إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله الخفاجي
من أعيان مدينة شقر، وهي جزيرة قد أحدق النهر بها؛ كما أحدق بحدقة شفر؛ وحسبك من ماء سائح، وطائر صادح؛ وبطاح عرضة، ورياض أريضة؛ فلا ترى إلا انسجام الغمام، ولا تسمع إلا ترنم البلبل والحمام. فمن قوله:
ومُهفهفٍ طاوِي الحَشَا خَنِث المَعاطف والنَّظَر
بهر العيونَ بصورة تُلِيتُ محاسنُها سُوَر
وإذا رَنا وإذا شَدا وإذا سَعى وإذا سَفَر
فَضَح المُدامةَ والحَما مة والغَمامة والقَمر
قول الخفاجي: وإذا رنا فضح المدامة مأخوذ كم قول القائل:
وعَيْنَانِ قال الله كُونا فكانتا فَعُولان بالألباب ما تفعل الخَمرُ
[ ١١١ ]
ووصفه لها بالغمامة مأخوذ من قول الأعشى:
كأنَّ مِشيتها من بيت جَارِتها مرُّ السَّحابة لا ريثٌ ولا عجلُ
قال الوزير أبو إسحاق: سبب هذه القطعة أنى ذهبت يومًا أريد باب السمارين بشاطبة، ابتغاء الفرجة على جرية ذلك الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ثمانين وأربعمائة، وإذا الفقيه أبو عمران بن أبي تليد ﵀ قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالسا على مصطبة كانت هنالك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه، وجلست إليه متأنسا به وبتلك الحال، فأنشد أثناء ما تناشدناه قول ابن رشيق ﵀:
يا من يُّمر ولا تَمرُّ به القُلوب من الفَرَقْ
بعِمَامةٍ من خدّه أو خَدُّه منها استَرَق
فكأَنَّه وكأَنها قَمَرٌ تَعمَّم بالشَّفق
فإذَا بدا وإذا مشى وإذا رَنا وإذا نَطَق
شَغَل الجوانَح والجوا رحَ والخواطرَ والحدَق
[ ١١٢ ]
فقال، وقد اعجب بها جدا: احسن ما في القطعة حسن سياقة الإعداد. فقلت له: هي حسنة، ولكنها دون موقعها منك. وإلا الست تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد منها ما يلائمها. وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: وإذا نطق: قوله: شغل الحدق. وكأنه نازعني القول في هذا. فقلت هذه القطعة المتقدمة انسج على ذلك المنوال. قال: فاستحسنها ابن أبي تليد.
قلت: هذا تعسف. ولم يرد ابن رشيق مقابلة الأعداد بعضها ببعض، وإنما أراد أن
جملة محاسن هذا النير الزاهر، شغلت جملة هذا المتأمل الناظر. وقد عارضه الخفاجي في هذا الروي:
يا شَفَقًا ساطعًا على فَلَقْ يا ذَهبًا سائلًا على وَرِقْ
ما الحُسن إلا مُعصفَرُ شَرِق فاض على جسمٍ أبيضِ يَقَقْ
قد نَصب الحُسنُ وجْهَه غَرضًا تَرشُقُه اسهٌم من الحَدَقْ
أبْيَضَّ واخضرَّ شطُر عارِضه فاقترن النَّوْر منه بالوَرَق
[ ١١٣ ]
أنشدني الفقيه الأجل القاضي بمدينة شقر أبو يوسف يعقوب بن محمد بن خلف ابن يونس بن طلحة للخفاجي:
كتبتُ وقلبي في يديك أسيرُ يُقيم كما شَاء الهوَى وأسيرُ
ولي كَّل حينٍ من هواكِ وأدمعي بكل مكانٍ روضةٌ وغدير
وله:
كتاُبنَا ولدينا البدرُ نَدْمانُ وعندنا لكُئوس الرَّاح شُهْبانُ
والقُضْبُ مائسةٌ والطير ساجعة والأرض كاسِية والجوُّ عُريان
وله:
رب طِرْفٍ كالطَّرْفِ سُرعَة عَدْوٍ لَيس يَسري سُراهُ طيفُ الخَيَالِ
إن سَرى في الدُّجى فبعضُ الدَّراري أو سَعى في الفَلا فإحدى السَّعالي
لستُ ادري إن قِيد ليلة أسْرِى أو تَمطَّيته غداةَ قِتال
أجَنُوبٌ مَقُودةٌ من جَنِيب أو شَمَال موضوعةٌ في شمالي
جَال في أنْجُم من الحَلْيِ بِيضٍ وقَميِص من الصَّباح مُذال
أشهبُ اللّون أثقلتْه حُلِيٌّ خَبَّ فيهنّ وهو مُلْقى الجِلاَل
فبدَا الصُّبحُ مُلجَمًا بالثُّرياّ وجَرى البرقُ مُسْرَجًا بالهلال
[ ١١٤ ]
قال ذو النسبين، ﵁: وقد اخذ هذا المعنى بعض أهل عصره، يقال:
هو أبو الصلت، فقال وزاد فيه معنى من معنى البديع، وهو التشكيل، فقال:
وأشهبٍ كالشهابِ وافَي يَجُول في مُذَهب الجِلاَ
قال حَسُودي وقد رآه يُجْنَب خَلْفي إلى القِتَال
من ألْجَمَ الصُّبْح بالثريا وأسْرَج البرق بالهلال
وقال الوزير أبو إسحاق بن خفاجة في قوس:
عَوْجاءُ تُعطَف ثم تُرسَل تارةً فكأنما هي حَيّةٌ تَنسابُ
وإذا أنْحَنَتْ والسَّهْمُ منها خارجٌ فَهْيَ الهِلاُل انقضَّ منه شهاب
وله:
وعسَى الليالِي أن تَمُنَّ بنَظْمنا عِقْدًا كما كنا عليه وأفْضَلا
فلربمّا نُثِرَ الجُمَانُ تعمُّدًا ليُعادَ أحسنَ في النِّظام وأجملاَ
[ ١١٥ ]
وهذا مأخوذ من قول مهيار:
عسى الله يجعلُها فُرْقَةً تعودُ بأكرم مُستجَمعِ
وله:
حيَّا بِها ونَسيمُها كَنسيمِه فشَرِبْتُها من كفّه في وُدِه
مُنساغَةً فكأَنها من رِيقه مُحمرَّة فكأَنها من خَدِّه
وأنشدني الفقيه القاضي الفاضل أبو يوسف يعقوب بن محمد بن طلحة قال: أنشدني الوزير أبو إسحاق الخفاجي لنفسه في النيلوفر:
ونِيلُوفَرٍ لم يَدْرِ ما مَسُّ حُرْقةٍ بُحبٍّ ولا مَا لوعةٌ وغرامُ
يَهُبّ مع الإصباحِ من سِنةِ الكَرَى ويُطْبِق ليلًا جَفنَه فَيَنامُ
وأنشدني له أيضا، يحمل على طلب العلم والتحلي به:
عشْ طالبًا أو عَليمًا فالجهلُ عينُ المَحَّطهْ
ولا يَصُدُّك يأسٌ عن نَيْلِ أشرِف خُطَّه
فمبدأُ النار سِقْطٌ وأولُ الخطِّ نُقطة
[ ١١٦ ]
ولما بلغ سن الكهولة، وأدرك من أقطار الشبيبة مأموله؛ نام فرأى أنه مستيقظ يفكر فيما سلف من بطالته، ويتحسر على ما فرط من تجريه على معصية الله واستطالته؛ ويتذكر ما مضى من شبابه، ومن انقضى منى أحبابه؛ ودمعه يباري صوب المزن في انصبابه، ويحكيه في انسجامه وانسكابه؛ فانتبه وهو منتبه لرشاده، مقبل على التزود لمعاده، منشد ما تنزعج القلوب من إنشاده:
ألاَ سأجلْ دُموعيَ يا غَمامُ وطارِحْني بشَجْوك يا حَمَامُ
فقد وفّيتُها ستّين حَوْلًا ونادتْني ورائيَ هل أمام
وكنت ومِن لُباناتِي لُبَيْنَي هناك ومن مَراضِعِيَ المُدام
يطالعُنا الصّباحُ ببطن حُزْوى فيُنكرنا ويَعرفُنا الظلاَّم
وكان به البشَامُ مراحَ أُنسى فماذا بعدنا فَعل البَشَام
فيا شرْخَ الشباب ألاَ لِقَاءٌ يُبَلُّ به على بَرْحٍ أوَام ُ
ويا ظِلّ الشَّبابِ وكنتَ تَنْدَى على أفياءِ سَرْحَتِك السّلامُ
[ ١١٧ ]
ومن شعراء جزيرة الأندلس وفحولها، البريء مطروق الأشعار ومنحولها، ذو الآداب والفنون: