك بن مروان:
فأنت المعلَّى يوم عدّت قِداحُهم وجاءَ المنيحُ وسطهَا يتقلقلُ
فقال الطرمّاح: ما تقولون؟ فقالوا: أراد بالمعلَّى أنه أعلاهم حظًا كالمعلّى في القداح فقال الطرمّاح: لا، ولكنّه أراد أنك السابع من ملوكهم، ولك أوفر الحظّ لأنّ أهل الجاهليّة كانوا يسمّون القداح إلى سبعة: أولها الفذّ، والتّوأم، والرقيب والمسبل، والحلس، والنافس، والمعلّى.
وقال في ذلك أعشى بنى ربيعة:
ومروان سادس من قد مضى وكان ابنه بعده سابعا
[ ٨٩ ]
ذو الرمة:
وبيضاءَ لا تنحاشُ منِّى وأُمُّها إذا ما رأتني زال منِّي زويلُها
نتوج ولم تلْقَح لما يُمتنَي له إذا نتجت ماتت وحيَّ سليلها
يعني البيضة. والامتناء: أن يعلم الناسُ أنها قد حملت وسئل أبو العباس ثعلب عن قول الشاعر:
دعاني دعوةً والخيلُ تردى فما أدري أباسمي أم كناني
فقال دعاني دعوةً: فتح فمه فتحةً. فأراد أنّه كما أومأ إليّ ملت إليه. وإلاّ فسد المعنى وكان ذلك جبنًا منه ودهشًا.
ولذي الرّمّة:
وذي شُعَب شتَّى كسوتُ فروجَه لغاشيةٍ يومًا مقطّعةً حُمرا
[ ٩٠ ]
يعني سفودا وفروجه: ما بين شعبه. لغاشية: لقوم غشوه. يعني لحمًا شواه
وخضراء في وكرّين غرغرتُ رأسها لأُبلى إذا فارقت في صحبتي عُذرا
خضراء يعني قارورة. وكرين غلافين غرغرت، أي جعلت لها غرغرة كأنّه صبَّ فيها أدهانا
وأسودَ ولاّج مع الناس لم يلجْ بإذنٍ ولم يقرفْ على نفسهِ وزْرا
قبضتُ عليه الكفَّ ثم تركته ولم أتّخذْ أرساله عنده ذُخرا
يعني الليل. قبضت الكفَّ على الليل فلم يقع في كفّي منه شيء
وفاشية في الأرض تلقَى بناتِها عواري لا تُكسَى دُروعًا ولا خمرا
[ ٩١ ]
فاشية، يعني شجرة الحنظل. يقول: وتلقى بناتها أيضًا كذلك
إذا ما المطايا سُفْنَها لم يذُقنها وإن كان أعلى نبتها ناعمًا نضْرا
سفنها، أي شممنها
وواردة فردٍ وذاتِ قرينةٍ تبيِّنُ ما قالت وما نطقت شعرا
يعني قطاةً وذات قرينة: معها غيرها
وحاملةٍ تسعينَ لم تلقَ منهمُ على موطنٍ إلاّ أخا ثقةِ صقْرا
يعني الكنانة، لم تجد لها ولدًا إلا أخا ثقة، يريد السَّهم
وأقصَمَ سيّارٍ مع الرَّكب لم يَدَعْ تراوحُ حافات السماءِ له صدرا
[ ٩٢ ]
يعني الهلال وحافات السماءِ: نواحيها
وأصغر من قَعب الوليد ترى به بيوتًا مُبَنَّاةً وأَوديةً خُضْرا
يعني عين الإنسان. والقعب: القدح، يريد هي أصغر منه. يريد أنك ترى بالعين بيوتًا وأوديةً، أي ترى بها كلَّ شيء وهي أصغر من كلّ شيء ردّه إلى أصغر
وشعبٍ أبَى أن تسلُكَ الغُفْر فوقه سَلكتُ قُراني من قياسرة سُمرا
يعني شعب فوق السهم. والغفر: ولد الأرويّة وقراني يعني الوتر، مثل فرادي وواحد قراني قرين من قياسرة يعني إبلًا، يعني وترًا من جلود هذه الإبل القيسريّة السّمر. وسلكت في معنى أسلكت
ومربوعةٍ ربعيةٍ قد لبَأْتها بكفَّيَّ في دوّيَّة نفرًا سفْرا
يعني بيض النعام: يقول: كسرتها فأخرجت ما فيها
[ ٩٣ ]
كأنه الماء والمربوعة: الكمأة أصابها مطر الربيع لبأتها: جعلتها لهم مثل اللّبأ وأنشد:
فلمّا علا سِطَةَ المَضْبَأَيْ نِ من ليله الذّنبُ الأَشعلُ
وأطلعَ منه اللَّياح الشَّمي طُ حَذوًا كما سُلَّت الأَنصُلُ
يصف ثورًا عند أرطاة وكلابًا. يريد مضْبأَ الثور ومضبأ الكلاب، حيث ضبأ وضبأت، أي لصقت بالأرض. والذنب الأشعل، يريد آخر الليل من الفجر الأول. واللَّياح: الأبيض، يريد الصّبح. والشَّميط: ما فيه لونان من ظلمة وضوء.
ونحوه لأبي ذؤيب:
شعفَ الكلابُ الضارباتُ فؤادَه فإذا يرى الصُّبْحَ المصدّقَ يفزعُ
[ ٩٤ ]
يريد أنه يأمن بالليل، لأنّ القنّاص إنّما يجيئون نهارا فإذا رأى الصّبح فزع.
وأما قول الحارث بن حلّزة:
آنستْ نبأةً وأفزعها الق نّاصُ عصرًا وقد دنا الإمساءُ
فالعصران: الغداة والعشيّ، وكذلك البردان وأنشد لغيره:
ولا يُدَبِّح منهم محْدِثٌ أبدًا إلاّ رأيتَ على باب آسته القمرا
التَّدبيح: أن يخفض الرجلُ رأسَه حتّى يكون أشدَّ انخفاضًا من أليتيه. " إلاّ رأيتَ على باب استه القمرا " يريد أنّهم برص الأستاه.
ومثله:
أرى كلَّ قوم نورُهم في وجوههم وأُخِّر في أَستاه حِمَّانَ نُورُها
[ ٩٥ ]
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: أخبرنا على الصّبّاح قال: سمعت أبا محلّم الشاعر ينشد لعيسى بن أوس أبي الجويرية العبديّ، يمدح الجنيد بن عبد الرحمن المرّيّ:
إلى مُستنيرِ الوجه طال بسودَدٍ تقاصرَ عنه الشاهقُ المتطاولُ
إذا سُئل المعروفَ أشرقَ وجهُه سرورًا فلم تكبُر عليه المسائلُ
إذا راحَ فوجٌ بالغنى من نواله أناخَ به فوجٌ من الناس نازلُ
عفافكَ معروفٌ وعقلكَ كاملٌ ورأيُك لا وانٍ ولا متواكلُ
وحزمكَ معلومٌ وجدُّك صاعد كذاك جدودُ الناس عال وسافلُ
مدحتُك بالحقِّ الذي أنت أهلُه ومِن مدَح الأَقوام حقٌّ وباطلُ
[ ٩٦ ]
يعيش الندى ما دمتَ حيًّا وإن تمُتْ فليس لباقٍ بعد موتك نائلُ
إذا قيل أيُّ الناسِ أكرمُ خلّةً أشارت ولم تظْلِمْ إليك الأّنامل
وما لامرئ عندِي مخيلةُ نعمة سواك وقد جادتْ علىَّ مخايلُ
وأخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا على بن الصبّاح قال: أنشد بحضرة أبي محلّم لعمر بن أبي ربيعة:
وما نلتُ منها مجرمًا غير أننا كلانا من الثوب المضرَّجِ لابسُ
فقال أبو محلّم: ألا أنشدك في هذا النحو ما يسجُدُ هذا له فقلت له: إن رأيتَ وقيتَ الأسواءَ. فأنشدني لابن ميادة:
وما نلتُ منها محرمًا غير أنني أقبِّل بسّامًا من الثّغر أفلجا
[ ٩٧ ]
وألثم فاها تارةً بعد تارةِ وأترك حاجات النفوس تحرُّجا
وإنّي على سَوط الهوى ذو تجلُّد أصابره ما لم أجدْ عنه مخرجا
ولا عيشَ إلا أن تبيتَ ملَهوجًا على نار من تهوى وتصبحَ منضجا
أنشدنا أبو بكر بن دريد لتأبط شرا:
وليلٍ بهيم كلَّما قلت غورّت كواكبُه عادت فما تتزيَّلُ
بها الرّكبُ أيْما يمَّم الركبُ يمموا وإن لم تلُحْ فالقومُ بالسير جهَّلُ
سرقه أبو نواس فقال وقد سمع غلامًا يقرأ: " كلَّما أضاءَ لهم مشوا فيه وإذا أظلمَ عليهم قاموا ":
وسيّارة جارَت عن القصد
[ ٩٨ ]
أخبرني أبي قال: أخبرنا عسل بن ذكوان عن المازني قال: سمعتُ الأصمعيّ يقول: ما سبق النابغة إلى قوله:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلتُ أن المنتأَى عنك واسع
ولا قال أحدٌ من الشعراءِ في هذا المعنى شيئًا أحسن منه سرقه الأخطل من النابغة وغيره، إلاّ أن ترتيب الكلام واحد فقال:
فإن أميرَ المؤمنين وفعلَه لكالدهرِ لا عارٌ بما فعل الدَّهرُ
وأخذه الفرزدق فقال:
ولو حملتْني الريحُ ثم طلبتني لكنتُ كشيء أدركته مقادرُه
وسرق سلمٌ الخاسر بيت الأخطل والفرزدق فقال:
وأنت الدَّهر مبثوثًا حبائله والدَّهرُ لا ملجأٌ منه ولا هربُ
[ ٩٩ ]
ولو ملكتُ عِنان الرِّيح أصرِفُه في كلِّ ناحية ما فاتك الطَّلبُ
وأخذه أيضًا على بن جبلة العكوك فقال:
وما لامرئٍ حاولته منك مَهربٌ ولو رفعَته في السماءِ المطالعُ
بل هاربً لا يهتدي لمكانه ظلامٌ ولا ضوْءٌ من الصبح ساطعُ
وأخذ البحتريُّ قوله:
ولو رفعته في السماءِ المطالع
فقال:
ولو أنَّهم ركبوا الكواكبَ لم يكن لمجدِّهمْ من أخذ بأسك مهربُ
أنشدنا أبو عليّ الآجريّ لدعبل:
أما آنَ أن يُعتِب المذْنِبُ ويرضى المسيء ولا يغضبُ
[ ١٠٠ ]
وغول اللَّجاجة غرّارةٌ تجِدُّ وتحسبها تلعبُ
أبعدَ الصَّفاء ومحضِ الإخاء يقيم الجفاءُ بنا يخطبُ
وقد كان مشربُنا صافيا زمانا فقد كدرَ المشربُ
وكنَّا نزعنا إلى مذهبٍ فسيحٍ فضاقَ بنا المذهبُ
ومن ذا المُواتي له دهرُه ومن ذا الذي عاش لا ينكَبُ
فإن كنتَ تعجَبُ مما ترى فما ستَرى بعده أعجبُ
فعُودُكَ من خُدَعٍ مُورِقٌ وواديكَ من عِلَل مخْصبُ
فإن كنتَ تحسبني جاهلًا فأنت الأحقّ بما تحسب
فلاتك كالراكب السَّبعَ كي يُهابَ وأنت له أَهيبُ
[ ١٠١ ]
ستُنْشِب نفسَك أُنشوطةً وأعزِزْ عليّ بما تُنشِبُ
وتحملها في اتّباع الهوى على آلة ظهرُها أحدبُ
فأبصِرْ لنفسك كيفَ النُّزو لُ في الأرض عن ظهرِ ما تركُب
ولو كنتُ أملك عنك الدِّفا ع دَفعْتُ، ولكنَّني أُغلبُ
كتب السفّاح إلى أبي مسلم: " إنه لم يزل من رأى أمير المؤمنين وأهل بيته الإحسان إلى المحسن، والإساءة إلى المسيء، ما لم يكد دينًا أو يثلم ملكا. وإن أمير المؤمنين قد وهب جرم حفص بن سليمان لك، وترك إساءته لإحسانك إن أحببت ذلك ".
فأجابه أبو مسلم: " إنه لا يتمّ إحسان أحد حتّى لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد قبلت منّة أمير المؤمنين وآثرت الانتقام له "
[ ١٠٢ ]
وبعث من اغتال حفص بن سليمان، فتمثَّل السفَّاح لمّا قتل:
أفي أن أحُشَّ الحربَ فيمن يحُشُّها ألامُ وفي ألاّ أقرَّ المخازيا
ألم أكُ نارًا يتّقى الناسُ حرَّها فترهبني إن لم تكن لي راجيا
وقال أبو سلمة للسفّاح: يا أمير المؤمنين، إنّ أمية ابن الأسكر وقف على ابن عمٍّ له حال عمّا كان يعهده فقال:
نشدتُك بالبيت الذي طاف حوله رجالٌ بنَوْه من لؤيّ بن غالبِ
فإنّك قد جرّبتني فوجدتني أعينُك في الجلَّي وأكفيك جانبي
وإن معشرٌ دبّتْ إليك عداوةً عقاربهم دبّتْ إليهم عقاربي
فقال السفّاح: من ضنَّ بالعلق النفيس أشفق من تلوُّثه. والله ما سافرت فكرتي فيك في مجازاتك عن
[ ١٠٣ ]
أياديك عندنا، إلاّ رجعت حسرى عن بلوغ استحقاقك فقال أبو سلمة: ذاك الظّنّ بأمير المؤمنين، والأمل فيه، والمرجوّ عنده.
وتمثّل السفّاح وقد نظر إلى أبي سلمة:
يديرونني عن سالم وأديره وجلدةُ بينَ العين والأنف سالمُ
ثم قال: أنت جلدةُ وجهي كُلِّه. ثم قتله بعد ذلك بمدّة.
لأبي عبيد الله وزير المهديّ:
لله دهرٌ أضعْنَا فيه أنفسنَا بالجهل لو أنه بعد النُّهى عادا
أفسدتُ ديني بإصلاحي خلافتهم وكان إصلاحها في الدِّين إفسادا
ما قرَّبوا أحدًا إلاّ ونيّتُهم أن يعقبوا قربَه بالغّدر إبعادا
قال أبو أيوبَ الموريانيّ للمنصور، وكان وزيره فسخط عليه: " يا أمير المؤمنين، تأنّ في أمري، وأرج
[ ١٠٤ ]
أطّراحي، فإنّ للتّهم وقفات على النّدم اعتراضها، وإلى التأسف انقلابها " فقال له المنصور: " كيف وقد أغرقت النّزع في قوس الخيانة، ومنعني ضيق ذنوبك من اتّساع العفو عليك " فقال: " يا أمير المؤمنين، ما أسأل أن تعطف عليَّ بحرمة، ولا تقبلني لخدمة، ولكن استعمل فيَّ أدبَ الله تعالى " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السِّيئات ويعلم ما تفعلون ". فقد عفا عن ذنوب علم حقائقها، وعرف ما كان قبلها؛ وظنّ أمير المؤمنين لا يبلغ هذه المعرفة، فهو يعفو عن شكّ، ويتجاوز عن ظنّه ".
فقال: " آلآن وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين ".
قال أبو عبيد الله وزير المهديّ من فصل له: " نخوة الشَّرف تناسب نخوةَ الغنى، والصَّبر على حقوق الثَّروة، أشدُّ من الصبَّر على ألم الحاجة، وذلُّ الفقر يسعى
[ ١٠٥ ]
على عزَّة الصَّبر، وجور الولاية مانعٌ من عدل الإنصاف، إلا من ناسب بعد الهمة، وكان لسلطانه قوّةٌ على شهواته.
ودخل أعرابيٌّ بدويٌّ إلى أبي عبيد الله فقال له: أيُّها الشيخ السيِّد إنّي والله أتسحَّب على كرمك، وأستوطئ فراش مجدك، وأستعين على نعمك بقدرك. وقد مضى لي وعدان، فاجعل النُّجحَ ثالثًا، أقد لك الشُّكر وافي العرف، شادخ الغرّة، بادي الأوضاح.
فقال أبو عبيد الله: ما وعدتك تغريرًا، ولا أخّرتك تقصيرًا، ولكنّ الأشغال تقطعني وتأخذُ أوفرَ الحظّ منّى. وأنا أبلغ جهد الكفاية ومنتهى الوسع بأوفر ما يكون، وأحمده عاقبةً، وأقر به أمدا.
فقال الأعرابي: يا جلساء الصدق، قد أحضرني التطوّل فهل من معين منجد، أو مساعد منشد؟
فقال بعض كتابه لأبي عبيد الله: والله أصلحك الله
[ ١٠٦ ]
ما قصد حتى أمّلك، وما أمّلك حتّى أجال النظر، وأمن الخطر، وأيقن بالظفر. فحقّق أمله بتهيئة التعجُّل، فإن الشاعر يقول:
إذا ما اجتلاه المجدُ عن وعد آمل تبلَّج عن نُجحٍ ليستكمل الشُّكرا
ولم يثنِه مطلُ العِدات عن التي يجوزُ بها الحمدَ الموفَّر والأجرا
فأمر أبو عبيد الله بإحضار جائزته فقال الأعرابي للفتى: خذها، فأنت سببها. فقال الفتى: شكرك أحبّ إليّ منها. فقال أبو عبيد الله للأعرابي: خذها فقد أمرت للكاتب بمثلها. فقال الأعرابي: الآن كمّلت النّعمة، وتمّمت المنّة، أحسن الله جزاءك، وأدام نعماءك.
وقال أبو عبيد الله لرجل تحمّل عليه بشفعاء: لولا أنّ حقَّك لا يضاع لحجبتُ عنك حسنَ نظري أتظنّني أجهلُ الإحسانَ حتّى أعلّمه، ولا أعرف موضع المعروف حتى أعرفه. لو كان لا ينال ما عندي إلاّ بغيري لكنت بمنزلة البعير الذّلول، عليه الحمل الثقيل، إن قيد انقاد، وإن أنيخ ترك لا يملك من نفسه شيئًا.
[ ١٠٧ ]
فقال الرجل: معرفتك بمواقع الصنائع أثقب من معرفة غيرك، ولم أجعل فلانًا شفيعًا إنما جعلته مذكرا.
فقال وأيّ إذكار لمن رعى حقَّك أبلغ من تسليمك عليه، ومصيرك إليه. إنه متى لم يتصفّح المأمول أسماء مؤملّيه بقلبه غدوة وعشيًا لم يكن للأمل أهلًا، وجرى المقدار لمؤمليه على يديه بما قدِّر، وهو غير محمود ولا مشكور. وما لي إمامٌ أدرسه بعد وردي من القرآن إلاّ أسماء رجال التأميل لي، وما أبيتُ ليلةً حتّى أعرضهم على قلبي.
ووقّع في كتاب عامل: عجّل علينا بمبلغ ما اجتمع قبلك من الغلاّت، ولا تبطئ به، وإيّاك أن تستملي من جارك مطلًا به، ودفعًا عنه. وانفضْ عنك مقالة من يشينك ولا يزينك، ويوردك ولا يصدرك. ولله درُّ عديّ بن زيد حين يقول:
عن المرء لا تسأَل وأبصر قرينه فإنّ القرين بالمقارن يقتدى
[ ١٠٨ ]
تمثَّل المهديُّ وقد نظر إلى أبي عبيد الله:
رأيتك للأقصى صبًا غير قرّةٍ تذاءبَ منها مرزغٌ ومسيلُ
وأنت على الأدنى شمالٌ عريّةٌ شآميةٌ تزوي الوجوه بليلُ
وفي مثله لمسافر بن أبي عمرو:
تمتُّ إلى الأقصَى بثديك كلِّه وأنت على الأدنى صروم مجدَّد
فإنك لم أصلحت من أنت مفسِدٌ تودّدك الأقصى الذي تتودّد
أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة عن المدايني قال: جرى بين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد منازعة،
[ ١٠٩ ]
فأغلظ له عمرو، فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: يا عمرو، تكلِّم أمير المؤمنين بمثل هذا؟ فقال له عمرو بن سعيد: اسكت فو الله لقد سلبوك ملكك ونكحوا أمَّك، وغلبوا أمرَك، فما هذا النُّصح الموشَّح يغشّ! أنت والله كما قال الشاعر:
كمرضعةٍ أولاد أخرى وضيَّعتْ بنيها فلم ترقع بذلك مرقَعا
وفي مثل هذا لابن هرمة:
فإني وتركي نجى الأكرمين وقدحي بكفِّيَ زندًا شحاحا
كتاركةٍ بيْضَها بالعراءِ وملبسةٍ بيضَ أخرى جناحا
أخبرنا نفطويه أبو عبد الله قال: أخبرنا ثعلبٌ عن الزبير بن بكّار قال:
[ ١١٠ ]
خرج الفضل بن يحيى يريد سفرًا، فودّعه أهله مكتئبين لفرقته، فقال: قاتل الله جميلًا حيث يقول:
لمّا دنا البينُ بينُ الحيِّ واقتسموا حبلَ النَّوى فهو في أيديهمُ قطَعُ
جادت بأدمعها سَلمى وأعجزني قربُ الفراق فما أُبقي ولا أدعُ
يا قلبُ ويحكَ لا سلمى بذي سلمٍ ولا الزمان الذي قد فات مرتَجَعَ
أكُلَّما مرَّ ركبٌ لا تلائمهم ولا يبالون أن يشتاقَ من فجَعوا
علَّقتني بهوىً منهم فقد جعلتْ من الفراق حصاةُ القلب تنصدعُ
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: سمعت أبا العيناء يحدّث أنّ رجلًا كلم بن خالد البرمكيّ في رجل أن يولّيه، فقال يحيى: إنّا لا نشرك في أماناتنا ولا ينسب إلى عقولنا أفعال غيرنا، ولا نسترعي رعيّة أمير المؤمنين إلاَّ المستحقين الذين توجب لهم المعرفة المنزلة،
[ ١١١ ]
ولست أعرف هذا الرجل بالكفاية فأشفّعك في أمره بالإجابة، ولا بغيرها فأردّك عن مسألتك، فإن أحبَّ ما عندنا خضر لننظر ما عنده، فإن كان مضطلعًا بالولاية ناهضًا بثقلها، زينةً للسّلطان وعذرًا بينه وبين الرّعية، ولّيته قدر ما يستحقّ وإن كان مقصّرًا عن ذلك قضيت حقّه عنك بصلةٍ تكون كفاءً لما أمّلته له.
فقال له الرّجل: إنّ لي رسمًا في العمالة. فقال يحيى: ليس كلّ من رسم بشيءٍ لشفاعة أو هوىً أو باختيار من لا يوثق باختياره، يقضي له بالكفاية. وقد أعلمتك أننا نكره أن نجعل بيننا وبين الرعية من لا يعرف وزنه، فإنّ أموره راجعةٌ إلينا، ومتّصلة بنا. واعلم أنّ الرسوم قد جرت لأقوامٍ بولايات، ورسمها لهم قوم لو حضرني الراسمون لهم ذلك، لما رأيتهم أهلًا للولاية التي رسموها لغيرهم.
ووقع يحيى بن خالد في رقعة رجل استعمله فخان:
قد رأيناكَ فما أعجبتنَا وخبَرْناكَ فلم نرض الخُبُرْ
[ ١١٢ ]
قال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما مدحنا بشعرٍ أحبّ إلينا من قول أبي نواس:
سادَ الملوكَ ثلاثةٌ ما منهم إنْ حصِّلوا إلاّ أغرُّ قريعُ
ساد الربيع وساد فضلٌ بعده وعلَتْ بعباسَ الكريمِ فروعٌ
عباسُ عبّاسُ إذا احتدمَ الوغَى والفضل فضلٌ والرّبيع ربيعُ
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: أخبرنا العباس بن بكّار قال: حدثني شبيب بن شيبة قال: حضرتُ يحيى بن خالد وقد قال له رجل: والله لأنت أحلم من الأحنف، وأحكم من معاوية، وأحزم عن عبد الملك، وأعدل من عمر بن عبد العزيز فقال له يحيى: والله لعميرٌ غلام الأحنف منّى، ولسرجونُ غلام
[ ١١٣ ]
معاوية أحكم، ولأبو الزُّعيزعة صاحب شرط عبد الملك أحزم، ولمزاحمٌ قهرمان عمر أعدل منّي، وما تقرّب إليّ من أعطاني فوق حقّي! قال شبيب: فعجبت من سرعة جوابه، وتعديده لمن لا يعرفه، حتّى كأنه أعدّ الجواب.
[ ١١٤ ]